السبت 25 ذو الحجة 1441ﻫ 15-8-2020م
الرئيسية | في رحاب الشريعة | الإسـلام واليوم العالمي لحقوق الإنسان/ د. يوسف جمعة سلامة

الإسـلام واليوم العالمي لحقوق الإنسان/ د. يوسف جمعة سلامة

 

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}.

تمرّ بنا في هذه الأيام ذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان، والتي تأتي في العاشر من شهر ديسمبر من كل عام، ونحن في كل مناسبة نبين وجهة نظر الإسلام كي يكون المسلم على بينة من أمور دينه، وتُعَدُّ قضية حقوق الإنسان من أهم القضايا التي اشتغل بها الفكر المعاصر من المتخصصين ومن غير المتخصصين، سواء كانوا أفرادًا أو مؤسسات أو هيئات …الخ.

ومن المعلوم أنَّ ديننا الإسلامي الحنيف هو أول من نادى بحقوق الإنسان وشدَّد على ضرورة حمايتها، فقد كان الإسلام سَبَّاقًا إلى الإقرار للإنسان بحقوقه، وإلى الحثِّ على صَوْنِ هذه الحقوق وحفظها، وإلى إحاطة هذه الحقوق بالرعاية وشمولها بالعناية، مع العلم بأنَّ الشريعة الإسلاميَّة تحتفظ بكونها أعمق وأشمل من أيَّة قوانين وضعية، حيث سبقت بقرون إصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة للميثاق العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من شهر ديسمبر لسنة ثمانٍ وأربعين وتسعمائة وألف للميلاد، فالإنسان هو سيّد هذا الكون، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجدَ له ملائكته، فكلّ ما في هذا الكون مُسَخَّر لخدمة الإنسان.

 

حماية حقوق الإنسان من مقاصد الشريعة الإسلامية

 

إنَّ كلَّ دارسٍ للشريعة الإسلامية يعلم أنَّ لها مقاصد تتمثل في حماية حياة الإنسان ودينه وعقله وماله وأسرته، فمن أول مقاصد الشريعة الإسلاميّة صيانة الأركان الضروريَّة للحياة البشرية، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وقد بيَّن الإسلام الأحكام الفقهية التفصيليّة التي تُمَثِّل سياجًا لصيانة هذه الضرورات وكيفيّة حمايتها والمحافظة عليها، حيث ذكر الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه “المستصفى” أنَّ حرمة الضرورات الخمس لم تُبَحْ في مِلَّة قط، وقال بذلك الإمام أبو اسحق الشاطبي في كتابه “الموافقات في أصول الشريعة”، ومن المعلوم أنَّ هذه الأمور لابُدَّ منها لإقامة الحياة الصالحة، فإذا فُقِدَ بعضها انهارت الحياة الإنسانيّة أو اختلت وفسدت.

لقد حرص الإسلام عبر تاريخه المشرق على مراعاة حقوق الإنسان وضرورة صيانتها، وستبقى تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف وخصائص شريعتنا الغراء ثابتة كالطود الأشم، لن تهزها  عواصف هوجاء ولا رياح عاتية.

 

الإسلام منطلق الحقوق والحريات

 

إن حقوق الإنسان في الإسلام تنبع أصلاً من العقيدة وخاصة من عقيدة التوحيد، ومبدأ التوحيد القائم على شهادة أن لا إله إلا الله، هو منطلق كل الحقوق والحريات، لأن الله تعالى الواحد الأحد الفرد الصمد خلق الناس أحراراً ويريدهم أن يكونوا أحراراً ، ويأمرهم بالمحافظة على الحقوق التي شرعها والحرص على الالتزام بها ، والإنسان في الإسلام صاحبُ مركزٍ خاص في الكون من حيث أصل خِلْقته:{لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}، ومن حيث مكانته في الأرض ورسالته:{إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}، ومن حيث قدراته وملكاته واستعداده:{وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا}، ومن حيث مسئوليته عن عمله:{وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى}، وعدم مؤاخذته بجريرة غيره:{وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}، فالإسلام لا يُمَيِّز بين إنسان وآخر، لا في العرق ولا في الجنس ولا في النسب ولا في المال، كما جاء في خطبة حجة الوداع أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال:( أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، كُلُّكُمْ لآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ).

هكذا أنصف الإسلام الإنسان وكشف عن جوهره الفريد، ومركزه في الكون ورسالته في الحياة، فحقوق الإنسان في الإسلام تنبع من التكريم الإلهي للإنسان كما جاء في كتاب الله وسنة رسوله .

 

لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى

 

إن الإسلام لا يُمَيِّز بين إنسان وآخر، لا في العِرْق ولا في الجنس ولا في النسب ولا في المال، امتثالاً لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:” أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلا لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلا بِالتَّقْوَى“، وقوله – صلى الله عليه وسلم – : ” النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ“.

