الرئيسية | في رحاب الشريعة | شمولية الإيمان تقتضي كمال الالتزام ومقاصد التمام/ محمد مكركب

شمولية الإيمان تقتضي كمال الالتزام ومقاصد التمام/ محمد مكركب

الأصل في عمل المؤمن أنه يمتاز بالوفاء والالتزام بأداء كل الأمانات التي كُلِّف بها، والتي عاهد عليها بإرادته، أو وعد بها، في وقتها وبشروطها، وعلى الوجه المطلوب إخلاصا وإحكاما، وأنه يشعر بمسئوليته الجامعة بين الإحاطة في الاهتمام بتلك الأمانات كلها، صغيرها وكبيرها، والشاملة لكل مقاصد التمام، واهتمام المؤمن بكل مصالحه المشروعة التي تحقق له بفضل الله الغاية المشروعة. وهذا الاهتمام كله يقتضي من المؤمن علم التخطيط وعلم الإنجاز وعلم التقويم.

أولا شمولية الإيمان تقتضي شمولية الالتزام: عندما يؤمن الإنسان يؤمن بكل أركان الإيمان والإسلام والإحسان ويؤمن بالكتاب كله، ولا يؤمن ببعض ويكفر ببعض، قال الله تعالى:﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾[سورة البقرة:85] وهذا عتاب لبني إسرائيل. فشمولية الإيمان معناه الإيمان بكل ما أمر الله تعالى به، وهذا الإيمان الشامل يقتضي التطبيق الشامل الذي سميناه الالتزام الكامل وفق مقاصد التمام في الإسلام.

قال الله تعالى:﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾[سورة الأحزاب:36] إننا نُحاسب على الكبيرة والصغيرة، قال الله تعالى:﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لَا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾[سورة الكهف:49] ولا يعقل أن يؤمن الإنسان بأصل ويترك آخر، أو يعمل بركن من الأركان ويترك آخر.

والإسلام عموما يقوم على أصول ثلاثة هي: توحيد الله بالعبادة الخالصة له كما شرع وبين سبحانه، والإقرار برسالة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والإيمان بالبعث والنشور والحساب واليقين بالآخرة. هذه هي أصول الدين عند الله، وقد بعث بها كلَّ نبي، وطلبها في كل كتاب، وأرسل محمداً عليه الصلاة والسلام يجدّدها في القلوب، ويحييها في النفوس. والعبادة الكاملة هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والعمل بالقرآن والسنة النبوية. والله ما خلق العباد ليختاروا لأنفسهم ولا لغيرهم كيف يعبدون وبماذا يعبدون، ولا متى يعيشون وكم يعيشون، ولا ماذا يكون لهم من الأولاد والأرزاق، إنما خلقنا الله عندما شاء كما يشاء لما يشاء. قال الله تعالى:﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾[سورة القصص:68] والذي يشاءه الله منا أخبرنا عنه فقال:﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:56].

بناء على شمولية الإيمان وشمولية الالتزام تعالوا لنتدرج مع البحث خطوة، خطوة، نحو فهم العمل بهذه القيمة الإيمانية (قيمة الشمولية في الإيمان والالتزام).

 أولا: على مستوى الفرد: ما هي واجبات الفرد المسلم؟ يقول الشاعر أحمد شوقي في ضرب مثل للالتزام الشمولي:” المسلم الحق يصلي فرضه… ويحمل الفأس ويسقي أرضه” كم من مسلم فرط في هذه الشمولية؟ كثير وكثير. نحن مطالبون بالصلوات الخمس يوميا، قياما بها على الوجه الأكمل المتمم لشروطها. والزكاة والصيام والحج على من استطاع، ولكننا مطالبون أيضا بالوالدين إحسانا ولطفا ورعاية، فكم من مسلم لم ينتبه لحقهما عليه حتى غابا عنه ثم راح يتجرع حسرات الأسف وغصص الألم على ما فرط في جنبهما، وهل تظن أنه تعمد التفريط في حقهما؟ لا، أبدا، وإنما لم يكن يعمل بقيمة الشمولية. وكم من مسلم فرط في الاهتمام بأولاده حتى ضاعوا، أو ضاع بعضهم، أو تعثروا في دراستهم، ثم راح يعض أنامله ويندب حظه ويبكي على ما لم ينفع فيه البكاء، بعد فوات الأوان، وهل تظن أنه فرط في أولاده عمدا برضاه؟ أو أهملهم قصدا يريد لهم ذلك؟ لا، أبدا، وإنما لم يكن يعمل بقيمة الشمولية. وكم من مسلم فرط في صلة رحمه، أو في متابعة الدراسة، أو في استثمار مشروع، أو، أمور وأمور.

ما هو سبب مخالفة قيمة الشمولية في الاهتمام والالتزام والتمام؟ هو التركيز نحو هدف بدون تخطيط هدف يكون مشروعا نحبه ونُسَخِّر له جهودنا بإخلاص، ولكن بدون مراعاة برنامج حياتي متكامل ومن هنا يأتي النقص والتقصير والإهمال عن هفوة ثم تصير غفوة ثم تكون غفلة، قد يكون الواحد منا طبيبا أو يكون كاتبا أو قائدا، أو فقيها داعيا إلى الله، أو قاضيا، أو إماما، أو معلما، أو وزيرا، وغيرهم، ويكون مهتما بوظيفته كل الاهتمام ويبالغ في ذلك الاهتمام ولكنه قَصَّرَ جهده وحَصَره في دائرة وظيفته واهتمامه بذلك الهدف الجزئي في الرسالة المجتمعية، ونسي حتى نفسه، وصحته وشئونه الخاصة، ومن ثم نسي أولاده، وربما أهمل زوجته، وربما تهاون في واجبه نحو الوالدين، وربما كانت عبادته على غير التمام وهذا خطر جسيم يصاب به التجزيئيون المهملون. ولو تحرك الإنسان بالخريطة البيانية والبرنامج الشمولي ووضع أمامه كل واجباته الكبيرة والصغيرة والدينية والأسرية والاجتماعية والعلمية والوظيفية، وسطر برنامجا وفق الأولويات الشرعية بحكمة وإحكام، لتحققت شمولية الالتزام.

عناصر البرنامج العملي اليومي:

أولا: واجبنا في القيام بالعبادة الصلاة على وقتها بكل خشوع وإخلاص، والورد القرآني في وقته بكل تدبر واعتناء.

ثانيا: واجب القوامة في الأسرة.

ثالثا: واجبنا نحو الوالدين.

رابعا: واجبنا نحو الأولاد وما أدراكم ما واجبنا نحو الأولاد. خامسا: واجبنا في صلة الرحم.

سادسا: واجبنا نحو الوظيفة والاهتمام بها في مستوى الاهتمام بأداء الأمانة.

سابعا: الواجب التطوعي في العمل الخيري لمن استطاع إلى ذلك سبيلا.

ثانيا: على مستوى المجتمع: وهو واجب إمام الأمة، والوزير، والعالم، والمفكر، وقائد الجند، وهم أولوا الأمر، المعنيون بالآية الكريمة: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[سورة آل عمران:104] وهذه الثلاثة ( الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر) واجبات هيئة الحكم. وقيمة الشمولية على هذا المستوى أن يقوم المسئولون بمقولة عمر بن الخطاب ( لو أن بعيرا عثر بالعراق لخشيت أن يسألني عنه ربي عز وجل) والوفاء والالتزام بالشمولية في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن يشمل القيامُ بالواجب الأمرَ الأكبرَ والأصغر بالتوازي معا، فكما يجب أن يكون الاهتمام بأكبر مشروع صناعي أو فلكي علمي أو تربوي أو سياسي في قمة الاهتمامات في نفس الوقت يكون الاهتمام بتسوية كل طريق وشارع وزقاق وممر، والإشراف على تسيير كل مرفق وكل مؤسسة في أبعد نقطة في أي شبر من الوطن، والاطلاع على حال كل أرملة أو يتيم أو عاطل عن العمل، لحفظ كل نفس وأمن كل مواطن، وتوصيل أسباب العيش ووسائل المدنية من ماء وغاز وكهرباء وطريق إلى كل حي في أي قرية على الإطلاق، هذا هو تطبيق مفهوم الشمولية في الوفاء والالتزام بما يقتضيه الإيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم.[ يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا](مسلم:1825) [هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولايات لاسيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائف تلك الولاية وأما الخزي والندامة فهو في حق من لم يكن أهلا لها أو كان أهلا ولم يعدل فيها فيخزيه الله تعالى يوم القيامة ويفضحه ويندم على ما فرط] (ش:محمد فؤاد عبد الباقي) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم:[ اللهُمَّ، مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ](مسلم:1828) [ألا كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع، وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته] (مسلم:1829)

عن المحرر

شاهد أيضاً

العــــام الهجــــري الجــــديــــد والـمسلمـــــون بيــــن التــقـليــد والتغــريـــد

الشيخ محمد مكركب أبران / الأصل في الذكريات والمحطات التاريخية، التزود بالعبرة الباعثة على التَّجَدُّد …