الرئيسية | وراء الأحداث | متى تصبح الإسلاموفوبيا في أوروبا جنحة يعاقب عليها القانون؟/ عبد الحميد عبدوس

متى تصبح الإسلاموفوبيا في أوروبا جنحة يعاقب عليها القانون؟/ عبد الحميد عبدوس

خرج يوم الأحد 10 نوفمبر الجاري 2019 الاحتجاج على ظاهرة الخوف من الإسلام أو الإسلاموفوبيا  إلى الشارع في فرنسا، حيث شارك ـ حسب المنظمين ـ حوالي 25 ألف مواطن فرنسي في المسيرة التي جرت في شوارع العاصمة باريس ومدينتي مارسيليا وتولوز، ولكن مكتب “اوكورانس” المختص في تقييم عدد المتظاهرين لحساب مجموعة من وسائل الإعلام أنزل عدد المشاركين إلى النصف حيث قدر عددهم بنحو 13500 شخص.

جاءت المسيرة استجابة لدعوة أطلقتها أكثر من 50 شخصية سياسية وثقافية وإعلامية وعدد من الأحزاب والمنظمات الفرنسية مثل التجمع ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا، نشرت في الفاتح نوفمبر الجاري في صحيفة “ليبيراسيون” بعد أربعة أيام من الهجوم الإرهابي على مسجد في بايون في جنوب غرب فرنسا تبناه ناشط يميني متطرف يدعى (كلود سينكي) يبلغ من العمر 84 عاما، وأسفر عن إصابة شخصين من رواد المسجد بجروح خطيرة.

وفي المقابل سعى بعض السياسيين والمثقفين الفرنسيين، وخصوصا ذوي الفكر الصهيوني منهم  على غرار( برنارد هنري ليفي)، و(آلان جاكوبوفيتش)، الرئيس السابق لمنظمة ليكرا اليهودية  إلى تشويه المسيرة وإثارة الشبهات حولها،  حيث تركز نقدهم وانصب تشنيعهم على صورة لنجمة صفراء حملها بعض المتظاهرين، اعتبرها المنتقدون تذكيرا برمز التمييز النازي ضد اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية، وقد رفضت السيناتور (إستير بنباسا) المنتمية إلى حزب الخضر والمدافعين عن البيئة التي شاركت في المسيرة اتهام المتظاهرين بمعاداة  السامية، مذكّرة بأنها “يهودية” كرّست حياتها للدفاع عن اليهود، وأوضحت أن النجمة التي ظهرت على لباس بعض المتظاهرين مكونة من خمسة أضلاع إلى جانب هلال، وهو رمز إسلامي وليست نجمة داوود السداسية  التي ترمز لليهود.

واللافت للانتباه أن المسيرة المناهضة للاسلاموفوبيا لقيت انتقادات حادة من قبل الحكومة واليمين المتطرف، على خلاف المسيرات التي نظمت في فرنسا وكانت تجمع في صفوفها كل الأطياف السياسية والاتجاهات الفكرية عندما يتعلق الأمر على سبيل المثال برفض الهجومات الإرهابية، أو الدفاع عن حقوق المواطنين، أو المساس باليهود أو مدارسهم أو معابدهم، والتي كانت تدفع برؤساء الجمهورية وأعضاء الحكومات الفرنسية ورؤسائها إلى تصدر صفوف المسيرات والتظاهرات. ففي ردود الفعل على المسيرة المناهضة للاسلاموفوبيا  اعتبر وزير التعليم الفرنسي (جان ميشال بلانكر)، أن المظاهرة المزمع تنظيمها في العاصمة باريس ضد الإسلاموفيا تستهدف العلمانية، وأعرب عن انزعاجه من استخدام عبارة “الإسلاموفوبيا”، رغم أن كلمة الإسلاموفوبيا (Islamophobie) دخلت القواميس الأكثر شهرة في اللغة الفرنسية، ومنها لاروس، وروبير، وتشرحها بأنها:” شكل خاص من أشكال الكراهية موجه ضد الإسلام والمسلمين، يتمظهر في فرنسا عبر أفعال عدوانية وتمييز عرقي ضد المهاجرين المغاربة”.

ومن جهتها اعتبرت (اليزابيت بورن) وزيرة البيئة أن هذه التظاهرة:” تحرض الناس بعضهم ضد  بعض”. كما وصف سكرتير الدولة للشباب (غبريال اتال) المسيرة بأنها :”زبائنية وفئوية”.

