الرئيسية | في رحاب الشريعة | في ظلال شهر ربيع الأول/ د. يوسف جمعة سلامة

في ظلال شهر ربيع الأول/ د. يوسف جمعة سلامة

يتفيأ المسلمون في هذه الأيام ظلال شهر كريم ومناسبة عظيمة تتعلق بأكرم مولود، إنه سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم– الذي أرسله ربه رحمة للعالمين كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}،  فحريٌ بأبناء الأمة الإسلامية دراسة سيرة نبينا – صلى الله عليه وسلم-، والتعرف على جميع جوانب حياته- عليه الصلاة والسلام-؛ ليقتدوا بهذا النبي الكريم –صلى الله عليه وسلم– الذي طُبِع على العفاف وسموّ النفس ومكارم الأخلاق، فهو الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة في أخلاقه وآدابه وتواضعه وحلمه وكرمه وجميل خصاله وشمائله – صلى الله عليه وسلم-.

 حاجة البشرية إلى رسول الإنسانية 

لقد صَوَّر أمير الشعراء أحمد شوقي – رحمه الله – حال العالم قبل بعثته– صلى الله عليه وسلم – تصويراً صادقاً حكيماً، حيث كانت عبادة الأصنام منتشرة، كما كان الظلم واقعاً ملموساً بين
النّاس، وتنشب الحروب على أتفه الأسباب، وفارس والروم كانتا تعيثان في الأرض فساداً، والناس كالحيتان في البحر يفتك أقواهم بأضعفهم، ذكر ذلك – رحمه الله – في قصيدته المشهورة
“نهج البردة” فقال:

أَتَيْتَ والناسُ فَوْضَى لا تَمُرُّ بهم        

إلا على صَنَمٍ قد هَامَ فـــي صَنَــــمِ

والأَرْضُ مَمْلُوْءَةٌ جَوْراً،  مُسَخَّرَةٌ       

لِكُلِّ طَاغِيَةٍ في الخَلْقِ مُحْتَكِــــــــم

فعاهلُ الرومِ يطْغَى في رعيتــــه       

وعاهلُ الفرسِ مِنْ كِبْرٍ أصمّ عــــــمِ

وخلال تلك الظلمات التي سادت الإنسانية جاءت بعثة النبي محمد – صلى الله عليه وسلم–؛ لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمات القهر إلى نور العدل، فالرسول- عليه الصلاة والسلام- جاء رحمة للعالمين، وكما قال الصحابي الجليل ربعي بن عامر: – رضي الله عنه –:(إنّ الله قَدْ ابْتَعَثَنَا لِنُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ عِبَادَةِ العِبَادِ إلى عِبَادَةِ ربِّ العِبَادِ، وَمِنْ جَوْرِ الأدْيَانِ إلى عَدْلِ وَسَمَاحَةِ الإسْلاَمِ، وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إلى سَعَةِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ).

لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ  

في مثل هذه الذكريات الطيبة يُؤكّد المسلمون على اقتدائهم بصاحب الذكرى– صلى الله عليه وسلم – وسَيْرِهم على هديه – عليه الصلاة والسلام -، حتى يحققوا خيريَّتَهم في هذا العالم، لأنه لن تتحقق خيريَّتُهم  إلا باتباع هديه وتعاليمه – عليه الصلاة والسلام-، لقوله سبحانه وتعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}، كما تَوَعَّدَ الله سبحانه وتعالى المُعْرضين عن هديِ رسوله – صلى الله عليه وسلم – ، المخالفينَ أمْرَهُ بالعذاب الأليم، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

ومن المعلوم أن عناية الله سبحانه وتعالى قد تكفّلت بتربية نبيه – صلى الله عليه وسلم -، فنشأ على أكمل ما تتحلى به النفوس من جميل الصفات وسيّد الأخلاق، فقد رفع رسولنا–صلى الله عليه
وسلم – من شأن الأخلاق في حياة الإنسان، حيث دعا إلى الأخلاق الكريمة وحثَّ على التمسك بها، مثل: الصّدق والوفاء والعفاف، ودعا إلى توثيق الروابط الاجتماعية، مثل: برّ الوالدين وصلة الأقارب، وقد طبّق ذلك عملياً، كما نهى عن الأخلاق السّيئة وابتعدَ عنها وحذّر منها، مثل: الكذب والغدر والحسد والزّنا وعقوق الوالدين، وعالج المشكلات الناتجة عنها، فكان -عليه الصلاة والسلام- خيرَ قدوة لأمته.

