الرئيسية | في رحاب الشريعة | المبادرة والإعداد من خير عوامل التفوق في الاقتصاد / محمد مكركب

المبادرة والإعداد من خير عوامل التفوق في الاقتصاد / محمد مكركب

إشكالية الموضوع: هي الحيرة الفكرية عن حال تخلف الشعوب العاجزة الغارقة في الوهن والهوان، الذين عشقوا التخلف والفقر والحرمان!! كما عشق الخمر ذلك التائه السكران، إنها شعوبٌ تملك الثروات والموارد والمؤهلات وهي تعاني عيش التعاسة والتبعية والأزمات، وبالمقابل هناك شعوب بلا موارد ولا ثروات، ولا أرض ولا إمكانات، ومع ذلك فقد استغنوا وتفوقوا في الاقتصاد تفوق الأغنياء الكبار، وسيطروا على العاجزين بالعسكر والدولار، وكأنهم هم أصحاب الثروات والموارد والمؤهلات؟ إنه الفرق بين الغباء والذكاء، وبين من سلموا زمام التخطيط والتسيير لأهل العلم والحكمة والتدبير، وبين التقليديين العابثين بمصيرهم ومصير شعوبهم.

فإلى متى والعبثية والجهل ينخران هذه المجتمعات المريضة تربويا وسياسيا واقتصاديا؟ ومتى يستيقظ النائمون أو يبتعدون عن طريق تقدم الأمة ويتركونها وشأنها مع علمائها وشبابها وحينها أيضا هم يستفيدون.

مازالت كثير من الشعوب تغرق في الشتاء بالفيضانات وتحترق في الصيف بحريق الغابات مع نقص حليب أو دواء  مرات ومرات، ومع قلة وسوء الخدمات، بسبب التخلف الكبير في المبادرة والإعداد، ولا ينتبه الغافلون حتى تلدغهم الكارثة حينها يصرخون ويجمحون استغاثة العاجز المحروم.

وفي الأمثال: دِرهمُ وِقايةٍ خيرٌ من ألفٍ علاج، والذي يريد حصادَ الصيف يزرع في الخريف. إن المبادرة والإعداد من خير عوامل التفوق في الاقتصاد. هذا وإن أمر الرزق في الدنيا ليس من باب السحر والطلاسم كي يتفوق الأذكياء الشطار ويتخلف السُّذَّجُ الأغرار، إنما هو منحة وعطاء من الحكيم الغفار، ولكن الْمُسَبَّبات بالأسباب، واتخاذ الأسباب سُنَنٌ تقتضيها حكمة العزيز الوهاب، ومن الأسباب: الإرادة عن علم وحكمة، والمبادرة  والاستعداد عن تضحية وتشاور، والإعداد  للإمكانات عن عزم وتكامل وتعاون بين كل القدرات. وفي الحديث أن النبي دعا إلى المبادرة وتحقيق الاكتفاء الذاتي فقال:”لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا، فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ” [البخاري: 2074. ومسلم:1042]. فكيف بمن يملكون الأراضي والثروات والمال والشباب وخير طبيعة مما خلق الله لعباده؟ أين عقول الذين تحترق غاباتهم في الصيف وفي الشتاء والربيع لا يبالون بإعداد الطرقات والسدود والاحتياطات وهم قادرون؟ وأين عقول الذين إذا نزلت الأمطار غرقوا وهم من قبل الصيف يعلمون الخلل ومواطن العلل، ولكنهم لا يستعدون ولا يُعِدون ولا يفكرون وبما أمر الله تعالى لا يعملون. قال الله تعالى:﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ وأول وأهم إعداد لرد كيد الأعداء، هو إعداد القوة الاقتصادية، فليس من منطق العقل أن تملأ بيتك بالسلاح لحراسة نفسك من عدوك، وغذاؤك ولباسك ومركوبك ودواؤك بيد غيرك، بل بيد عدوك أصلا؟ ثم أنت تتوسل إليه ليحن عليك بما تحتاج إليه، فإعدادك الأساس أن تحقق الاكتفاء الذاتي من الضروريات أولا، ثم حتى السلاح من منطق الذكاء والحكمة يجب أن تُعِدَّهُ لنفسك بنفسك ولا تشتريه من غيرك، والغريب أن بعض الحكام يشترون السلاح من عدوهم؟ فإذا اشتريته من عدوك فإنما تكشف أسرارك وظهرك وذخيرتك وتعرض بلدك للسقوط في أيديهم، هذه بديهيات ولكن السُّذَّج يغفلون عنها، سلاح تشتريه من عدوك لا يحميك، وغذاء يأتيك من غير كدك وجهدك لا يُغنيك.

لماذا يُصِرُّ كثيرٌ من حكام المسلمين على بقائهم في التبعية الاقتصادية والدفاعية لغيرهم؟ بل وفي التربية والتعليم والثقافة؟ أهو الجهل؟ نعم، وهو الغالب، أم هو اتباع الهوى وحب الدنيا وجمع حطامها؟ نعم، وفيه ما فيه من البلايا والمصائب. لماذا هجروا القرآن وسقطوا في خطوات الشيطان؟

قال لي محاوري: يقولون لك: لماذا تنتقدنا وكل الناس يعلمون ويرون هذه النقائص والسلبيات، وقد عَمَّت المصائب والموبقات، فهكذا شاء الله عز وجل أن يكون حالنا، ثم إنهم التبست عليهم المسائل، واختلط الحابل بالنابل، فلم يميزوا بين قائل الحق وصراخ الباطل، ثم ماذا يفعلون للقيام بالمبادرة والإعداد؟ قلت كان يكفيك هذا السؤال.

هل قرؤوا آية الاستثمار، أم اكتفوا باتباع الاستعمار بما فيه من الأضرار والأخطار؟ قال الله تعالى:﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾[البقرة:195] هل تدبرتم بفهم كامل قول الله عز وجل:﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؟؟ إن الإلقاء باليد إلى التهلكة هو ترك الإعداد والجهاد والدفاع عن البلاد، وأي جهاد بغير اقتصاد؟؟ ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ والسؤال كيف ننفق في سبيل الله؟ وماذا ننفق في سبيل الله؟ ومن هم المأمورون بالإنفاق في سبيل الله؟ أما كيف ننفق؟ فباستثمار ما أعطانا الله من الأرض والمال والثروات، بالعلم والتخطيط والقصد، وحسن توظيف الموارد والقدرات، ومثال ذلك أن تفتح الجامعات بكل معاهدها من السابعة صباحا إلى منتصف الليل، بالمحاضرات العلمية الجادة، للطلبة المنتسبين ولكل من يريد أن يتعلم، بناء على قيمة التكافل العلمي، لأن المؤسسة الجامعية مال، وثروة، ومورد طاقة، يجب أن تُسْتَثمر بأقصى حد ممكن للتنمية العلمية، وأن تكون العطلة الدراسية شهرا واحدا في السنة وليس ثلث السنة، تتوقف الدراسة آخر جوان وتبدأ أول أوت، هذا بالنسبة لمن يجاهد بالعلم من الأساتذة المصلحين المخلصين لأمتهم، ولمن يجاهد في طلب العلم بالنسبة للطلبة الذين يريدون المستقبل الحضاري لأنفسهم ووطنهم. وماذا ننفق في سبيل الله؟ ننفق من المال جهادا وخدمة للمصلحة العامة، وننفق من الوقت بعدم تضييعه، وقبل هذا اجتناب الإسراف والتبذير. وأما من هم المأمورون  بالإنفاق؟ فهم كل الأفراد ولكن المسئول الأول هو الحاكم، هو الذي يخطط ويُنَظِّم ويدعو إلى الخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

مع ملاحظتين: أولا: ثَم فرق بين المبادرة والمغامرة. المبادرة قوامها العلم والحكمة والنية والإخلاص والتضحية. يبدأ المبادر بتفكير مستنير، ثم تصور حكيم، ثم تخطيط دقيق مبين، ودائما يقال للسياسيين فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. وقد قرأتم أو  استقرئوا من يقرأ لكم كيف سأل ملك مصر في عهد يوسف عليه السلام، وكيف أخرج يوسف بإذن الله تعالى مصر يومها من أكبر الأزمات الاقتصادية في التاريخ، بماذا؟ وكيف؟ أيها النائمون. ثانيا: أن نميز بين إعداد المشاريع المقاصدية المدروسة بالأصول لتوافق العصر والمستقبل، وبين تكديس الورشات الغابية بلا دراسة وافية، ولا تخطيطات كافية.

قال محاوري: هذا الذي تقوله عين الصواب، ولكن الذين بيدهم القرار لا يثقون في غيرهم من (الأجانب) فبحبهم لوطنهم يعملون وحدهم وهذه نيتهم وهذا مبلغهم من علمهم؟ لماذا نلومهم فلنصبر على حالنا. قلت: تصور لو أن ملك مصر قال ليوسف عليه السلام: دعنا وشأننا فمن أنت حتى تعرض نفسك على مناصب مركز القرار لخدمة مصر؟ لو أجابه هكذا ورفض خدمته ولم يعترف بعلمه وأمانته وخبرته وعدله مما علمه الله، لكانت مصر في خبر كان. قلت لمحاوري: ومع شكري للقارئ الكريم أقول للذين لا يستجيبون أما درستم تاريخ الأندلس وما فيه من العبر؟ أنه عندما كان القرار بيد العلماء الأمناء الذين هم على نهج يوسف عليه السلام، فتحوا وبنوا مدنية عظيمة بحضارة إنسانية إسلامية لا ينكرها إلا جاهل حاقد، ولما آل الأمر إلى الملوك الصبيان أضاعوا الأندلس وحضارتها. وفي هذا عبرة لمن يعتبر. مما جعل شاعرهم يعبر عن حالهم فقال عن الحكام المتنازعين الصبيانيين:

[مِمَّا يُزَهِّدُنِي في أَرْضِ أَنْدَلُسٍ

أسماءُ مُعْتَمِدٍ فِيهَا ومُعْتَضِدِ

ألقابُ مملكة في غير مَوْضِعِها

كالهرّ يحكي انتِفَاخًا صًورَةَ الأَسَدِ]

إنهم الحكام السلبيون الجاهلون المستبدون الذين يخونون شعوبهم وهم لا يشعرون وفيهم المتعمدون لحماقتهم واتباعهم لأعدائهم بإرادتهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

العــــام الهجــــري الجــــديــــد والـمسلمـــــون بيــــن التــقـليــد والتغــريـــد

الشيخ محمد مكركب أبران / الأصل في الذكريات والمحطات التاريخية، التزود بالعبرة الباعثة على التَّجَدُّد …