الرئيسية | قضايا و آراء | الحرية والعدل قبل كل شيء/ عبد العزيز كحيل

الحرية والعدل قبل كل شيء/ عبد العزيز كحيل

 

(أفكار ركّز عليها د. عبد الله الحامد فكّ الله أسره)

لا يكون الإنسان إنسانا ولا المسلم مسلما في غياب الحرية والعدل، يستوي في ذلك الأفراد والأمم.

عندما أقام المسلمون حضارة الإيمان كانت تجمع بين الربانية والإنسانية في تناغم واضح جذاب، فكانت وسيلتهم في نشر الإسلام وذلك عندما رأت الشعوب أنها حضارة تطير بجناحي الحرية والعدل وهما أكبر القيم بالنسبة للمسلم الواعي والإنسان السوي، وإنما تراجعت تلك الحضارة حدّ التلاشي عندما انتقلت إلى رهبانية تجزئ الإسلام إلى جانب روحي(أصبح هو أيضا سلبيا) وجانب مدني(تمّ إهماله بالكامل على مرّ العصور)، نعم بقيت العبادات الفردية لكن ساد تبرير الظلم والتخلف والذلّ والهوان باسم الدين ! وسكت الرأي العام عن إهدار المال العام والتلاعب به ونهبه والإنفاق على القصور وشهواتها، وسكت العلماء وقادة الرأي عن الفساد الإداري وتولية غير الأكفاء، وتناسى الجميع أن كل هذا من فروض الدين العامة التي لا تقوم له قائمة إلا بها.

من جهة أخرى توارث أجيال أزمة التردي والانحطاط ثقافة غاية في الخطورة هي الطاعة العمياء للحاكم فتغوّلت أسلحة السحق عند الطغاة، وهي البوليس والقضاء والإعلام والمؤسسات الدينية الرسمية، بها يسحقون خصومهم لتدخل “الرعية” بيت الطاعة وتتناسى أي حديث عن الحرية والعدل، وما يترتب عنهما من حقوق فردية وعامة، ولابد من الاعتراف هنا بإخفاق منهج التربية الاجتماعية عندنا منذ قرون، فتنازل الناس عن إنسانيتهم وعن جوهر دينهم وزهدوا في مسائل الرقي المدني واكتفوا بالعبادات الفردية وبانتظار عطايا الحُكام حين يتفضلون عليهم بشيء منها، وسد – في أحسن الأحوال – “الإنكار القلبي”، والحقيقة أنه من الإيمان لكنه أولا أعف الإيمان ثانيا هو معتبر على مستوى أفراد وكتل صغيرة أما حيُث يتحوّل إلى ثقافة مجتمعية فإنه يصبح عائقا كبيرا أمام الأمة بل معصية جماعية خطيرة، من ناحية أخرى كثيرا ما يفتقر “التغيير بالقلب” إلى الصدق لأنه لو كان صادقا لظهرت علامات ذلك على الأرواح والأجساد أي على المشاعر والأفكار والسلوك.

ومعركة الحرية والعدل في مجتمعاتنا ليست قضية المتدينين وحدهم بل هي شأن عام يشمل كل من يحمل همّ الرقي المدني والتقدم الاجتماعي، والله تعالى قد ينصر هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم، كما ورد في الآثار  ولئن فات بعضنا إقامة المناسك – وهذه سلبية على الدعاة مواجهتها بالأساليب المناسبة – فإن مشاركته لنا في إقامة المعايش مرحّب بها، وهي وجه من وجوه خدمة الإسلام، والوضع الأمثل هو تكامل الشق الروحي بالشق المدني لكن حتى عند اختلال المعادلة لا نستبعد أحدا من عملية الإصلاح والتغيير، فالحاكم – في الإسلام وُصف في النصوص الشرعية بالعادل والجائر، وهما صفتان مدنيتان، ولم يوصف بالفاسق والفاجر لأنه صفتان “دينيتان” تخصان الشعائر الدينية، وإذا كانت الصالحات الروحية تورث الجنة فإن الصالحات المدنية تورث الأرض أي الدنيا:{ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} – ويدلّ السياق أن المقصود هو الصلاح الدنيوي، وهذا لا يكون إلا إذا بُسط رداء الحرية والعدل في المجتمع لأن العبيد لا يبنون حضارة ولا يقيمون دينا كما أن الظلم إذا استشرى يفسد الدين والدنيا معا، وهو ما فهمه جميع البشر الأسوياء سواء احكموا إلى المقاييس الربانية أو الإنسانية، كما أن البشرية لا تبلغ سن الرشد إلا بتوفر الحرية والعدل، وسنّ الرشد هنا هو حال الاستقلال والاستغناء والتميّز الحضاري.

