الرئيسية | وراء الأحداث | المولد النبوي الشريف: بين عظمة الذكرى وهوان الأمة/ عبد الحميد عبدوس

المولد النبوي الشريف: بين عظمة الذكرى وهوان الأمة/ عبد الحميد عبدوس

تحل على الأمة العربية والإسلامية في 12 من ربيع الأول من كل عام ذكرى دينية عظيمة، وهي ذكرى مولد الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فكان مولده بشرى للدنيا، ورحمة للعالمين، وبعد بعثته الشريفة سارت قافلة النور والتوحيد والإيمان رافعة راية الحق والهدى والخير إلى الخلق، فسقطت عروش الظلم والفساد، وسادت دولة العدل والمساواة والتكافل الاجتماعي تحت قيادة النبي الخاتم عليه أفضل الصلاة والسلام.

̄ قال الله تبارك وتعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[الأحزاب: 21].

وقال الشاعر الأندلسي أبو محمد عطية بن يحيى:

لقد شرّف اللهُ الوجود بمرسل      

له في مقام الرسل أعلى المراتب

وشرّف شهرا فيه مولده الذي  

جلا نوره الأسنى دياجي الغياهب

فشهر ربيع في الشهور مقدم   

فلا غرو أن الفخر ضربة لازب

فلله منه ليلة قد تلألأت     .. .         

بنور شهاب نير الأفق ثاقب

ولكن أية لوثة روحية، وأي انحطاط فكري، وتدهور أخلاقي جعل بعض المسلمين يقومون بالإساءة لهذه الذكرى العظيمة وتحويل ليلة مباركة هي رمز للبشرى، والرحمة، والسلام، والسرور، والسمو الروحي، إلى موعد لتنويع المأكولات، وإطلاق المفرقعات، وإلحاق الأذى بالنفوس والممتلكات.

لاشك أن من ينظر إلى حالة الأمة الإسلامية في عصرنا هذا يرى مشهدا صادما مثيرا للحزن والأسى.. أمة تكاثرت عللها وتتابعت أمراضها بسبب غفلة أبنائها وتقصير قادتها حتى آل زمام أمورها إلى أيدي أعدائها وكادت أن تصبح على امتداد العالم خارطة للفتن والأزمات وساحة للشقاق والتناحر والانقسامات والاخفاقات في شتى المجالات! أزمات في الداخل واستهداف واستضعاف من الخارج.

فبماذا نبرر ذلنا وهَوَانِنا أمام الناس لمؤسس أمتنا وقائدها وأسوتها الذي تركنا قبل التحاقه بالرفيق الأعلى {خير أمة أخرجت للناس} وأشهد الله وملائكته وعباده أنه قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا خاسر هالك.

ألم يقل المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم في خطبة الوداع:” أيها الناس اسمعوا مني أبين لكم فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا، أيها الناس إن دماءكم وأعراضكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا… ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد…”

فما بالنا نسفك دماء بعضنا البعض، ونجاهر بالعداء والبغض لبعضنا البعض، ونوالي الأعداء وندعمهم حتى في العدوان على إخواننا ومحاربة بني ملتنا؟ ألا يخجل المسلمون عامتهم وخاصتهم، وهم يحتفلون بذكرى مولد نبيهم الذي وحد صفوفهم ورفع ذكرهم بين الأمم وضمن لهم العزة والقوة. بينما تبقى مقدساتهم محتلة وأعراضهم مستباحة، وصفوفهم مشتتة، وكأنهم رضوا بأن يكونوا أكلة سائغة للطامعين والأعداء؟

ألم يحذرنا رسولنا عليه الصلاة والسلام من ضياع الهيبة والسقوط في الغثائية والتبعية، بعد المهابة والمناعة والريادة؟ كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود عن ثوبان – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال:” يوشك الأمم أن تتداعى عليكم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: أو من قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، قال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت«.

قد يتساءل المرء أمام تعدد الأزمات والنكبات والصراعات والحروب التي تمزق الدول الإسلامية وتفرق بين صفوف شعوبها عن سبب عجز دولنا التي تزيد على أكثر من 56 دولة مسلمة التي يبلغ عدد سكانها مليار و600 مليون نسمة وتملك 70 في المائة من الموارد الطبيعية

في العالم، في وضع آليات لحل النزاعات بين أعضائها أو داخل كل دولة إسلامية أو إيجاد آلية فعالة لنصرة الدول المسلمة ودفع الاعتداءات الخارجية عنها، رغم أن الدين الإسلامي يأمر المسلمين صراحة بالتناصر بينهم والعمل على إصلاح ذات بينهم، واستعمال كل الوسائل الممكنة والمشروعة لتحقيق الصلح بين أفرادهم وجماعاتهم وطوائفهم لقول الله تبارك وتعالى في الآية 9 من سورة الحجرات: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}.

ولكل هذا نقول إن الاحتفال بالمولد النبوي لن يغير حالنا ولن يرفع مقامنا بين الأمم إذا لم نعد إلى تفعيل القيم وبعث الأخلاق والمبادئ التي جعلت رعاة الإبل يتحولون في زمن قياسي إلى قادة الأمم بفضل شريعة أكرم الرسل الذي بعثه الله تبارك وتعالى رحمة للعالمين وهداية للناس أجمعين. فصلى الله وسلم وبارك على نبينا وسيدنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، إمام المرسلين وخاتم النبيين، صاحب اللواء المعقود، والمقام المحمود، والحوض المورود، المخصوص بالشفاعة في اليوم المشهود، ورضي الله على آله وأصحابه الطاهرين الطيبين الذين اتبعوه، وعزروه، ووقروه، وآووه، ونصروه، وأطاعوه، وفضلوه على الأنفس والأموال والأهل، فكانوا نجوم الهدى ومصابيح البر والتقوى.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

نحو عهد جديد/ عبد الحميد عبدوس

مازالت الجزائر تصنع الاستثناء وتقدم الدروس الناصعة للعالم، رغم مرور 65سنة على اندلاع ثورة نوفمبر …