الرئيسية | في رحاب الشريعة | التأويل في الفكر العربي الاسلامي تعريف التأويل/ خير الدين هني

التأويل في الفكر العربي الاسلامي تعريف التأويل/ خير الدين هني

يأتي معنى التأويل في الدلالة اللغوية، حسبما جاء في المعاجم اللغوية على معان مختلفة، إلا أن التركيز تمحور حول معنى التفسير والرجوع، جاء في لسان العرب: التأويل على وزن تفعيل فعله أوّل يؤول، والمصدر تأويلا، وقد يأتي التأويل والتفسير على معنى واحد. وعادة ما يطلق التأويل على الكلام الذي تختلف فيه وجوه المعاني، ولا يصح إلاّ ببيان غير لفظه (ابن منظور 33/11). وجاء في القاموس المحيط: “أوّلَ الكلام تأويلا وتأوله، ودبره وقدره وفسره” (الفيروز أبادي ،331/3).

أما ما جاء في مختار الصحاح، فهو أن يكون التأويل بمعنى الرجوع، بقوله: “التأويل تفسير ما يؤول إليه الشيء” (الرازي، 33). ويؤيد ذلك ما ذهب إليه الجرجاني في اعتبار معنى التأويل هو الترجيع، بقوله: “التأويل في الأصل الترجيع”(الجرجاني 1405هـ، 72). ويُستخلص من كل ما جاء في تعريف علماء اللغة، بأن التأويل يأتي بمعنى التفسير أو الرجوع، أو بيان المعنى أو التدبير والتقدير.

تعريفه اصطلاحا:

يأتي على معنيين:

1.عند علماء السلف، جاء عند ابن تيمية بأن التأويل عند السلف على معنيين:

الأول: تفسير الكلام وبيان معناه، سواء أوافق ظاهره أم خالفه، فيكون التفسير والتأويل متقاربان أو مترادفان.

الثاني: هو نفس المراد بالكلام، فإن الكلام إن كان طلبيا كان تأويله نفس الفعل المطلوب، وإن كان خبرا كان تأويله الشيء المخبر به (ابن تيمية، 13/288، 289).

والفرق بين المعنيين يكمن في كون المعنى الأول، يكون فيه التأويل من باب العلم والكلام، كالتفسير والشرح والإيضاح، أما المعنى الثاني فيكون التأويل من نفس الأمور الموجودة في الخارج. ويعتبر الشاطبي -رحمه الله – في كتابه، الموافقات(ج3، ص254) التأويل باطن الخطاب، ويشترط في ذلك:

أ- أن يصح على مقتضى الظاهر المقرر من لسان العرب، ويجري على المقاصد العربية.

ب-أن يكون له شاهد -نصا- أو ظاهرا في محل آخر يشهد بصحته من غير معارض.

وجاء في أقوال بعض العلماء: إن المراد بالتأويل، هو المعنى المخالف لظاهر اللفظ، وقد شاع هذا المعنى بحيث عاد اللفظ حقيقة ثانية، بعدما كان بحسب اللفظ لمعنى مطلق الإرجاع أو المرجع، (المرجع السابق).

  1. التأويل عند علماء الكلام

عرّف الغزالي التأويل عند علماء الكلام بقوله: “التأويل عبارة عن احتمال يعضده دليل، يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي يدل عليه الظاهر، ويشبه أن يكون كل تأويل صرفا للفظ عن الحقيقة إلى المجاز”، الغزالي(1/196).

وعرّفه الإمام الرازي بقوله: “والتأويل عبارة عن احتمال، يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي عليه الظاهر. “(الرازي 3/232).

وجاء معناه في تعريف الجرجاني: “صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله، إذا كان المحتمل الذي يراه موافقا للكتاب والسنة.” (الجرجاني، 72). ويمكن أن نلاحظ بأن تعريف الجرجاني جاء مقيدا بضوابط الكتاب والسنة، فإن خرج عن ذلك إلى معان أخرى فلا يعتد به، ويعتبر تأويلا فاسدا.

وجاء معنى التأويل عند متأخري علماء الكلام بما نصه، “هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح في الاحتمال المرجوح، لدليل يقترن به”.

ويقصدون بذلك صرف كلام الله، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن المراد عندهما إلى معان خفية، باستعمال المجاز والاستعارة وغريب اللغة غير المتواتر في السماع، فكان يغلب على بحوثهم في التأويل الصبغة العقلية الصرفة.