  من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام

من الخصائص التي خَصَّ الله سبحانه وتعالى بها نبينا–صلى الله عليه وسلم-  أن جعل رسالته رحمة للعالمين،كما جاء في قوله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}، فرسولنا -صلى الله عليه وسلم-بُعث إلى الناس كافة،كما جاء في قوله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}.

* لقد اختار الله سبحانه وتعالى نبينا– صلى الله عليه وسلم– خاتماً للنبيين، لقوله سبحانه وتعالى:{مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}.

* وقد أعطاه الله سبحانه وتعالى سبعاً من المثاني والقرآن العظيم، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ}.

*وأعطاه سبحانه وتعالى الكوثر، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}.

* وأعطاه الله الشفاعة العظمى والمقام المحمود، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا}، بل وأعطاه الله تعالى حتى يرضى، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}.

* وأقسم سبحانه وتعالى  بحياته – صلى الله عليه وسلم – ولم يُقْسم بأحدٍ من البشر، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}.

* وجعل سبحانه وتعالى طاعته – صلى الله عليه وسلم – من طاعته،  كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ}.

* وقد نادى الله سبحانه وتعالى الأنبياء بأسمائهم كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ}، وقوله سبحانه وتعالى أيضاً:{قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا}، وهكذا مع كثيرٍ من الأنبياء،  ولكنه لم يوجه النداء لحبيبه– صلى الله عليه وسلم – باسمه مُجَرَّداً، بل ناداه بألقاب التكريم والتشريف والتعظيم،كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}، وقوله سبحانه وتعالى أيضاً :{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا}.

عالمية الرسالة الإسلامية

إن الرسالة التي جاء بها رسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم- رسالة عالمية عامة، وعموم الرسالة الإسلامية جاءت به آيات وسنن، ومن الملاحظات الجديرة بالذكر أن كل ما نزل من القرآن الكريم يُفيد عموم الرسالة كان في العهد المكي.

ولأهمية ذلك نقول: إن العهد المكي كان عهد اختناق الدعوة، وكان الإسلام يُعاني من جبروت الوثنيين، فكان القرآن الكريم يتنزل بهذه الرسالة ليست لِقُطْرٍ مُعَيّن بل للبشرية كلِّها، ولو أن الآيات التي تتحدث عن عموم الرسالة تنزلت في العهد المدني أو أواخر أيام الرسالة؛ لقال بعض الناس: نبي نجح في أن يفرض نفسه على قومه في شبه الجزيرة العربية، فأغراه ذلك على أن يُوَسّع نفوذه، لكنّ عموم الرسالة وعالمية الدعوة قد تأكدت منذ اللحظات الأولى للدعوة في مكة المكرمة من خلال السور المكيِّة، حيث نجد ذلك واضحاً في آيات عديدة من القرآن الكريم، منها:

في سورة القلم المكية:{وَمَا هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}.

وفي سورة الأنبياء المكية:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}.

وفي سورة الفرقان المكية:{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا}.

وفي سورة سبأ المكية أيضاً:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}.

وفي السنة النبوية الشريفة نقرأ الأحاديث التي تُبين أن الإسلام سينتشر في جميع أرجاء المعمورة، كما جاء في قوله  – عليه الصلاة والسلام- 🙁لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ “يعني أمر الإسلام” مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ، إِلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ، أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإِسْلامَ، وَذُلاًّ يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ).

فالرسالة الإسلامية العالمية التي حمل لواءها رسولنا -صلى الله عليه وسلم- ستبقى ما بقيت الحياة، وستنتشر أنوارها شرقاً وغرباً، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}.

ويوم يزول الإسلام من هذه الدنيا فلن تكون هناك دنيا؛ لأن الشمس ستنطفئ، والنجوم ستنكدر، والحصاد الأخير سيطوي العالم أجمع.

اللهم أحينا على سنته، وأمتنا على ملته، واحشرنا في زمرته، واسقنا يا رب من حوضه الشريف شربة ماء لا نظمأ بعدها أبداً، آمين … يا رب العالمين.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

شخصية المسلم بين لسان كتابه وحب نبيه واحترام أمته/ محمد مكركب

بسم الله الرحمن الرحيم:﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ …