الرئيسية | قضايا و آراء | رسائل في الذاكرة: (رسالة ابن باديس إلى السيدة: عادلة بيهم الجزائري)/ حجيبة شيدخ

رسائل في الذاكرة: (رسالة ابن باديس إلى السيدة: عادلة بيهم الجزائري)/ حجيبة شيدخ

اهتم ابن باديس بإصلاح شؤون المرأة، وذلك انطلاقا من قناعته أن أحوال المجتمع الجزائري لا يمكن أن تصلح إلا بالإصلاح المتكامل لأفراد المجتمع، وفي سبيل تحقيق ذلك قدم أعمالا جليلة تستحق الوقوف معها وإعادة قراءتها لنعي أن الإيجابية والتضحية والممارسة الواقعية محطات مضيئة في حياة الزعماء، وهي التي تحقق المعنى الصحيح لمفهوم الرسالية.

فتح ابن باديس أقساما خاصة لتعليم البنات بمدرسة التربية والتعليم بقسنطيتة، وأمر بفعل ذلك في كل مدارس جمعية العلماءالمسلمين بالجزائر، ومن المواقف الرسالية التي قام بها أنه كان يخرج بنفسه ليتجول على الناس في المتاجر ويجمع الاشتراكات والإعانات لتعليم البنات، وحث الناس على تعليم بناتهم، وعندما يجيبه البعض بأن لا بنت له يطلب منه مبلغا من المال لينفق على بنت أخرى لغيره.

وبعدما تخرجت البنات من مدارس الجمعية سنة 1938م  تأثرن كثيرا لأنهن لم يجدن مدارس أخرى يتوجهن إليها لإتمام الدراسة على عكس الأولاد الذين أرسلوا إلى الزيتونة، وعندما اطلع ابن باديس على إعلان بمجلة الرابطة يفيد

وجود مدرسة بدمشق تسمى”دوحة الأدب”خاصة بتعليم البنات أرسل رسالة إلى مديرة المدرسة يطلب منها التفضل بقبول مجموعة من التلميذات للالتحاق بها وهذا نص الرسالة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله.

 قسنطينة في جمادي 2_1357هـ أوت 1938م

حضرة السيدة الجليلة رئيسة جمعية دوحة الأدب المحترمة .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد فاسمحي لي يا سيدتي أن أتقدم إلى حضرتكم بهذا الكتاب من غير تشرف سابق بمعرفتكم غير ما تربطنا به الروابط العديدة المتينة التي تجمع القطرين الشقيقين الشام والجزائر .

يسرني يا سيدتي أن تعرفي أن بالجزائر نهضة أدبية تهذيبية تستمد حياتها من العروبة والإسلام غايتها رفع مستوى الشعب العلمي والأخلاقي ومن مؤسسات هذه النهضة جمعية التربية والتعليم بقسنطينة.

ولما علمت إدارتها بجمعيتكم المباركة بما تنشر عنها مجلة الرابطة الإسلامية، رغبت أن ترسل بعض البنات ليتعلمن في مدرسة الجمعية، فهي ترغب أن تعرفوها بالسبيل إلى ذلك .

تفضلي سيدتي بقبول تحيات الجمعية وإخلاصها والسلام من رئيس الجمعية: عبد الحميد بن باديس.[1]

والذي نستنتجه من محتوى هذه الرسالة أن ابن باديس كان يريد للبنات أن يتقدمن في الدراسة إلى مراحل أرقى من المراحل الابتدائية، وقد تولى بنفسه السعي من أجل تحقيق ذلك، كما أن لغة الرسالة تفيد احترامه لهذه السيدة المناضلة، ولمكانتها المرموقة.