علم الكلام

وعرّفه ابن خلدون بقوله: “هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية بكيفية معلومة”، ويلخص ذلك بمجمل ما جاء عند الغزالي في تعريفه لهذا العلم، “في أنه علم دفاع ونصرة من طائفة أنشأها الله للدفاع عن ذلك، ووجوه النصر”، هي:

1- استخراج متناقضات الخصوم.

2- مؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم.

العقل هو المعتمد عند المعتزلة

يبالغ المعتزلة في استعمال العقل في البرهان على آرائهم الكلامية، ولاسيما عندما يتعلق الأمر بالتأويل، ودليل العقل عندهم مقدم على الكتاب والسنة، فإذا ما تعارض ظاهر النص مع المعنى الحجاجي الذي يريدون الوصول إليه، قدموا الرأي العقلي على المعنى الظاهري للكتاب والسنة.

ويستدلون على ذلك، بقدرة العقل على الاستدلال به على التمييز بين الحسن والقبيح، وعلى أن القرآن حجة على غيره من الكلام، وهو الأصل في الاعتداد بدلائل مصادر الأدلة الأخرى، وبه يدرك شرعيتها وبطلانها، وإلاّ كيف يمكن لنا الحكم على بطلان الشرائع الأخرى، إذا بحثنا فيها بدون نظر عقلي، وكذلك الأحكام القيمية على الأشياء لا يتم بدون العقل، إذ إن لكل شيء حكما، كما يقول الجاحظ حكم ظاهر الحواس، وحكم باطن للعقل. فالعقل أصدق من العين في الإدراك.

التأويل الفـاسـد

وهو تأويل التحريف والتعطيل والزيغ والهوى، الذي يستعمله المبتدعة ممن تنزع نفوسهم إلى تأويل النصوص، بمخرجات تتوافق مع أهوائهم وميولهم ورغباتهم، فيستعملون المجاز والاستعارات وغريب الألفاظ، للتلاعب بمعاني النصوص، فيخرجونها من معانيها المحتملة إلى معان غير محتملة تتوافق مع مقاصدهم وأغراضهم.

ولعلماء أهل السنة آراء واضحة في دحض شبهات أهل التأويل الفاسد، وقد رأيت من المفيد أن أسوق رأيا للشيخ العالم محمد الأمين الشنقيطي، 1905)-1974 }،عضو هيئة كبار العلماء السعوديين، من تلاميذه الشيخ عبد العزيز بن باز ومحمد صالح بن عثيمين، وغيرهما من العلماء، في التأويل عند بعض الفرق التي اعتمدت العقل في التأويل كالمعتزلة.

2

التأويل على ثلاثة أقسام عند  المتكلمين

الأول: تأويل صحيح، وهو بمعنى التفسير، ومعناه الكشف عن مراد التكلم، سواء أوافق الظاهر أم خالفه، كتفسير الرحمة في قوله تعالى: “وهو الذي يرسل الريح بشرا بين يدي رحمته”، تؤول بالمطر بدلالة السياق، وتفسير قوله تعالى: الرحمة في الحديث القدسي بالجنة، وذلك في قوله تعالى للجنة: “أنت رحمتي أرحم بك من أشاء”، فإن ذلك هو مراده تعالى وإن كان الظاهر الرحمة التي هي الصفة.

الثاني: تأويل فاسد، ومعناه صرف اللفظ عما يظهر منه إلى معنى لا يدل عليه ظاهره، بأنواع المجازات والاستعارات،  حتى يوافق هوى المتأول، كتأويل الاستواء في قوله تعالى: “الرحمن على العرش استوى ” بالاستيلاء.

الثالث: تأويل لعب: وهو ما لا يساعد عليه شرع ولا لغة ولا عرف تخاطب، كتفسير الرافضة (الشيعة)، قوله تعالى: “يخرج منها اللؤلؤ والمرجان” بالحسن والحسين، وتفسير بعض الصوفية قوله تعالى: “واعبد ربك حتى يأتيك اليقين”، بدرجة اليقين لا الموت، ويرتبون على ذلك سقوط التكاليف عن من بلغها “.

(المصدر، مجلة البحوث الإسلامية، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، المملكة العربية السعودية).

