الرئيسية | قضايا و آراء | مفهوم الحرّية في الإسلام/ محمّد بن حامد بومشرة السّنوسي

مفهوم الحرّية في الإسلام/ محمّد بن حامد بومشرة السّنوسي

 إنّ الحرّية ضحّت من أجلها الشّعوب، وفي سبيلها ثارت لتحيا حرّة أبيّة، وأُريقت في سبيلها الدّماء الزّكية، واعتقل زعماء ونفوا من ديارهم، ومن أجلها شُتّتت عائلات وشُرّدت. قال الله سبحانه وتعالى وهو أصدق القائلين:﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾[النّساء:95]. فمثل هؤلاء فمنهم من سُلبت حرّيتُه فصار من المستضعفين في الأرض، يأتمر بأمر الحاكِم وينتهي بنهيه، فمنذ العصور القديمة وحتّى الحديثة، كانت الحرّية شعارًا للشّعوب المضطهدة، والطّبقات الكادحة ضدّ مغتصبي السّلطة والثّروة وحتّى الأراضي، والمسيطرين على رقاب المواطنين في تلك المجتمعات المتخلّفة باسم:(الدّين لله والوطن للجميع).

وعلى هذا الأساس جاء نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم بطريقة تربويّة هادفة في بداية دعوته إلى الله سبحانه وتعالى، بتحرير العقل قبل تحرير البدن، فمن المستحيل أن تسعى لتحرير بدن أو جسمَ إنسان وعقله عقل العبيد يفكّر بتفكيرهم؛ كما قال شيخنا الإمام محمّد البشير الإبراهيمي:(محالٌ أن يتحرّر بدنٌ يحمل عقلا عبدا).

ففي أمريكا في القرون الماضية كانت العبيد تُباع وتشترى خاصّة ذوي البشرة السّوداء، وكان العبيد المقرّبون من أسيادهم يخدمونهم في بيوتهم، يأكلون فتات وبقايا ما أكله الأسياد، ويلبسون ملابسهم الرّثّة البالية، وكانوا يتوهّمون أنّهم على مساواة بينهم وبين أسيادهم وأولادهم.

وكان الفرد من هؤلاء العبيد يحمل عقلا عبدا يشي بإخوانه العبيد القريبة حياتهم من حياة الكلاب والحمير الذين كان مكانهم في المزارع والإسطبلات حين يرغبون في التّعليم، أو يفكّرون في الحرّية، كان الخبر يبلغ الأسياد فورا، فيعذّبونهم عذابا لا مثيل له في ساحة عمومية، ويجلدونهم بالسّياط، ويحرّشون كلابهم المدرّبة تنهشهم نهشا أمام عائلاتهم وأولادهم إذا ما أُلقوا القبض على من فرّ من العبيد بحثا عن الحرّية؛ وذلك حتّى يُنسوه معنى الحرّيةِ تماما، بل كانوا يبترون أحد أعضائهم أو يفقؤون إحدى أعينهم حتّى لا يفكّر هو ولا أبناؤه مرّة أخرى في كلمة الحرّية.

وللحرّية علاقة مباشرة مع الأساس الذي من أجله وُجِدَ الإنسان في أيّ مكان وفي أيّ زمان. من أجل ذلك يُعَدُّ الإنسانُ نفسُه مخلوقا مميّزا عن بقية المخلوقات. ومفهوم الحرّية ليس ترديد عبارة:”أنا حرٌّ أفعل ما أشاء!” فلا يقول الحاكم: أنا حرٌّ أفعل ما أشاء! ولا يقول المواطن مهما كانت مسؤوليته في الوظيفة: أنا حرٌّ أفعل ما أشاء! ولا حتّى المواطن البسيط يقول: أنا حرٌّ أفعل ما أشاء! فيرمي كيس قمامته خِلسة بعيدا عن داره حيثُ يحلو له، والآخر يغسل سيّارته مستعملا خرطوم الماء تاركا كمّية من الماء تسيل في ضياع، وغيره يترك الضّوء ببيته مشعولا طيلة اللّيل…

وقد ضاع مفهوم الحرّية بين شبابنا فمنهم من احتلّ الأرصفة وأخرج سلعته للبيع؛ ومنهم من استغلّ الرّصيف وهو يحمل عصًا طلبا للرّزق بدون تعب، يصطاد صاحب السّيّارة الذي ركنها جانب الرّصيف ليأخذ منه مبلغا عُنوة؛ ومنهم من ركنوا سيّاراتهم على الرّصيف؛ ومنهم من احتلّوا الأرصفة نهائيا من أجل المقاهي؟!.