إننا عندما نتكلم عن هاتيْن القيمتيْن الكبيرتيْن فإننا نشير إلى مكارم الأخلاق المدنية التي تمتدّ لتشمل حتما الشورى والمساواة والتعاون التي هي عنوان نضوج الاجتماع الإنساني وعنوان الموضوعية وآلة الإنصاف، وهذه القيم المدنية لها نواقض لا تتلاءم معها وهي الاستبداد والظلم والصراع السياسي الدموي وانفراط عقد التجمع الإنساني وسيطرة الأنانية والأهواء ولا يمكن أن تبرز الكرامة الإنسانية وروح الابتكار والإبداع والاستكشاف والرقي إلا في ظل الحرية والعدل وما يواكبها من قيم تربي الناس على البذل والإيثار والتفوّق.

وإذا غابت الحرية وتراجع العدل برز العجز الاجتماعي وساد وانتشر ليشمل العقول والقلوب فضلا عن السلوك، فقد وصف القرآن الكريم قوم فرعون بأهم “فاسقون” بعد آية “استخف قومه فأطاعوه”، أي لم يكونوا ضحايا الطغيان بل هم الذين أفرزوه بصمتهم واستسلامهم لأن طاعة الحاكم في معصية هي الفسق السياسي، والقوم لم يكونوا طيبين صالحين يحكمُهم أشرار فاسدين، كيف؟ لأنهم رضوا بالوضع القائم ولم يعملوا على التحرر من العبودية لذلك لم يرسِ الإسلام قواعد الحكم الراشد على مستوى الأشخاص وإنما بترسيخ القيم والأفكار الراشدة على مستوى المجتمع، أي أصلح القاعدة فصلحت القمة، وتابع العملية كلها بالمراقبة والرعاية حتى إذا أصاب القمةَ خللٌ ما سهل علاجه.

ومن أخطر ما يصيب قيم الحرية والعدل والشورى والمساواة تغييرُ صورة التديّن ليصبح أغلالا وآصارا تدور حول التحريم والتحنيط والانسحاب والسلبية والتقوقع في دائرة التديّن الفردي، أي ينعدم الحديث عن القيم، فلا الأمة تطالب بها وتضحي من أجلها ولا الأنظمة الحاكمة تحترمها أو توفرها بل يبلغ الأمر أن الحديث عنها والمطالبة بها مخالفات شرعية يبيح الحُكام متابعة أصحابها بالمحاسبة والعقاب والتعزير، أي تنحاز المؤسسة الدينية الرسمية ومعها “طلبة العلم” إلى صفّ مباركة الاستبداد والفساد وتجريم الحرية والعدل والشورى، في حين كان ينبغي إنعاشها ونقلها من المسجد إلى الجامعة والشارع ليحتضنها المجتمع كله ويلتف حولها ويعدّها جزءا من الإسلام إن كان مسلما، وجزءا من الفطرة السليمة إن كان إنسانا فقط، فمتى نفهم أن الإسلام ليس الصلاة فقط؟

ومن المهمّ أن نعلم أن الحرية ليست مزية من حاكم وأن العدل ليس في ضمير القاضي بل هذا من ركائز الدستور ونصوص القانون.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

حرية التعبير والإساءة والتجديف

أ. عبد القادر قلاتي / منذ سنوات قليلة صدر كتاب لمجموعة من الانثروبولوجيين الغربيين وعلى …