أخبار عاجلة
الرئيسية | قضايا و آراء | شعوبنا الثائرة: نحو ديناميكية حضارية؟/ الكاتب أحمد سريرات

شعوبنا الثائرة: نحو ديناميكية حضارية؟/ الكاتب أحمد سريرات

 من الضروري أن نفهم طبيعة الانتفاضات الشعبية التي تسود منطقتنا بمنطق قدر الله الذي نؤمن به. فما حدث في نهاية العشرية الأولى من القرن الحالي، وما يحدث الآن في نهاية العشرية الثانية لا يمكن أن يجعلنا نكتفي بالبحث عن أسبابها مهما كانت طبيعتها، لأن ذلك سيشغلنا عن محاولة كشف الهدف من وراء تلك الأحداث الكبيرة. لكل فاعل في هذه الأحداث أهدافه، ولكننا كمؤمنين، ما يهمنا هو هدف قدر الله العام ولو وافق بعض الفاعلين في تلك الأحداث.

عمل القدر في حياة كل شعب من شعوبنا الثائرة مختلف في المرحلة الأولى والثانية من انتفاضاتهم. فهذا الاختلاف ينبئ عن هدف ثانوي للقدر يخص كل شعب من تلك الشعوب، ويراعي مستوى استعدادهم لطبيعة التغيير المنشود في أي مرحلة كانت، ولكن سياق المرحلة العام يؤشر على طبيعة الديناميكية التي يريد القدر أن يسوقنا إليها في نهاية المطاف،كأمة تضم تلك الشعوب تحت لواء المصير المشترك.

محنة شعوبنا

لكل شعب من شعوبنا خصوصيته الثقافية والتاريخية، ولكن محنة تداعيات التخلف تكاد تكون متشابهة عندنا جميعا ، والانبهار بالغرب أمر مشترك بيننا، وإن كان الحلم الغربي لم يعد له بريق عند شبابنا كما كان قبل عشرات السنين، وذلك بسبب انحطاط مستوى القيم الإنسانية في الحضارة المعاصرة وعودة الحروب والفتن في منطقتنا بالخصوص، فأمل الشباب في الهجرة إلى أوروبا واستعدادهم للمجازفة بأنفسهم بأي ثمن، وعدم اكتراثهم بتحدي المخاطر والصعاب العظيمة في سبيل الانتقال إلى الضفة الشمالية من البحر المتوسط، إنما يمثل ملجأهم الأخير لتجاوز محنتهم في أوطانهم، ومما يثير الشفقة والحزن عليهم، هو سؤال بعض الأوروبيين لهم حال وصولهم:”لماذا تأتون إلينا وبلادكم غنية؟!” هؤلاء الشباب في الغالب، يرجعون حالة الفرار الاضطرارية من بلادهم إلى الفساد وسوء الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والأمنية!

وهذه الحالة أخذت أبعادا مأساوية، فقد أصبحت هاجس كثير من العائلات بسبب اليأس من تحسن الأوضاع، حتى أن عزيمة أبنائهم لم يعد يثنيها قلة الموارد أو أي شيء آخر عن محاولات الانتقال إلى عالم الغرب المتحضر، من أجل العمل أو الدراسة والاستقرار في أوروبا أو أمريكا!

قد يبدو ظاهر الأمر محزنا وأليما، بسبب إحساس هؤلاء بالاختناق في وطنهم ونفاذ صبرهم من تحسن أوضاعهم، ولكن جوهر الأمر ينم في الواقع عن رغبة شديدة في تفجير طاقات مكبوتة في ثقافتهم وإبراز عبقرية شعبية مهمشة، لم تجد المناخ المناسب للتعبير عنها والاستثمار فيها!

وبالرغم من تطور تكنولوجيا المعلومات وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، التي تتيح ولوج العالم الافتراضي والاتصال والتبادل مع الشعوب الأخرى دون عناء سفر، إلا أن ذلك لم يشف غليل الشباب المتشوق إلى مزيد من المعرفة والتجربة، واكتشاف الأنظمة والمجتمعات التي تقدر الإنسان وتشجعه على العطاء والإبداع دون تمييز.

القدر وفك الخناق

الفرار أو “الحرقة” قد تستهوي الأفراد، ولكن المجتمع ككل لا يمكن أن يترك وطنه ويهجره، حتى وإن كان التذمر عاما وعميقا عند جميع مكوناته! لذلك يمكن أن يلاحظ كل ذي بصيرة أن القدر تدخل في ذروة اليأس، رحمة من الله، فساق الأسباب التي تسمح بتوحيد المجتمع في التعبير عن ذلك التذمر في منطقتنا، بعد مرحلة تمهيدية في العشرية السابقة، لتبدأ مرحلة جديدة حاسمة في هذه العشرية، ومؤشرات انطلاق هذه المرحلة الجديدة تجلت بالفعل فيما يحدث في الجزائر مثلا بشكل مبهر، من خلال الهبة التاريخية لمختلف فئات الشعب الموحدة والصارمة، ضد كل من يعبث بالإرادة الشعبية في التحرر من الأكبال التي تعيق التطور المأمول.
فالحراك السلمي المبارك الذي يسعى حثيثا بمرافقة قدرية، لفك الخناق عن تلك الطاقات وتلك العبقرية الشعبية، أصبح متنفسا ضروريا للتخفيف من نار الغضب الشعبي من مآل الأوضاع، وفرصة نادرة للتفكير الجماعي في الحلول الممكنة لتصحيح الخلل في المسيرة الوطنية نحو غد أفضل، وهذا الحراك توج في الحقيقة مراحل تطور الوعي في مسيرة الشعب الجزائري لتحقيق نهضته المرتقبة.