فالمعنى الحقيقي للحرّية يكمن في توحيد الله سبحانه وتعالى، حيث تتحرّر النّفس والعقل البشري من القيود الوثنية، أو عبادة الفرد والانصياع للأشخاص ذوي النّفوذ والرّتب العالية في المناصب لغير الله تعالى علوًّا كبيرًا.

والحرّية في الإسلام ضدّ العبودية وضدّ الرّقّ وضدّ الوثنية والظّلم، فينتج عمّن خالف هذا الفهم للحرّية عبودية الأشخاص والمسؤولين إلى درجة التّقديس، ممّا يؤدّي إلى ضياع البلاد والعباد. وهذا ما سعى إليه الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، وعمل على تحرير العقول قبل تحرير الأبدان ثمّ تنويرها لتعود الفائدة على الفرد والمجتمع على حدٍّ سواء.

يقول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم آمرا ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما وأمّتنا أن يرفعوا الأغلال عن عقولهم، وأن يفكُّوا القيود عن أفكارهم المستوردة من الخارج، لأنّ الآجال والأرزاق والنّفع والضّرّ بيد الخالق الرّازق، من حيث لا يدري الإنسان؛ قال عليه الصّلاة والسّلام: “يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: اِحْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، اِحْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ. رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجفَّتِ الصُّحُف“[سنن التّرمذي الصّفحة  الرّقم: 2516، عن عبد الله بن عبّاس].

كلُّ واحد منّا حرٌّ في التّفكير السّليم، وحرٌّ في العمل الصّالح للمجتمع؛ ومن منّا لا يعرف أنّ حرّية الفرد تنتهي حيث تبدأ حرّية الآخرين؟!.

فها هو ذا عنترة بن شدّاد العبسي عاش جزءًا من حياته عبدًا لأبيه الذي أنكر أبوّته وحرّيته، وكان الأسياد يُنادونه في السّلم يا ابن زبيبة يُنسبونه لأمّه “زبيبة”. وفي الحروب ينادوه باسمه العائلي إجلالا له وإكبارا ليغزو معهم، ويدفع عنهم هجوم العدو؛ فكان يقول:

ينادونني في السّلم يا ابن زبيبة

وعند اصطدام الخيل يا ابن الأطايب

وفي غارة من قبيلة “طيّء” على قبيلة “عبس” وقد أصابوا منهم خسائر، وكان عنترة في حيادٍ، فما كان من شدّاد والدُ عنترة إلّا أن يناديه بصوت عالٍ ليلتحق بالمعركة للذّود عن الحِمى، قائلا له: كُرْ يا عنترة! فقال عنترة: العبدُ لا يُحسِن الكرَّ، إنّما يُحسن الحِلابَ والصّرّ! فقال له أبوه: كُرْ وأنت حر! فكرَّ وأبلى بلاءً حسنا يومئذ. فادّعاه أبوه بعد ذلك وألحق نسبَه به. وقد بلغ حُلم هذا الفارس أخْذ حرّيته الضّائعة بين عائلته في قبيلته.

وها هي ذي هند بنت عتبة بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تُعلن إسلامها، وتلتزم بشروط إسلامها؛ قال لها رسول الله عليه الصّلاة والسّلام:” أُبَايِعُكِ عَلَى أَلَّا تُشْرِكِي بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرَقِي، وَلَا تَزْنِي؛ قالت: أوَ تزني الحرّة؟!. لأنّ المرأة الحرّة في زمانهم لا تقترب من الزّنا، لأنّها حرّة كريمة”.

