الرئيسية | ذكرى | أحداث ديسمبر تُطيح بالسياسة الديغولية لتُنقذ الثورة التحريرية/ فاطمة طاهي

أحداث ديسمبر تُطيح بالسياسة الديغولية لتُنقذ الثورة التحريرية/ فاطمة طاهي

 

في يوم عطلة اختاره الجزائريون في العام السادس للثورة التحريرية، ليخرجوا في مظاهرات حاشدة وعفوية بقلب رجل واحد، وبتوجيهات من جبهة التحرير الوطني، مجندين بالعلم الوطني ومرددين هتافات وطنية واحدة وموحّدة للشعب وللجزائر، ليردوا من خلالها ردا قويا على سياسة ديغول التي تهدف إلى الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا في إطار ما سمّاه “الجزائر جزائرية”، فزعزعوا بمظاهراتهم القيادة العامة للمستعمر الفرنسي.

11 ديسمبر 1960، مظاهرات كبيرة ومجيدة وحلقة من حلقات حرب التحرير صنعتها إرادة شعب أدرك أن لا وحدة له إلا بأرضه، ناضل فيها بجميع أعماره آلاف الشباب، الرجال والنساء والأطفال، إنه الجيل الذي عبر عن صرخة الانتصار في مواجهة آلة حربية مدمّرة ديغولية. ديسمبر 1960 ذاكرة وراءها أبطال من المفقودين والمجهولين المعذبين دُفنوا في مقابر جماعية، وآخرون سقطوا تحت رصاص المحتل، منهم أولئك الأطفال الذين سفكت دماؤهم من طرف قوات القهر، ليصنعوا إلى الأبد ذاكرة وتاريخ شعب ناضل من أجل الحرية والاستقلال من خلال محطة مباركة وحاسمة رُفع فيها العلم الأحمر الأخضر والأبيض في انتفاضة شباب خرجوا من أجل الحرية والاستقلال.

مهزلة تمرد المستوطنين على الجنرال ديغول

انتقل الجنرال ديغول من فكرة “جزائر فرنسية” إلى فكرة ضرورة تقرير المصير تحت شعار “الجزائر جزائرية”، هي سياسة لم تحض بالإجماع فانقلبت عليه، لينقلبوا ضده حتى أولئك الذين ساندوه من معمرين وأوروبيين، ففي يوم الجمعة 9 ديسمبر 1960 وفي المحطة الأولى من جولة ديغول في الجزائر بعين تموشنت، حدثت صدامات بين الجزائريين والأوروبيون الذين كانوا يهتفون بحياة الجزائر الفرنسية، وفي يوم 10 ديسمبر 1960 برهنت جبهة الجزائر الفرنسية عن سلطتها في أوساط المستوطنين الذين استجابوا بنسبة مائة بالمائة للإضراب العام الذي دعت إليه، لينزل آلاف المستوطنين خاصة أن الجنرال ديغول هذه المرة موجود في الجزائر بعيدا عن قصر الإليزيه مما أدى إلى صدامات عنيفة، لكن جبهة الجزائر فرنسية فشلت في استدراج الجيش أيضا إلى التمرد على سلطة الحكومة الشرعية، أما الجنرال ديغول فقد تعمد تجاهل الأحداث ولم يشر إليها في تصريحاته وواصل جولته الاستطلاعية والدعائية مروجا لأفكاره في كل محطة من محطاته، فخاطب الجماهير التي استقبلته في عين تموشنت تحت شعاره “الجزائر جزائرية” وفي 10 ديسمبر 1960 تحركت كل الأحياء بالعاصمة وسرعان ما ظهر أثر التنظيم المحكم في هذه المظاهرات، حيث عينت لجنة تنظيم في كل حي من أجل تأطير وتوجيه الشباب الجزائري، وقد تحرك قبلهم جماهير “بلكور” تلقائيا، حيث كانوا مدفوعين بنوع من الدفاع الذاتي أمام جرائم الشباب الأوروبي التي بقيت دون عقاب أو ردع.

11 ديسمبر .. صدمة لديغول ومفاجأة لسياسته

كانت أحداث 11 ديسمبر 1960 منعرجا هاما في تاريخ الجزائر، حيث تحرك الجزائريون بكثافة في مظاهرات حاشدة، البداية كانت من حي بلكور “حي بلوزداد حاليا”، لتعم في مختلف أحياء العاصمة، فتشمل مدنا أخرى مثل وهران وعنابة وقسنطينة وتبسة وبسكرة، واستمرت المظاهرات إلى غاية 25 جانفي في ولاية بشار، أحداث ديسمبر 1960 جمعت آلاف الشباب والأطفال والنساء بتنظيم محكم في كل حي، ليرفع الجزائريون أعلام الجزائر ويهتفون بحياة فرحات عباس، لتكون مظاهرات مضادة لسياسة الجنرال ديغول، مطالبين باستقلال الجزائر عوضا عن “الجزائر جزائرية” التي تهدف حقيقة إلى أن الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا، فكانت مظاهرات 11 ديسمبر وما حملته من شعارات معبرة عن رفض مشروع ديغول مفاجأة لديغول ولسياسته، حيث تفكك مشروعه المزعم “جزائر الجزائرية”، فمن خلال المظاهرات لم تكن الجزائر التي اختارها شارل ديغول بل كانت جزائر فرحات عباس.

شعارات وهتافات لمتظاهري ديسمبر 1960

شعارات ظهرت لأول مرة، هتف بها الشعب الجزائري بعد أن تبناها من جبهة التحرير الوطني مستقبلا بها الجنرال ديغول في عين تموشنت، ولترافقه في زياراته إلى مختلف المناطق والمدن، لتكون شعارات مضادة لمشروعه الرامي إلى تجسيد سياسته الخفية تحت ما سماه:”الجزائر جزائرية”، ليفاجئه هذا الشعب الجزائري قائلا:”الجزائر مسلمة” و “نريد الاستقلال”، “تحيا فرحات عباس”، “تحيا جبهة التحرير الوطني”.

زغاريد المرأة الجزائرية .. انطلاقا للمظاهرات

ما إن أصبح يوم الأحد 11 ديسمبر 1960 حتى تعالت الزغاريد أعالي منطقة بلكور، “بلوزداد حاليا”، لتتردد أصداؤها من حي لآخر، فيخرج الجزائريون عن بكرة أبيهم إلى الشوارع في مظاهرات عارمة، وقد ساهمت المرأة الجزائرية في مظاهرات شهر ديسمبر بكيفية خارقة، حيث كن أكثر جرأة وإقداما وتحديا للعدو، ففي ساحة بلكور قامت واحدة من النساء الجزائريات في الأربعين من عمرها من انتزاع علم جزائري من يد أحد الشباب الجزائريين، لأنها رأت أنه لم يرفعه عاليا كما يجب، وأنه لم يكن يجري بسرعة كما فعلت هي، حيث اندفعت تجري بالعلم حتى تصدرت به أول صفوف المتظاهرين.

