الأثنين 20 ذو الحجة 1441ﻫ 10-8-2020م
الرئيسية | في رحاب الشريعة | معالجة الاختلاف بمراجعة النفس وضوابط الائتلاف/ محمد مكركب

معالجة الاختلاف بمراجعة النفس وضوابط الائتلاف/ محمد مكركب

قد يختلف الناس في الآراء والفهوم  وذلك من سنن الحياة الإنسانية، ولكن المذموم هو مرض الاختلاف العِنادي العدائي، وهو مرض نفسي خطير، ينبت في الوسط الأمي في المجتمعات المتخلفة الفوضوية، والاختلاف أنواع، منها: الاختلاف في الدين كما وقع بين اليهود مع بعضهم، وبين النصارى، وبين اليهود والنصارى، ومنه الاختلاف الفكري الطائفي، والفرقي المذهبي، ومنه الاختلاف السياسي بين المتنافسين على الكراسي،أو بين الحكام والمعارضة، وكلما استفحل اختلاف من هذه الأنواع واشتد بين جهتين تحول إلى صراع أو حرب باردة أو ساخنة مدمرة. والسبب الأول هَوَى في النفس يزينه الشيطان لصاحبه فيصبح في نفسه فكرة مقدسة، يدافع عنها إلى حد الفناء، وفي كثير من محطات التاريخ في نقاط سوداء تحول الاختلاف إلى اغتيالات أو إبادات، أو حروب أهلية تأتي على الأخضر واليابس.

وقولنا مرض الاختلاف العِنادي هو عندما تنشأ في النفس رغبة ملحة لدوافع خارجية كالمكاسب أو المناصب أو الثأر أو العصبية العرقية، أو الغيرة والأنانية، فتتعلق النفس بتلك الرغبة فتبلغ حد الإصرار العقدي عند المخالف، أو عند كل الأطراف المختلفة. ولذلك قلت في العنوان: إن العلاج يبدأ بمراجعة النفس، أي أن كل طرف يختلف مع أخيه عليه في البداية أن يخلو بنفسه ويفكر ويراجع كل الأسباب والمواقف التي تربطه مع الطرف المختلف معه، وسيصل إن أراد الإصلاح  بصدق، سيصل إلى الحل بإذن الله تعالى.

أولا: ورد في القرآن النهي عن الاختلاف: فالاختلاف العِنادي التنازعي الجاهلي مذموم وصاحبه عاص، والإقرار ببقائه بين المؤمنين تخلف ورداءة. قال الحق تبارك وتعالى:﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ.﴾ (آل عمران:105) وفي الأثر:[لا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا] ( البخاري:2410)

فالأصل أن المؤمنين ليسوا كصف واحد في أسرة واحدة فقط، وإنما هم كالجسد الواحد، فعن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[ تَرَى المُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى] (البخاري:6011. وأخرجه مسلم في البر والصلة والآداب باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم رقم 2586)

كل اختلاف نزاعي بين الناس سببه تسويلُ النفس ونزغُ  شياطينِ الْجنِّ أو الإنس، ثم إن الناس ألوان وأطياف وميولات في الاختلافات، فمنهم المتسرعون في اتخاذا القرار قبل استشارة أهل الذكر من العلماء والفقهاء الكبار الذين بفقهون دراسة المآلات السياسية والأبعاد الاجتماعية والفكرية، قد يكون المسلم عالما بالمعنى العام للعلم، ولكن في المسألة المختلف فيه والمتنازع عليها لايملك أدوات وآليات الحل وحينها لايتخذ القرار حتى يستشير أهل العلم، وفوق كل ذي علم عليم، ولا أحد من البشر يعلم كل شيء في المسألة المطروحة  ـ فضلا عن الحكام السياسيين في هذا الزمان ـ  قلت لا أحد يعلم كل شيء في القضية محل الخلاف. وفي الخبر قال الخضر عليه السلام، لموسى عليه السلام: [يا موسى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ لاَ تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وأنت على علمٍ مِن علمِ اللهِ عَلَّمَكَهُ اللهُ لاَ أَعْلَمُهُ] (البخاري: 4725)

إذن فليس المحتاج إلى استشارة العلماء هو العامي الجاهل فقط، وإنما كل من اعترضته فتنة اختلاف، أو فاجأته عقبةٌ فكرية أو ابتلاء أسري، أو سياسي، أو اقتصادي، أو صحي، ولوكان أعلم قومه أو رئيسهم، وجب عليه جمع أهل العلم واستشارتهم قبل اتخاذ القرار المصيري. ولو أن كل أن المسلمين عملوا بقيمة الشورى العلمية، منذ تاريخهم من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما وقعوا في فتن ومصائب وموبقات وحروب كان الهوى فيها مُحَكَّمًا والانفراد فيها بالقرار مُسَلَّطاً، وكان في كثير من المحطات التاريخية الاكتفاء ببطانة الحاكم دون العلماء الأمناء، كان بعض الحكام يعملون برأيهم وبتصفيق من حولهم، والأزمات السياسية لاتحلها البرلمانات الموظفة في طائفة السلطة السياسية الحاكمة، وإنما الطاقات العلمية المعروفة في المجتمع.