أنواع التأويل

“الأول: ما لا يحتمله اللفظ بوضعه الأول، مثل تأويل صفة القدم بجماعة من الناس، فإن هذا شيء لا يعرف في لغة العرب.

الثاني: ما لا يحتمله اللفظ بتثنيته الخاصة من تثنية، أو جمع وإن احتملت عرفا كتأويل قوله تعالى: ” خلقت بيدي”، بالقدرة.

الثالث: ما لا يحتمله في سياقه الذي ورد فيه، وإن احتمله في غيره، كتأويل إتيان الرب في قوله تعالى: “هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتك بعض آيات ربك”، بإتيان بعض آيات الله، فإنه ممنوع مع هذا التقسيم والتنويع.

الرابع: التأويل الذي لم يؤلف في لغة التخاطب العربية، كتأويل الأفول في قوله تعالى: “فلما أفل”، بالتحرك فإن معنى الأفول في اللغة المغيب، ولم يرد استعمالها في التحرك.

الخامس: ما ألف استعماله في معنى، لكن في غير التركيب الذي ورد به النص، كتأويل اليدين في قوله تعالى: “ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي”، بالنعمة. فإن من المألوف في اللغة أن يقال له عندي يد أي نعمة، وإن كان في تركيب الآية ممنوعا لإضافتها إلى الرب، وتعدي الفعل لها بالباء فهو نظير كتبت بالقلم”. (مجلة البحوث الإسلامية، مصدر سابق، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء المملكة العربية السعودية).

الفرق المتأولة

اختلف مفهوم التأويل عند المسلمين باختلاف المذاهب الفكرية والعقدية والفلسفية التي ينتمي إليها المتأولون، وقد جعلهم الشيخ محمد الأمين في بحثه عند تعرضه لطوائف المؤولين في طائفتين:

الأولى: تضم فرق المتكلمين من “جهمية ومعتزلة وأشعرية وما تريدية وغيرها”، (مجلة البحوث الإسلامية، مرجع سابق).

وتختلف هذه الطوائف في درجة استعمال التأويل، فمنهم من يستكثر ومنهم من يستقل، وكثرة تأويلهم يختص بموضوع العقائد.

الثانية: الصوفية الباطنية، وهي فرقة من الصوفية المغالية في عقيدتها، فهي تستبطن النص، (الكتاب والسنة) لاستخراج المعنى الخفي الذي يتأولونه لصالح الفكرة التي يريدون الوصول إليها .”فهذه الفرقة لا تؤمن بشيء من الدين، ولذا فهي تتأوله على معان مآلها إلى إبطال الشريعة وإسقاط التكاليف”. (مجلة البحوث الإسلامية، مرجع سابق). ويقول ابن تيمية في شأنهم: “وهؤلاء يعتقدون أن ما أخبرت به الرسل هو للعامة، وأما الحقيقة التي لا يعلمها إلا الخواص فأمر باطن، لا يعرف من معنى مفهوم خطاب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فلهذا جعلوا المتكلم بعد الفقيه، إلى فوق وجعلوا هذا الاعتقاد على وجهين: فالاعتقاد المجرد للعامة والاعتقاد المقرون بحجة للخاصة، ثم بعد ذلك للمتفلسف، لأنه عندهم جمع بين النظريات الباطنة التي لم يظهرها الرسول صلى الله عليه وسلم، بل أشارت إليها، وبعد ذلك الصوفي، لأنه عندهم جمع بين النظر وبين التأله الباطن”.

الفرق بين مفهوم التأويل عند السلف والمعتزلة

السلفية لغة مشتقة من كلمة السلف، أما اصطلاحا فيقصد بها ما ورد معناه في الحديث المروي عن الشيخين من رواية عبد الله بن مسعود، “خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجئ أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته”.

والمراد من ذلك، ما جمعته القرون الثلاثة الأولى من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، فالحديث يشير إلى أفضل العصور الإسلامية وأزهاها، بأفاضل الخلق من هذه الأمة.

وما يعضد هذا المعنى، الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي وابن ماجة وأبو داود بطرق متعددة مرفوعة، “وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي”.

ولزيادة التوضيح، نقول: تطلق كلمة السلف على كل من يلتزم بالكتاب والسنة وآراء الصحابة(1)، ولذلك، قبلوا التأويل الذي يوافق المعاني القرآنية والأحاديث النبوية، أما التأويل الذي تأتي معانيه غير متوافقة مع معاني القرآن والسنة، فإنهم لا يقبلونها.