إرهاصات الديناميكية الحضارية في الجزائر

هذه الإرهاصات ظهرت شيئا فشيئا وتجلت خلال مراحل نضال الشعب الجزائري من أجل التغيير الفعلي والمتأني، والتي بدأت في نهاية الثمانينيات من القرن العشرين، فهذا النضال تميز بمستويات مختلفة في التعبير عن إرادة التحرر لدى المجتمع، وقد مر بالمراحل التالية:

  • مرحلة كسر أقفال النظام المنغلق ومحاولة دفعه إلى الانفتاح الفعلي، وقد دامت عشرية كاملة سادت فيها ثقافة العنف والإقصاء.
    • مرحلة استرجاع الأنفاس والركون إلى الترف، وبروز المراجعات الأيديولوجية والفكرية، وقد دامت هذه المرحلة أمدا أطول فبلغت عشريتين من الزمن في كنف التعايش السلمي.
  • مرحلة التذمر من رموز الفساد ومن تداعيات ثقافة الترف المهلكة، وهي المرحلة الحالية التي قد تدوم سنوات أخرى، لما سينجر عنها من عملية بعث الحياة في الضمير الجماعي، ومن مراجعة أخلاقية لثقافة الدولة والمجتمع مما اعتراها من سوء وانحرافات.

هذه المراحل تمثل في الواقع المخاض الضروري لبروز بيئة ثقافية جديدة، تهيئ الشروط الضرورية لانطلاق مسار حقيقي للنهضة، ويمكن أن نلمس معالم هذه الثقافة من خلال التطور في الوعي وفي مواقف الشعب من الواقع المزري، وفي تحول حالة التعبير عن التذمر من العنف إلى السلمية، وفي تراجع النزعة الانتقامية عند الأفراد وبروز حالة حضارية راقية في سلوكهم، وهذا ما يبشر باستعداد الأمة لتحقيق ديناميكية نهضوية حضارية، تضع الخطوات الأولى نحو مشاركة فعلية في تطور الحضارة الإنسانية.

مسيرة الجزائريين الطويلة في إرساء ثقافة التجديد يمكن أن تمثل حالة رائدة ونموذجا تستلهم منه شعوب منطقتنا، لأنها تمثل تطورا منطقيا وواقعيا نحو تحقيق شرطين ممهدين للنهضة،. فبدونهما سنبقى نراوح أماكننا ونتجرع مرارة تخلفنا. هذان الشرطان هما كما يلي:

 تحرر الوعي: وهو إدراك المجتمع لخطورة أحادية الفكر وتوجيهه، بعد تجرع مرارة مأزق التضييق على التفكير الحر والوصاية عليه، فتحت ضغط سوء الأحوال الاقتصادية في نهاية الثمانينيات من القرن العشرين، أجبر الشعب الحكام على الانفتاح على المجتمع وعلى قواه الحية.

 تحرر الضمير: وهو الإحساس بالمسؤولية الجماعية عن مآل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والأمنية وبتداعيات ذلك على المصير المشترك.

فالفساد الذي استشرى في الدولة والمجتمع كان بمثابة الاستفزاز الذي امتحن الله به نيتهم وصدقهم، في الوفاء لمنظومة الأخلاق السامية الموروثة والمتجذرة في ثقافتهم العريقة، والتي هذبها وأثراها دين الإسلام الحنيف.

الخلاصة
إذا استمرت يقظة الضمير وارتفعت قيمة الأخلاق في هذه المرحلة، وتجلى أثر ذلك في المجتمع وفي سلوك الأفراد، بانتعاش حب الإيمان بالله وبزيادة كره الناس للنفاق، فإن هذا التحول سينشىء ظاهرة “التقوى” بمفهوم القرآن الكريم، أي حالة توخي الحذر من الله والاستعداد الدائم للاستقامة والخضوع للقانون.

إن الاستلهام من تجارب الغرب في بناء الدول بثقافة القانون، وفي تحقيق النهضة الحضارية بالعلم، لن يؤتي ثماره المرجوة في أوطاننا ما لم تتهيأ البيئة الثقافية لذلك، بتحقق شرط تحرر الوعي وشرط تحرر الضمير في إطار الإيمان الصحيح!

 

********

أحمد سريرات

كاتب جزائري  له كتابان باللغة العربية، أحدهما بعنوان “سنن الله في الحضارة الإنسانية، مقاربة جديدة عن دور الأنبياء والأمم المختارة في الحضارات”، نُشر في مصر، في سنة 2013م، عن دار السلام، والثاني بعنوان “الجيو حضارة أو جغرافيا الأمم الحضارية”.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

سورة العهد الأسبوعي…(1) واصبر نفسك

مداني حديبي / سورة الكهف سماها شيوخ العلم بسورة العهد الأسبوعي لأنك تعاهد الله على …