مذبحة ديسمبر 1960 .. دبّابات ومدافع ضد شعب أعزل

في أول اشتباك للوحدات العسكرية الفرنسية بالمتظاهرين السلميين كان بالهجوم مباشرة، وأي هجوم كان هجوما دمويا في حق أبرياء عزل فقط جُندوا وراء جبهة التحرير الوطني بهتافات الجزائريين وبالراية الوطنية التي كان لها وقعا كبيرا على الفرنسيين مما أدى إلى إطلاق النار عليهم، من طرف الجيش الفرنسي الذي قابل الجموع الجزائرية بالدبابات والمدافع والرشاشات والقنابل، سقط على إثرها العديد من أبناء الشعب إضافة إلى عدد كبير من الجرحى والمعتقلين، هي جرائم وقعت في حق أبناء شعب قاموا بمظاهرات سلمية، وهذا ما أكده السيد “روجيه غافوري” المحافظ المركزي المساعد لدائرة الأمن العام في الجزائر، لما قال في برقيته التي أرسلها إلى قائد منطقة الجزائر الساحل:”لقد لاحظت أن المتظاهرين لم يكونوا مسلحين وأنهم لم يكونوا عدوانيين في مواجهة أجهزة الأمن، لقد كنت قادرا على التجول بينهم بحرية وقد أكد الجميع لي أنهم يؤيدون بشكل نهائي جبهة التحرير الوطني”، ورغم جرم المستعمر إلا أن ذلك لم يقلل من عزيمة المتظاهرين الجزائريين حيث استمرت الصدامات الدموية، وحسب ما صرحت به البيانات الرسمية وهي أرقام بعيدة عن الأرقام الحقيقية للضحايا، استشهاد 96 في العاصمة و 18 في وهران و 28 في عنابة، إلى جانب أولئك الذين لفظوا أنفاسهم تحت التعذيب بعد إلقاء القبض عليهم ليدفنوا في مقابر جماعية.

 ضحايا أطفال في أحداث ديسمبر

ولعل ما ميز أحداث شهر ديسمبر 1960 هو سقوط أشبال من الأطفال ضحايا لجرائم الاحتلال الفرنسي، من بينهم الطفلة صليحة واثيقي 12 سنة، التي رفعت العلم الوطني فأصابتها رصاصة واحدة من الرصاصات الكثيفة التي أطلقت على المتظاهرين، والطفل مغراوي 10 سنوات، بايزيد 16 سنة، غلام سعد 12 سنة، بهلول صادق 16 سنة، فنوح 9 سنوات، والطفل طوبال 15 سنة وغيرهم من الأطفال العزل.

مظاهرات ديسمبر تنقذ الثورة التحريرية في الربع ساعة الأخيرة

منحت مظاهرات 11 ديسمبر 1960 نفسا جديدا للثورة الجزائرية، وقد كان دور مناضليها بارزا من بين المتظاهرين الذين تولوا تأطير وتوجيه حركة الجماهير، وقد وصفت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية على لسان رئيسها فرحات عباس متحدثا للشعب: “هذه المظاهرات درس رهيب لدعاة التهدئة المتخلفين عن عصرهم ومازالوا يحلمون بخرافة فصل شعبنا عن جيشه وحكومته”، وبهذا كانت مظاهرات 11 ديسمبر بردا وسلاما للحكومة المؤقتة، التي كانت تعاني من صراعات داخلية وتراجعا في العمليات الحربية الفدائية بسبب الأسلاك الشائكة “خطي شال وموريس”، وقد قدمت هذه المظاهرات معنويات كبيرة لجبهة التحرير الوطني والتي كانت في أشد الحاجة إليها لتعزيز موقفها التفاوضي ومركزها الدولي، كممثل شرعي ووحيد للشعب الجزائري، كما كانت فرصة حتى يعتنق الجزائريون مبدأ جبهة التحرير الوطني حتى تنمو لديهم المشاعر الوطنية، وليعتنق الشباب فكرة جمهورية جزائرية بقيادة الحكومة المؤقتة.

فرحات عباس في ندوة صحفية

بعد أن حققت جبهة التحرير الوطني انتصارا سياسيا واضحا على سياسة ديغول وعلى المستوطنين، عقد رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، فرحات عباس ندوة صحفية، بالجزائر العاصمة، طالب من خلالها  كل من الرئيس الأمريكي “أيزنهاور”، ورئيس الوزراء الصيني “شون أون لاي” بالتدخل لوقف المذبحة التي يقترفها الجيش الفرنسي ضد الشعب الجزائري، كما ألقى في هذه الندوة الصحفية بيانا طويلا، حيث جاء في نص البيان بأن الشعب الجزائري يؤكد تعلقه بالاستقلال الوطني وبحكومته، وقد حضر هذه الندوة عدد كبير من المحققين الصحفيين بسفارات الدول العربية والإفريقية والآسيوية وكذا ممثلي الصحافة المحلية والأجنبية والإذاعات ووكالات الأنباء، وقد ساهم هذا الإعلام الدولي في الاعتراف بالحكومة المؤقتة، التي ازدادت علاقاتها مع دول أمريكا اللاتينية وآسيا وأوروبا وإفريقيا، وبالتالي قد فتحت مظاهرات 11 ديسمبر 1960 آفاقا جديدة للديبلوماسية الجزائرية وللهيئات الإقليمية العربية والهيئات المتحدة، كلها تساعد القضايا الديبلوماسية الجزائرية.

