الرئيسية | في رحاب الشريعة | المرأة والوعي السياسي وفق ضوابط المشاركة في بناء المجتمع (2)/ محمد مكركب

المرأة والوعي السياسي وفق ضوابط المشاركة في بناء المجتمع (2)/ محمد مكركب

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:13].

إذا كان الأصل في عمل المرأة أنها كما وصفها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. حيث قال:[وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا] فإن المرأة يمكن أن تكون أهلا للتعليم، أو الجهاد، أو الطب، أو أي تخصص ينفع الإنسانية.

فعندما قالت أمُّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ادع الله لي أن أكون مع المجاهدين الذين يركبون ثبج (وسط) البحر لم يقل لها ابقي في بيتك، وإنما دعا لها، وفعلا خرجت مع المجاهدين والمجاهدات. والخبر في صحيح البخاري. عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أم حرام بنت ملحان، فأخبرها [أن ناسا من أمته غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج البحر.  فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم](البخاري:2788) وأم حرام هذه:[أخت أم سليم، وخالة أنس بن مالك، وزوجة عبادة بن الصامت].

ولا يعني مشاركة المسلمة في العمل السياسي أن تكون وزيرا أو رئيس دولة أو قائدة جيش أو قاضي القضاة، فالمرأة المسلمة تعلم أن عملها مكمل لعمل أخيها الرجل وتابع له في منطق السنن الكونية والشرعية والأعراف والواقع، ثم إن السياسة ليست في الكراسي القيادية فقط كما يفهم العامة، وإنما في أن يؤدي كل فرد في المجتمع الدور المناسب له ليتحقق الأمن والاستقرار، والتقدم والازدهار.

أهم مجالات عمل المرأة والذي به يتحقق النجاح السياسي والقوة العظيمة في إرساء أركان الدولة، [وهذا إذا كان الحاكم واعيا وحكيما لأنه هو الذي ينظم دور الأفراد في المجتمع].

مجالات عمل المرأة: 1 ـ مجال البحث العلمي في ابتكار وتحضير الدواء، والكساء، وتطوير مصادر الغذاء، ووسائل المنافع. 2 ـ  مجال التربية والتعليم، والاجتهاد في فنون التدريس والتدريب. 3 ـ مجال الصحة والطب.4 ـ مجال الاتصالات. 5 ـ مجال الصناعات الدقيقة. إن الدول التي تقدمت في كل مراحل التاريخ وإلى اليوم لم تتقدم بكراسي الوزراء والخطابات والمحاضر وتغيير الدساتير كل عام والقوانين العامة، وإنما في تطبيق القوانين بالقسط، وتوزيع القدرات الفردية كل قدرة في مجالها. فالمناصب الوزارية للقيام بشؤون الدولة خمسة كما بينا ذلك في كتابنا [ قيم الدعوة الإسلامية. من خلال صلح الحديبية] (في الفصل الخامس من الباب الخامس. ص:293 طبع ونشر دار رحاب. العاصمة الجزائرية. بتاريخ:16 جانفي 1998) ومن أبرز المجالات السياسية التي تشارك فيها المرأة: الشورى.

وقد تُلْهَم المرأة الحكمة أكثر من كثير من الذكور، عندما تنال نصيبها من التربية والتعليم، فنساء النبي عليه الصلاة والسلام كن يُسْتَشَرْن ويُشِرْن بالرأي الصائب. ومن علامات الحكمة عند المرأة في الشورى، التعليل والاستدلال اللذين استعملتهما كل من خديجة رضي الله عنها في بداية البعثة، وأم سلمة في يوم الحديبية، على سبيل المثال وليس الحصر.

والملكة بلقيس التي كانت حكيمة في قرارها وذكية في تدبيرها، وكثير من الملوك الذكور من البشر العاديين عبر التاريخ الطويل كانوا أغبياء جهلاء، ومنهم الذين نصبوا أنفسهم بالتسلط أو بالوراثة. وكم من امرأة كانت خيرا من مائة ذكر عندما تعلمت وتحصنت بالإيمان والأخلاق. فبلقيس لم تستبد برأيها رغم ذكائها وثقافتها وعلمها بفقه النوازل ونشدانها الحق، لا تريد مراوغة ولا حِيَّلاً ﴿قالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ * قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ * قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ.﴾[النمل:32 ـ 34] والملأ هم أشراف القوم، فأخذت في حسن الأدب مع قومها، ومشاورتهم في أمرها ﴿قالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ ومن هنا يبدأ الذكاء السياسي في التنفيذ،  عندما يجمع الحاكم أشراف الأمة من العلماء الخبراء، والحكماء البصراء، ويُحَمِّلهم المسئولية، ويُشركهم في القرارات المصيرية. حينها تفتح القلوب وتتجاوب ضمائر القادة والجند مع الحاكم، اجتماعا على طلب الخير، ولذلك قالوا لها:﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾. وبحسن سياستها حفظت شعبها وحمتهم من حرب لا تعود عليها ولا عليهم بالفائدة، وعلمتهم أن القوة بالعلم والعقل والحكمة خير من آلاف الجيوش الجرارة، وفي الأخير أسلمت مع سليمان وتلك غاية سعيدة، وأروع سياسة هي التي تدخل صاحبها الجنة، أما السياسة التسلطية التي تدخل صاحبها مع فرعون، فتلك مصيبة الجاهلين.  وحادثة إسلام بلقيس مع سليمان عليه السلام تدل على ثلاث عبر:

العبرة الأولى: أن المرأة مهما بلغت من علم وفطنة وذكاء فهي لها قدرة على تنفيذ العمل السياسي الدعوي وليس القدرة للقيادة السياسية ولا الإدارية ولا القضائية، لأن قدرة المرأة قوامها المنهج المسبق لِتَسِيرَ عليه، وهي دوما في حاجة إلى من يذكرها وييقنها. ولذلك قالت لمستشاريها:﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ وقال الله عن الشاهدتين على العقود﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة:282] إلا أنه كما ذكرت في المقال الأول عندما لا يقوم الرجال بدورهم تتقدم المرأة لملء الفراغ. وقد يلاحظ هذا المعنى في تفوق الإناث في الدراسة والبحث على كثير من الذكور، وكثيرات هن اللواتي يتصفن بالتركيز والإتقان والتجاوب أكثر بكثير من ذكور مهملين، أو تافهين.

 العبرة الثانية: أن المرأة بل والرجل أيضا عندما يريد الزعامة والاستئثار بمزايا الشهرة والغلبة بدافع سياسي أو اقتصادي أو طائفي أو مذهبي ويظهر له الحق والصواب والنفع في اتباع غيره أو خصمه فالعاقل يستسلم لله منقادا للحق من أجل إحقاق الحق، لمصلحته أولا، ولمصلحة أتباعه ورضوان ربه عز وجل، وليس خضوعا لخصمه كما قد تضلل النفس صاحبها، وهكذا كان موقف العقلاء في كل البلدان التي فتحها المسلمون فإذا وصلت رسالة الإسلام أسلم العقلاء بلا مقاومة ولا جدال، كما فعلت بلقيس هداية من الله تعالى.

إلا أن بعض الملأ من الزعماء قد يظهر لهم بل يتيقنون أنهم على ضلال وأن الطرف الآخر على الهدى، ومع ذلك لايستسلمون للحق، خوفا من كلام عامة الناس، فبلقيس لما علمت الحق اتبعته ولم تستنكف، ولم تعاند ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[النمل:44]. فالفرض الواجب أن كل المتنازعين والمتحاربين عندما يُنْصَحُون، أو عندما يتبين لهم الحق، يجب أن يتبعوه. فبلقيس كانت أعقل من قومها فأسلمت لله رب العالمين، وبذلك كانت من الفائزين.

العبرة الثالثة: أن بلقيس لما رأت الآيات والمعجزات مع سليمان عليه السلام وتبين لها الحق من الباطل والهدى من الضلال، لم تراجع قومها ولم تستشرهم، ولم تفكر في فقدان مملكتها وسلطانها وعظمة شخصيتها مع قومها، بل تركت الدنيا وأقبلت على من خلق الدنيا وخلق الموت والحياة، وهذا مما يجب أن يعتبر به الملوك والرؤساء وزعماء الأحزاب الذين أعمتهم الدنيا بشهواتها، ممن يتشبثون بعروشهم ولو على الباطل، ولو على حساب تدمير البلاد والعباد. وهذا ليعلم الناس أن اتباع شرع الله واجب مفروض لا يحتاج إلى استشارة أو تصويت، فلا بد من العمل بما أمر الله، واجتناب ما عنه نهى الله تعالى.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

شخصية المسلم بين لسان كتابه وحب نبيه واحترام أمته/ محمد مكركب

بسم الله الرحمن الرحيم:﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ …