الرئيسية | في رحاب الشريعة | ما قل و دل | الطاهر ابن عاشور وابنه الفاضل/ محمد الصالح الصديق

الطاهر ابن عاشور وابنه الفاضل/ محمد الصالح الصديق

اعتزم أحد الأساتذة الجامعيين المحامي علي بن غانم، أن يشتري تفسير الشيخ الطاهر ابن عاشور، ولما أقيم المعرض الدولي للكتاب في سنة 2006 اقترح علي أن أرافقه إلى المعرض لتحقيق هذه الرغبة، ولما اشتراه وخرجنا من الجناح التونسي التقانا أستاذ وصحافي وموظف بإحدى دور النشر، وبعد المصاحفة والتحايا وكلمات المجاملة سأله أحدهم عما اشتراه من الكتب، ولما أجابه، سألني عن صاحب التفسير هذه الأسئلة في اهتمام دلت عليه لهجته ومعالم وجهه: هل هو من رجال الإصلاح؟ فأجبته بأنه مصلح ومجدد معا يدل على ذلك كتبه القيمة التي منها هذا التفسير الكبير الذي كتبه في خمسين سنة، وأودع فيه آراءه الإصلاحية التجديدية، ثم سألني ثانية: أعلم أن ابنه الفاضل من مشاهير العلماء، وكبار المصلحين أيضا، ولكن ما هي الخصائص والمميزات التي تميز كل واحد منهما عن الآخر؟ فقلت له: كلاهما عملاق في مختلف العلوم العقلية والنقلية، ولكن الابن يمتاز عن أبيه بالتفوق في ميدان الخطابة، وقد شهدته عشرات المرات، يشد العقول ويسحر القلوب بلسان فصيح، ساعات دون تلعثم، أو تعثر، أو توكؤ على حشو كما يفعل بعض الخطباء، أما الوالد فيمتاز عن ولده بالتعمق في فهم القرآن، واستنباط أسراره وحقائقه، وذوقه الرفيع في صوره الفنية وإشاراته وإيحاءاته.

ثم سألني أخيرا: هل نظم الشيخ الطاهر ابن عاشور القرآني شعرا في حياته؟ فقلت له: نعم له شعر قوي بليغ تتدفق به شاعريته حينا بعد حين ولكن ذلك قليل، فمن شعره قصيدته البائية التي مدح بها شيخه العلامة المصلح محمد النخلي بمناسبة ختمه لكتاب (السعد) على تلخيص المفتاح بجامع الزيتونة يوم 17 محرم 1317هـ /29 يونيو 1899، ومنها هذه الأبيات:

السعد أسفر بالبشائر يُعرب     *  وأراك في لُجَج الهوى تتقلب

فاسمع نداه فلاتَ حين تغزل    * في الكاعبات ولات حينًا تطرب

حتى متى شوق بعقلك يذهب   * فتنتك سُعدى والربابُ وزينبُ

ليس النسيب مقدم مستملحا    * إن كان خوضك في الفضائل أعذب

وختم القصيدة بهذه الأبيات:

هذا وأنّى حُزتُ كلَّ مفاخر    *   إذ صرتُ عن بعض الفضائل أعرِب

ويحق أن أطئ السماك بمدحكم   *   إن السماك علي يستصعب

وإذا القصائدُ حسب همة ربها   *    تأتى فمن تقصيره لا تعجبوا

لازلت شمسا في الهداية والعلا   *    سلمت من الحدثان بل لا تغرب

بدوامكم تهنى العلوم بخلدها       *   وكمال بدرك دهرنا يتكلم

فسر السائل وشكر، ودعا بالجنة لمن غبر، وبدوام العافية والتوفيق لمن حضر.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الإنسان والحيوان/ محمد الصالح الصديق

  سألتني إحدى المعلمات هذا السؤال: ما الفرق بين الإنسان والحيوان؟ والسؤال في ظاهره واضح …