الإعلام الدولي يوصل أنباء ديسمبر إلى العالم

كان اهتمام الصحافة الدولية منصبا على الجزائر خاصة من خلال زيارة شارل ديغول إلى الجزائر، وذلك من أجل معرفة طبيعة الحل السياسي الذي كان يُروج له ديغول، وكذا معرفة موقف الجزائريين، ولهذا جرت تغطية صحفية واسعة لأحداث ديسمبر 1960، حيث نشرت مجلة نيوزويك الأمريكية في تقريرها الذي نشر يوم 26 ديسمبر: أن الجزائريين كانوا يحملون الأعلام الوطنية ويطالبون بتسليم فرحات عباس السلطة في الجزائر، بحيث أن أحد الشباب الجزائري قد اقترب من الصحفي وقال له:”هذه هي أصواتنا وكلنا مع جبهة التحرير الجزائرية الإسلامية”، وفي هذه الفترة الإعلام الدولي صور حقيقة الوضع في الجزائر، والمتمثل في أن الجزائريين يرفضون المشروع الفرنسي، كما كان الشباب الجزائري يتصل بالصحافيين الذين كانوا يغطون الحدث ويتحدث إليهم ويطلب منهم نقل الصور عن حقيقة ما يجري في الجزائر، وبفضل هذه الصحافة الدولية التي جاءت لتغطية زيارة الرئيس الفرنسي والتي وجدت مادة إعلامية خصبة مررت رسالة الشعب الأعزل من شيوخ وأطفال ونساء وأمامه الدبابات ومختلف الأسلحة المتطورة، وبهذا استطاعت القضية الجزائرية أن تصل إلى كل ربوع العالم، حيث وصل صوت الجزائر إلى أمريكا اللاتينية والصين والهند والبلدان العربية ليكون العالم سندا كبيرا للقضية الجزائرية، وقد كشف الإعلام للرأي العام أن الشعب الجزائري يرفض مشروع ديغول ويتبنى منطق جبهة تحرير الوطني، وبهذا صرحت العديد من وسائل الإعلام الأوروبية بأن الجزائريين يطالبون بحق استرجاع سيادتهم، ليتشكل إجماع دولي عالمي حول أحقية الشعب الجزائري في تقرير مصيره وحق الجزائر أن تكون دولة مستقلة. 

الصدى الدولي لأحداث ديسمبر

كانت لمظاهرات 11 ديسمبر 1960، وما نتج منها من قمع إجرامي صدى كبيرا في الساحة الدولية، حيث أمرت السلطة المغربية بعثتها في الأمم المتحدة بالتدخل من أجل حل القضية الجزائرية، كما أرسل الرئيس الصيني “شون أون لاي”، رسالة في رد له على الرسالة التي وجهها له رئيس الحكومة المؤقتة فرحات عباس، وجاء فيها “إن حكومة جمهورية الصين الشعبية ومن ورائها الشعب الصيني تعبر عن غضبها الشديد أمام فظاعة المذبحة الجماعية التي تعرض لها الشعب الجزائري من قبل المستعمرين الفرنسيين في مدينة الجزائر …”، كما تلقى فرحات عباس رسالة تأييد من الرئيس عبد الناصر، والرئيس اليوغسلافي جوزيف بروز تيتو، ومن ملك الأردن حسين بن طلال، وكذا من عدد كبير من المنظمات والهيئات من مختلف دول العالم.

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

19 مارس 1962 عيد النصر

 فاطمة طاهي سلم استقلال وحرية بعد نضال أجيال دام قرنا وثلث القرن نصر أجبر فرنسا …