الرئيسية | على بصيرة | نفحات وسبحات مولدية عطرة/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

نفحات وسبحات مولدية عطرة/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

 

في ذكرى عيد مولدك الغالي يا رسول الحب والإخاء، عادت بي الذكرى إلى يوم إشراق الوحي بالضياء، يوم اتصال الأرض بالسماء.

فقد كانت الأيام –آنذاك- تدور دوران الأرض في الفضاء، وكان الإنسان –يومها- برزخ، تحت أثقال الصنمية الصمّاء، والجاهلية العمياء، فانبثق –في عتمة ذلك الليل- شعاع النور الإيماني من السماء أن اقرأ، وبشّر بالإقراء.

ذلك كان شأن النور المحمدي الذي أشرق على الأرض القاحلة الجرداء، الملبدة بسحب الجاهلية العمياء، فبدّد ظلامية الوثنية الدكناء، وغرس –عوض ذلك- بذرة الحضارة الخضراء، كرمز للنماء والعطاء.

يتراءى لنا كل هذا في ليل أمتنا الإسلامية التي تعيش اليوم مرحلة السلب بعد العطاء، فغشيتها جحافل الظلم والظلام والظلامية عندما قطعت صلتها بربها، واعتبرت أن مجرد إحياء ذكرى منقذ الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم، في عيد مولده بدعة، وخدعة تقليدية.

معاذ الله! فالإنسانية عمومأ، وأمتنا الإسلامية بصفة أخص، تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى محمد، وإلى دستور دين محمد، فمحمد كما تقول الفيلسوفة البريطانية كارين أمسترونغ Kareen Amstrong “محمد نبي لزماننا”.

ذلك أن كل أقطار أمتنا –اليوم- تعاني ظلم الحاكم، بسبب فقده للوعي، وتعاني بؤس المواطن بسبب فقده للسعي، ومن جراء فقد الوعي والسعي لدى الحاكم والمحكوم، ساد البغي، والنعي.

أفلا يحق لنا أن نجدد الصلة بفيض الحب النبوي، كي نبدد جحافل الحقد والكراهية، التي هي علّة ما تعانيه أمتنا من تقاتل، وتنابز، وتدابر؟

إن ذكرى ميلاد خير البشر، محمد عليه السلام، هي علامة طريق مضيئة تستوقفنا، لتسائل ضمائرنا: أما آن لهذا الدم المسفوك أن يجف؟ ولهذا العِرض المهتوك أن يخف؟ فهذه المناسبة التي تتاح لنا، بإحياء ذكرى المولد النبوي الشريف، تفتح آفاق عقولنا، لإعادة قراءة السيرة النبوية الصحيحة، كي نتخذها خارطة طريق تقودنا إلى المقصد الأسمى، بكل تحقيق وتدقيق وتعميق.

فنحن عندما ندعو إلى العناية بفقه السيرة كما خطّه لنا سلفنا الصالح، ونعمل على تنزيل هذا الفقه على واقعنا المحلي، والإسلامي عموما، إنما لنستلهم منه القيم، التي بها بني مجتمعنا الإسلامي الأول، خير مجتمع أخرج للناس.

إن في هذا الاحتكاك بالسيرة النبوية الحقة، لعلاج لكل أمراضنا، وتحقيق للأفضل من أغراضنا. ذلك أن السيرة النبوية هي كاللؤلؤة في الصدفة تبحث عن عالم عميق الجوهر ليخرجها ويجعلها اللؤلؤة المضيئة الفريدة، كما تبحث هذه اللؤلؤة النبوية عن المفكر، المتبصر الجوهر، وعن المفكر السليم المظهر والمخبر، كي ينزل هذه السيرة على مختلف واقع أمتنا، فإن لم يتم ذلك، فإن القلم في يد العالِم، والمحبر في عقل المفكر يكون بمثابة الفأس الذي به يتم هدم المنبر والمعبر.