ثانيا: ما معنى الرجوع إلى النفس لحل مشاكل الاختلافات؟ هو أن كل طرف وجد العناد والإصرار لدى الطرف الثاني المعارض، أنه يختلي مع نفسه، ويتساءل كيف التصرف؟ هل يفضل العفو؟ أم الانتظار مع الوقت؟ يقول مع نفسه: هل الموقف الذي اتخذته سليما مائة بالمائة؟ ما المانع من عرض المسألة على غيري من القادرين على الحل؟ قال الله تعالى:﴿قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ (سبأ:46) والرجوع إلى الحق فضيلة. وفي الكتاب الذي أرسله عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما. قال له:{ولا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه نفسك، وهُدِيت فيه  لرشدك، أن ترجع عنه إلى الحق فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.} (البيان والتبيين:2/64)

ثالثا: وأن تعفوا أقرب للتقوى: آلاف المشاكل تحل بالعفو، والعفو يأتي من قبل أهل الحكمة والرحمة والرأي السديد. وفي قصة ثمامة بن أُثال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عبرة وأسرار للتعامل مع أهل العناد والإصرار. عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:[ مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟  فَقَالَ: عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ المَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ] فتركه إلى الغد، ثم سأله، وساله بعد الغد فماكان من ثمامة إلا الإصرار على ماقال. فقال النبي: [أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ] فانطلق إلى نجل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي. (البخاري:4372. مسلم في الجهاد والسير باب ربط الأسير وحبسه. . رقم 1764)

رابعا: بعض ضوابط الائتلاف: المقصود بضوابط الائتلاف في بحثنا هذا هي الآليات والأدوات التي تستعمل كمعالم وأدلة يتفق عليها الأطراف. الضابط الأول: الاتفاق على قواعد محايدة: واضحة المعالم، ومنطقية في تحكيمها، فتَحُل النزاع، وتوقف الاختلاف،ومن الأمثلة على ذلك. عن أنس، أن عثمان، دعا زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ، فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا ذَلِكَ] (البخاري: 3506) وجه الاستدلال أنهم وضعوا ضابط إن اختلفوا لجأوا إليه. الضابط الثاني: تحديد المطالب بوضوح: لتكون أسباب الاختلاف معلومة عند الناس جميعا. فبعض المتنازعين الذين يطول اختلافهم بالشهور بل قد يصبح مزمنا كالأمراض المزمنة في جسم الإنسان، والسبب أنهم يخفون السبب الأساس الحقيقي المركوز في نفوسهم، ويظهرون آثار النزاع فقط. ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يحدد في دعوته  الشروط التي يتم الاتفاق عليها. ومن الأمثلة على ذلك حديث المبايعة قال النبي عليه الصلاة والسلام في بيعة العقبة الأولى: [بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ فَهُوَ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ ] (البخاري:18)

الضابط الثالث: تعيين الذي يمثل القضية: ليعلم من هو الشخص أو الوكيل المحاور، أو من هو الذي يعود إليه القرار عند الاتفاق؟ ثم من هو الحكم الذي يدرس القضية ويفصل فيها؟ قد تكون القضية تخص أفرادا كثيرين كأبناء عائلة، وحينئذ وجب أن   يكلفوا ناطقا باسمهم جميعا، وقد يكون النزاع يخض طائفة، أو جماعة، أو بلدا بأكمله، في نزاع مع طرف آخر، فمن هو الممثل والناطق باسم العائلة أو الشركة أو الطائفة، أو البلد،؟؟ فلا يعقل أن يجلسوا جميعا في مكان ويتخاصمون؟ فبعض الشعوب ظلت سبعين سنة في اختلافات ونزاعات، ومازالت إلى الآن في حروب (سنة2019م لأن كل فرد منهم يقول مايشاء ويريد أن يصل هو وحده إلى ما يشاء. الضابط الرابع: الاحتكام إلى الشرع: كل قضية تحال إلى القضاء ليفصل فيها ولا تبقى بين المتخاصمين أنفسهم،. مهما كان الاختلاف أو النزاع بين اثنين أو بين إدارة وجماعة، أو بين حاكم ومحكومين. فترفع الدعوة إلى القضاة ليحكموا بين الخصوم بالحق، والله تعالى أعلم وهو العليم الحكيم.

//////////////////////////

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الدعوة إلى الله في و ما بعد زمن الكورونا

الشيخ نور الدين رزيق/ ينبغي أن يُعلم أن انتشار الأوبئة و منها وباء كورونا ما …