كما حذّر الإسلام من الاعتداد بالحسب والنسب فقط، حيث اعتبر العمل هو القيمة والأساس في التفاضل بين الناس، فالرسول – صلى الله عليه وسلم – يقول :” يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ – أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا – اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا “.

إن القاعدة الكبرى التي تحكم الفرد في الإسلام هي التفاضل في التقوى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، وهذه القاعدة يتساوى في ظِلّها الناس على اختلاف منابتهم وأصولهم، فكلما كان المرء أتقى لله، كلما ارتفع قدره وَسَمَا نجمه في المجتمع الإسلامي الملتزم بدينه وإيمانه .

وبهذا الفهم الصحيح والوعي الكامل لرسالة الإسلام، خرج المسلمون من الجزيرة العربية يحملون هذه الدعوة التي وضعت الأمور في نصابها، وأعلنت حقوق الإنسان منذ أن هبط الوحي على صاحب الرسالة -صلى الله عليه وسلم-، يحملونها إلى الناس وقد اختلطت بمشاعرهم وأحاسيسهم، وَطَبَّقوها على أنفسهم، فأثمرت وأينعت، وربَّت جيلاً قرآنياً على مرِّ الأيام.

 حرمـة الدماء

من المعلوم أن هناك أدلة كثيرة من الكتاب والسنة تبين مدى اهتمام الإسلام بالإنسان، فقد حذَّر الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- من الاعتداء على الإنسان، فقال- صلى الله عليه وسلم-:(‏لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِم)، ويقول أيضاً:(‏لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ ‏لأَكَبَّهُمُ ‏ ‏اللَّهُ فِي النَّارِ)، كما ورد عنه – صلى الله عليه وسلم – أنه قال:(لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)، كما بَيَّن القرآن الكريم الغضب الشديد الذي يلحق بالقاتل جزاء فعلته الشنيعة، كما في قوله تعالى:﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾، وقد رسم الإسلام الخطوط العريضة لسلامة الإنسان وكرامته وعدم الاعتداء عليه وقتله، فقال – عليه الصلاة والسلام- 🙁 ‏لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلا بِإِحْدَى ثَلاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْس،ِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمَفارِقُ لدِينهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ).

إن المجتمع الذي ينشده ديننا الإسلامي الحنيف، هو المجتمع الذي يسوده الحب الخالص والودّ والصفاء، والتعاون والإيثار، لا مكان فيه للأنانية والأحقاد، والتدابر والتناحر.

 

انتهاك الاحتلال الإسرائيلي لحقوق الإنسان في فلسطين

من المفارقات الخطيرة أن العصر الحديث الذي يَدَّعي أهله أنه عصر حقوق الإنسان بامتياز، هو عصر الانتهاكات الكبرى لكرامة الإنسان وحقه في الحياة، فقد أُهدرت كرامته وَدِيِسَتْ حقوقه.

وفي هذه الأيام تعيش بلادنا فلسطين ظروفاً صعبة في جميع المجالات جراء الاعتداءات الإسرائيلية على محافظات الوطن كافة، وما نتج عن ذلك من قتل وتشريد وتنكيل، وما استشهاد الأسير/ سامي أبو دياك عنا ببعيد، وكذلك تدمير المصانع والمؤسسات، وهدم البيوت، وتجريف الأراضي الزراعية واقتلاع أشجار العنب والزيتون، واستيلاء سلطات الاحتلال الإسرائيلي على بيوت الفلسطينيين، ومصادرة أراضيهم لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية عليها، كما تتعرض مدينة القدس لمجزرة تستهدف الحضارة والتاريخ، ومن المعلوم أن ديننا الإسلامي كفل حرية العبادة، ولا أَدَلَّ على ذلك من العهدة العمرية التي تُمثل لوحة فنية في التسامح الإسلامي بين المسلمين والمسيحيين في فلسطين الحبيبة، بينما نرى اليوم الاقتحامات الدائمة للمسجد الأقصى من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، والتضييق على المصلين، ومنع رفع الأذان في المسجد الإبراهيمي بالخليل، بينما نرى العالم وللأسف يُغلق عينيه، وَيَصُمُّ أُذنيه عمَّا يجري في القدس والأقصى، وكأن القدس خارج حسابات المجتمع الدولي.

فأين حقوق الإنسان يا دعاة الحضارة والتقدم ؟!، وأين حقوق الإنسان أيتها المنظمات الإنسانية الدولية؟!، نتمنى أن يستيقظ العالم من سُبَاتِه ليقف مع الشعب الفلسطيني المظلوم!!

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الدعوة إلى الله في و ما بعد زمن الكورونا

الشيخ نور الدين رزيق/ ينبغي أن يُعلم أن انتشار الأوبئة و منها وباء كورونا ما …