فإذا عدنا إلى واقع جزائرنا الحبيبة التي تعاني من أبنائها، ومن أعدائها، فإننا نجد أن مردّ ذلك كله يعود إلى بعد إعلامييها، ومفكريها عن دينهم وقيم وطنهم، وما كالعودة إلى النبع الإسلامي الصافي أفضل وسيلة لرأب الصدع.

نريد أن يدرك أبناؤنا، ولاسيما منهم شباب الحراك الشعبي السلمي الزاهر، بأن طاقة الحراك، التي لا تنفد، إنما هي الطاقة الإيمانية بالله، وبالوطن، وبالإنسان، فما عدا ذلك، إن هو إلا لغو، أو لهو، أو سهو.

إن أعين الجزائريين –اليوم- مشدودة، إلى مستقبل الجزائر، وهذا المستقبل ينبغي أن يكون هاجس كل حائر، ووعي كل ثائر، وهداية لكل سائر.

في الجزائر مخاض عسير، لا ندري عم سيتمخض؟ ولكن بعزمنا، وحزمنا نستطيع أن نجعل المستحيل ممكنا، فنتعبأ كلنا في حشد واحد موحد، لنتفق على ما نتفق فيه، وليعذر بعضنا في ما قد نختلف فيه. وإن الذي يتفق فيه جلنا، هو الإسلام في نبعه الصافي، وعلاجه الشافي، وأسلوبه الكافي، وإن مما نتفق فيه أيضا القيم الإسلامية ذات البُعد الإنساني، كالأخوة، والحرية، والعدل، والشورى، فالأخوة في الوطن، هي فوق ما يرد وما يعد، وأن الحرية هي المسؤولية في قول نعم، وقول لا، وأن العدل يكون مع المحالف، ومع المخالف، وأن الشورى أوسع من الديمقراطية، تتسع للجميع ولا تسمح بمعاقبة من يخرج عن القطيع.

إن الاتفاق على الكليات –إذن- هو ما يجمعنا، أما الاختلاف حول الجزئيات فلا ينبغي أن يفرقنا، فيحيلنا إلى شيع، وأحزاب، وطوائف، يلعن بعضها بعضا، ويَكفر بعضها ببعض.

لتكن لنا في سيرة النفحات والسبحات المولدية أسوة في الاقتداء بالنماذج السلوكية.

نقول هذا، ونحن على أبواب استحقاقات مصيرية، وما نهمس به في أذن أي مواطن، وأية مواطنة، أن الصوت الذي قد نُدلي به هو أمانة، وهو شهادة نُسأل عنها يوم القيامة، ويسائلنا عنها التاريخ، عندما لا تنفع الندامة.

يجب أن يعلو صوت الوطن على أي صوت، وأن تغلب مصلحة الأمة على أية مصلحة فردية، أو حزبية، أو فئوية، أو جهوية.

ويستوقفنا في هذا المجال الحديث النبوي الخالد:”إن قوما ركبوا في سفينة، فاقتسموا، فكان لكل رجل منهم موضع، فنقر رجل منهم موضعه بفأس، فقالوا له، ما تصنع؟ قال: هو مكاني أصنع فيه ما شئت، فإن أخذوا على يده، نجا ونجوا، وإن تركوه هلك، وهلكوا”[رواه البخاري].

فلو نزلنا هذا الحديث على واقعنا اليوم، لأدركنا أن الوطن ملك للجميع، وأن كل سلوك فيه يجب أن يوزن بميزان فقه الأولويات، وفقه الموازنة، وفي الفقه الإسلامي درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فالإسلام منهج رباني هدفه الارتفاع بالأضعف من الناس إلى الأقوى منهم، وليس العكس، وما كالوحدة قوة، وما كالتسامح قيمة، وما كالعدل فضيلة، فكل هذه المبادئ والقيم إنما تهدف إلى استقرار الوطن، وأمنه، ووحدته، وهو ما تفتقر إليه الجزائر اليوم، في ظل نفحات وسبحات ذكرى المولد النبوي الشريف.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحراك العربي، تطهير للربيع العربي/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

يلحظ الراصد للواقع العربي، في غليانه وتوقانه هذه الأيام، يلحظ ظاهرة بارزة، وهي شمولية الغضب، …