يقول ابن القيم الجوزية: “فالتأويل الذي يوافق ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة، هو التأويل الصحيح، وغيره هو الفاسد”.(ابن القيم الجوزية (1/14).

والمراد من ذلك، إن علماء السلف لايقبلون التأويل الذي يقوم على المنهج العقلي الصرف، الذي تخضع فيه المعاني القرآنية إلى الاعتبارات الذاتية، (التأويل بالهوى) بمعنى أن يخضع القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة للاستنتاجات العقلية، وليس لما صح من المأثور (المنقول).

التأويـل الفاسد

المراد به هو، التأويل الذي يذهب به أصحابه إلى الانحراف عن المعاني الظاهرة في الكتاب والسنة، فيتأولونها من أجل أن يعطلوا الصفات… “خطّأ السلفيون كل المذاهب الكلامية، فاعتبروا آراءهم ومقولاتهم خارجة عن الكتاب والسنة، وقد التصق هذا المصطلح بابن تيمية ومن تبعه ممن أرادوا الرجوع بالإسلام إلى ما كان عليه قبل الأشعري، ومازال أتباعه ينادون بذلك إلى يومنا هذا”.

كتعطيلهم لمجموع الصفات التي وصف الله بها نفسه، إلى معان غير متوافقة مع المدلولات الظاهرة للنصوص، مثلما يفعلونه حينما يجعلون فروضا عقلية ومقولات منطقية، توضع لحمل دلالات النصوص على المعاني التي يرغبون في الوصول إليها، أو ادعاء معان باطنية غير مثبتة بدليل. شرعي من الكتاب والسنة، أو ما تعارف عليه في لغة العرب، على نحو ما يفعله الباطنية، (فرقة شيعية) وغلاة الصوفية، كتأويل الشيعة لقوله تعالى:”والشفع والوتر”، يقصدون به الحسن والحسين.

ولم يتوقف الأمر في التأويل بالهوى عند الشيعة وغلاة المتصوفة، وإنما تعداه إلى الكثير من الفرق الإسلامية، حيث خرجت عن المراد في تأويل النصوص، وإخراجها عن معانيها المقصودة إلى معان أخرى غير مقصودة.

التأويل عند الفلاسفة

وكان ابن رشد خير من يمثلهم، حين انتصر لمفهوم التأويل بالبرهان على حساب التأويل بالرواية، لقد أخذ الفلاسفة المسلمون يعملون عقولهم من أجل التوفيق بين المعاني القرآنية والمعاني الفلسفية، اعتمادا على الأدلة العقلية في قبول هذا الرأي التوفيقي بين الحكمة والدين، من حيث هو نظر في النص بالعقل بصرف النظر عن كون المعنى المراد من التأويل، يوافق المعنى الصحيح الذي يفهم من ظاهر النص، أو يخالفه إلى معنى آخر هو مرجوح بالنظر والاستدلال بالعقل، ولهذا نرى الفلاسفة يتفقون مع المتكلمين في تقديم العقل على النقل في التأويل عند التضارب، ولكن ابن رشد يذهب إلى عدم تجويز التأويل للعامة ممن تقصر كفاياتهم على الإدراك بالنظر، لأنّ ذلك يفسد عقائدهم ويدخل الشك إلى نفوسهم، وإنما يكون التأويل مخصوصا بطائفة من الراسخين في العلم، ممن لهم مدارك عقلية عليا تستوعب معاني التأويل بمختلف مدركاته..

ثمّ تطور مفهوم التأويل من العقائد والصفات والظهور والكمون، إلى الولاية الشرعية وشروطها وشرعيتها ومشروعيتها، ليأخذ أبعادا سياسية خرجت به عن الحق، وأصبحت مخرجاته توجه نحو غايات نفعية لا سبيل فيه لوجه الحق والحق وحده.. وهذا ما أزّم الحياة السياسية والمفهومية عند المسلمين وأثر على حياتهم تأثيرا خطيرا…

عن المحرر

شاهد أيضاً

العــــام الهجــــري الجــــديــــد والـمسلمـــــون بيــــن التــقـليــد والتغــريـــد

الشيخ محمد مكركب أبران / الأصل في الذكريات والمحطات التاريخية، التزود بالعبرة الباعثة على التَّجَدُّد …