ولم تفوت زعيمة اليمين المتطرف (مارين لوبان) الفرصة لصب جام غضبها وحقدها على المسيرة والمشاركين فيها  قائلة:” كل الذين سيتوجهون إلى هذه التظاهرة سيكونون شركاء للإسلاميين، أي الذين يدفعون في بلدنا بإيديولوجيا استبدادية تهدف إلى محاربة قوانين الجمهورية الفرنسية”.

لعل هذا التوافق في الآراء بين الحكومة واليمين المتطرف الفرنسي ضد المسيرة، هو الذي دفع بأحد الداعين إلى المسيرة إلى القول:” نواجه تحالفا تثير طبيعته الدهشة (وهو) بين الحزب الاشتراكي والتجمع الوطني وحتى الحكومة، الذين وقفوا جميعا ضد المسيرة المناهضة للعنصرية”.

ومن أبرز الشعارات التي رفعتها مسيرة يوم الأحد المناهضة للإسلاموفوبيا  شعار “كفى” ولافتات كتب عليها “نعم لنقد الديانة لا لكراهية المؤمن”  و “الإسلاموفوبيا ليست وجهة نظر ولكنها جنحة” و “لنضع حدا للإسلاموفوبيا”، و”العيش المشترك ضرورة”، وهتافات متضامنة مع النساء المحجبات اللواتي يتعرضن للتمييز والاضطهاد والمساس بحقوقهن، كمصادقة مجلس الشيوخ الفرنسي (الغرفة الثانية للبرلمان) قبل أسبوع واحد من المسيرة على مشروع قانون يمنع مرافقات التلاميذ خلال الرحلات المدرسية من ارتداء الحجاب.

ومنذ قيام «الائتلاف ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا» (CCIF) عام 2003 تظهر تقاريره كل عام  تزايدا مقلقا  في الأعمال التي تتسم بمعاداة الإسلام في فرنسا، وهي نفس الظاهرة التي أكدتها تقارير “مرصد الإسلاموفوبيا ” التابع للمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية (CFCM)، إلى جانب مصادر أخرى . وخلال السنوات الخمس الماضية، تعرض 40 بالمائة من المسلمين، و17 بالمائة من غير المسلمين في فرنسا، لممارسات عنصرية. وعلى سبيل المثال لم يتردد إيف تريار، نائب رئيس تحرير صحيفة ” لوفيغارو”  الفرنسية خلال مشاركته في نقاش على قناة (LCI)، في القول بأنه: “يكره الدين الإسلامي”.. مشيرا إلى أنه سبق له وأن نزل من الحافلة عندما لاحظ وجود امرأة ترتدي الحجاب بداخله.

تصاعد حدة ظاهرة الإسلاموفوبيا في الغرب جعل الأمين العام لمنظمة العفو الدولية يقول إنه:”حان الوقت ليواجه زعماء الدول مواقفهم المشجعة لآفة الإسلاموفوبيا أو تغاضيهم عنها”.

في كتاب (ما هي الإسلاموفوبيا؟) الصادر سنة 2016  يقول مؤلفو ومعدّو هذا الكتاب:«في الحقيقة، بعد عقدين من دخول المصطلح إلى الاستخدام العام في العالم الناطق بالإنجليزية، إلا أن ظاهرة الإسلاموفوبيا لا تزال غير معترف بها عالمياً كشكل من أشكال العنصرية. والحال كذلك في القطاع الأكاديمي، حيث الأدبيات عن العنصرية لا تزال منفصلة بشكل كبير عن الأعمال حول الإسلاموفوبيا. وعدم الاهتمام النسبي بالإسلاموفوبيا من قبل علماء الاجتماع المختصين في قضايا العنصرية مفاجئ بالنظر إلى النمو المتزايد في العداء تجاه المسلمين في السنوات الأخيرة، والتي لا يمكن أن تمضي دون أن يلاحظها أحد…”

لقد عالجت أوروبا مشاعر الكراهية لليهود واضطهادهم والتمييز العنصري ضدهم بإصدار تشريعات صارمة، وتجريم الممارسات والأفكار اللاسامية، فهل سيأتي يوم تجرم فيه الممارسات والتصريحات الإسلاموفوبية؟

من المهم أن نؤكد أن خروج آلاف المواطنين الفرنسيين يوم الأحد 10 نوفمبر2019  للتنديد والتظاهر ضد مشاعر معاداة المسلمين والخوف من الإسلام ( الاسلاموفوبيا) في فرنسا، هو خطوة في الاتجاه الصحيح، ومسار مشرف لتحقيق العيش المشترك في كنف المساواة وضمان الحق في الاختلاف.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

نحو عهد جديد/ عبد الحميد عبدوس

مازالت الجزائر تصنع الاستثناء وتقدم الدروس الناصعة للعالم، رغم مرور 65سنة على اندلاع ثورة نوفمبر …