وقد ردت هذه السيدة بالموافقة على طلب ابن باديس، واستعدت مجموعة من البنات للسفر إلى الشام، للعام الدراسي 39/40 إلا أن اندلاع الحرب العالمية في شهر سبتمبر من سنة 39 ووفاة ابن باديس يوم 16أفريل 1940م حال دون تحقق ذلك الحلم. [2]

هذه السيدة التي راسلها ابن باديس يطلق عليها الباحثون: أميرة رائدات الإصلاح في القرن العشرين، ولدت سنة 1900م وتعلمت العلوم الدينية وعلوم العربية على يد العلامة عبد الله البستاني، وعاشت فترة الانتداب الفرنسي على سوريا، فاختارت أن تكون مناهضة لهذا المستعمر، ومدافعة عن حقوق المرأة والعروبة في كل بقاع العالم العربي.

بدأت العمل التطوعي في سن مبكرة من حياتها وتزوجت من الأمير مختار عبد القادر الجزائري، كانت حياتها ثرية بالنضال، فشاركت مع زميلات لها في الخطوط الخلفية أثناء الثورة السورية عام 1925م لدعم الثوار ومساعدتهم، وتأليف لجنة لإغاثة أسرالثوار والشهداء وإسعافهم. [3]

أسست مع زميلاتها جمعية يقظة المرأة الشامية عام 1927م التي هدفت إلى تشجيع عمل النساء في الريف وإحياء وتنظيم الصناعات اليدوية التقليدية، أسهمت عام 1928م في تأسيس جمعية دوحة الأدب في اجتماع حاشد في المجمع العلمي العربي، حيث وضعت أهداف هذه الجمعية اللبنة الأولى لإشراك المرأة في الحياة العامة، وبخاصة في النضال الوطني، وترجمت ذلك بإحداث مدرسة لتنشئة الفتيات تنشئة تعتمد على روح تقدمية عربية، لم يستسغ المستعمر الفرنسي الفكرة، فامتنع عن الترخيص لها، وافتتحت المدرسة أبوابها دون ترخيص.[4]

ومن المواقف المشرفة لهذه المرأة مساندتها للثورة الجزائرية، إذ سجل لها التاريخ ولزميلاتها ما قمن به من جمع للتبرعات للمجاهدين في الجزائر.[5]

كانت حياة هذه المرأة مليئة بالأعمال الخيرة، فلم تمنعها حياتها الخاصة من الابتعاد عن ساحة الجهاد بل أشركت أسرتها كلها في أعمالها التطوعية والتحررية، فقد كانت ابنتها “أمل” الجزائري خير سند لها في نشاطها الذي لم يعرف الفتور إلى أن وافتها المنية سنة1975م.

لقد كانت رسالة ابن باديس إلى امرأة رسالية عاشت حياتها من أجل تغيير أوضاع المرأة في المجتمع العربي ومحاربة المستعمر الذي غير ملامح البلدان العربية بالتدمير والتشويه، ولازالت المعركة قائمة مع هذا العدو لأنه خرج وترك عملاء أوفياء يحتاجون إلى مقاومين مخلصين مثل ابن باديس وعادلة بيهم الجزائري .

[1]_هذه الرسالة نشرها المؤرخ يحي بوعزيز في كتابه ، المرأة الجزائرية وحركة الإصلاح النسوية العربية _ دار الهدى_، وذكرأنه استلمها من الشيخ محمد الصالح رمضان  _  أنظر الكتاب ص27 .

[2]_يحي بوعزيز ، المصذر السابق ،ص 27.

[3]_موقع موسوعة المعرفة

[4]_ عزة آقبيق ، “عادلة بيهم”.. أميرة الرائدات العربيات في القرن العشرين _موقع دمشق _ لأربعاء 28 كانون الأول 2011م

[5]_يحي بوعزيز،المصدر السابق ص 29،30.

عن المحرر

شاهد أيضاً

إن لم نتجدد نتبدد…

مداني حديبي/ زيارة المكتبات ومتابعة جديدها بين الفينة والأخرى تمنحك التطوير والتجديد في كتاباتك ومحاضراتك …