فالحرّية هي من أهمّ ما يملك الإنسان، وحتّى الحيوان الذي في القفص أو المقيّد بالحبل والسّلاسل يشتاق إلى أن يكون حرًّا طليقا.

وحرّية الإنسان- بتفكيره السّليم- تقوده إلى الإبداع، والمُبدع – في الغالب- يكون واثقا من نفسه، والواثق من نفسه تجده فعّالا في حياته؛ فكلّ مولود خلقه الله عزّ وجلّ لدورٍ يقوم به، أو لأمرٍ ما؛ قال عليه الصّلاة والسّلام: “اِعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ“[رواه الشّيخان في صحيحيهما].

أمّا أولادنا شبابا وشابّات هم أحرار، إنّما يحتاجون منّا التّوجيه والنّصح؛ يقول عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه مقولته المشهورة: “متى استعبدتم النّاس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارًا” فلا خير فينا إن لم نقدّم لهم نصائح، ولا خير فيهم إن لم يقبلوا النّصائح.

إنّ الحرّية هي لكلّ مخلوق، ليس لأحد أن يتجرّأ على حرمانها من آخر أو تحديدها. فهي له كاملة غير منقوصة لتجعله يشعر بأهمّية وجوده ودوره في مجتمعه.

وكما هناك حرّية فردية فهناك حرّية جماعية. وقد ضرب لنا سيّد الخلق صلّى الله عليه وسلّم في هذا الحديث الشّريف مثلا ذا أهمّية بالغة للفهم السّليم، والإدراك الصّحيح لمعنى الحرّية في كلّ زمان للمسلمين ولغير المسلمين؛ قال عليه الصّلاة والسّلام: “مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا؛ فَكَانَ الذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِعًا“[رواه النّعمان بن بشير، صحيح البخاري الصّفحة أو الرّقم: 2493]

إنّه لمثلٌ بليغٌ جدّا يقرّر سُنّة من سنن الله سبحانه وتعالى في هذا الكون، وأصلا من الأصول العظيمة في فهم الحرّية؛ فهي ليست مطلقةً: إمّا أن تعمل ما تشاء، أو لا تعمل شيئا؟ بل على الفرد أن يكون واعيا بمسؤولياته، مُدرِكا لِما يحيطه من سياسات داخلية وخارجية، مُساهما في بناء مصير أمّته والاستشراف إلى مستقبل أفضل.

ففي هذا الحديث الشّريف أيضا، مثّل عليه الصّلاة والسّلام -الذي لا ينطق عن الهوى- المجتمعَ بركّاب السّفينة، وربط حياتهم ببقائها، وهلاكهم بغرقها.

فيوم كان كلّ فرد يشعر بمسؤوليته على نفسه وعلى أهل بيته وفي حيّه وفي مدينته وفي وطنه كنّا بخير. وبالمفهوم الصّحيح للحرّية، يجب على كلّ أفراد المجتمع أن يحرصوا على مجتمعهم حِرصهم على حياتهم، فنقول للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت، وأن نقبض على يد الظّالم حتّى لا يُفسد في الأرض وهو يظنّ أنّه حرٌّ يفعل ما يشاء، فيُهلك نفسه ويُهلك مجتمعه، ثمّ نكون في آخر الرّكب بين الأمم المتقدّمة، ونندم حيث لا ينفع النّدم.. فحرّية الفرد تنتهي حيث تبدأ حرّية الفرد الآخر، قال الله تعالى وهو أصدق القائلين:﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾[البقرة:193].

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾[الطّلاق:01]. وصلّ اللّهمّ على سيّد الخلق أجمعين صلاة دائمة أبدا.

تلمسان: 09 ربيع الثّاني 1441 هجرية، الموافق لـ: 06 ديسمبر 2019.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

حرية التعبير والإساءة والتجديف

أ. عبد القادر قلاتي / منذ سنوات قليلة صدر كتاب لمجموعة من الانثروبولوجيين الغربيين وعلى …