الرئيسية | شعاع | تجربة صحيفة العقيدة أو كيف حُرم الجزائريون من تعلّم دينهم على الوجه الصحيح/ حسن خليفة

تجربة صحيفة العقيدة أو كيف حُرم الجزائريون من تعلّم دينهم على الوجه الصحيح/ حسن خليفة

 

 

قرأت كلمة كتبها البروفيسور عبد القادر نويري في حسابه (فايس بوك) قبل أيام قليلة، تحدث فيها عن جريدة “العقيدة” التي صدرت قبل نحو عشرين عاما (1990)والتي لم تعمّر للأسف سوى أشهر قليلة، ثم اختفت كما اختفت قبلها أو بعدها(في سنوات الجمر)  كثير من الأمور الجميلة كالمصليات، بل وبعض المساجد في الجامعات، ومصلّيات هنا وهناك مع تضييق قاس على الدعوة والدعاة على مدار سنوات طويلات؛ حيث قُرن الإسلام بـ “الإرهاب” وتمّ تعزيز هذا المنطق المعوجّ الخاطئ، بكل الوسائل التي كانت في أيدي المتغرّبين اللائكيين الكارهين للدين، وما يزالون.

ذكرتني كلمة الأستاذ نويري بعدد من الأفكار وأشاعت في نفسي عددا من المشاعر ارتبطت بتلك الفترة، وارتبطت بشكل خاص بتجربة جريدة “العقيدة” التي كانت ـ فعلا ـ تجربة رائدة في الصحافة الإسلامية في الجزائر.

كان يمكن لتلك التجربة أن تنمو وتزدهر وتكبر وتتسع؛ فقد كانت ناجحة منذ بداياتها الأولى، ولقيت الكثير الكثير من الاستحسان والاستجابة الطيبة، والإقبال، نتلمسُ دليل ذلك في السحب المرتفع المتصاعد للجريدة وهامش المرتجعات القليل أو المنعدم تقريبا. وهذه معلومات كنّا نستقيها من شركة التوزيع نفسها، وما يفسّر هذا الإقبال الجمّ هو تعطّش الناس لمعرفة دينهم، واهتمامهم بمعرفة حقائقه ومبادئه وأصوله، وأيضا اهتمامهم بمعرفة الإجابات عن أسئلة كثيرة كانت مطروحة بالنسبة إليهم، مما هو جزء من مسلك الحياة والعيش في هذه الدنيا في شؤون: العمل، الحلال والحرام، الزواج، الطلاق، تربية الأبناء، الميراث، العلاقات الاجتماعية والإنسانية، الشجار في الأسر والعائلات… إلخ

من مسائل الدين والحياة التي تتجدّد وتطرأ كل يوم وفي كل وقت، وفي أي ناحية من نواحي الحياة، لا يخلو منها مجتمع ولا جماعة، ويبحث المؤمنون والمؤمنات ـ بلهف ـ عن الإجابات المرضية التي يمثل الدين مصدرها الأهم.

لكن تلك التجربة “توقفت” فجأة، فكانت الخسارة كبيرة للوسط الاجتماعي المقبل بشغف واهتمام على تلك الوسيلة الصحفية المشعّة بالخير والفضل والدين والتوجيه.

كانت العقيدة جريدة أسبوعية متخصصة نصفية (تابلويد) تتكون من  24 صفحة أصدرتها جريدة النصر، مع ملاحق أخرى ظهرت في تلك الفترة كـ “العُناب” و”الأوراس”…وسواها من الصحف التي كانت أقرب إلى الملاحق للجريدة الأم (النصر)..وحققت بدورها نجاحا كبيرا؛ حيث كانت الاستجابة طيبة من القراء وقتئذ، ولعل ذلك يعود إلى الطابع الجواري الذي تميزت به، وهو أسلوب ينبغي أن يُذكر في شأنه أحد الصحفيين الممتازين والمسيّرين الناجحين وهو الأستاذ عنّان الذي جاء بهذه الفكرة عندما عُين كمدير عام لجريدة النصر (قسنطينة). ومع تلك الملاحق الجهوية تم إطلاق عنوان متخصص (ديني /إسلامي) وهو جريدة العقيدة التي ـ كما سبق الذكرـ حققت انتشارا واسعا ولقيت قبولا كبيرا لدى القرّاء، لحاجة المجتمع الجزائري للإعلام الديني بمنظوره الفقهي الديني وأيضا بمنظوره الأشمل.

لقد كانت العقيدة تجربة رائدة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ويا ريت نُظر إليها كمكسب للمجتمع الجزائري في المجال الإعلامي يلبي احتياجا كبيرا ويسدّ ثغرات كبيرة أيضا لدى الناس في المعرفة الدينية: في العقيدة، والفقه، والأصول، وهو مما يدخل فيما يُسمى الثقافة الذاتية (الضرورية) في حياة كل مسلم ومسملة. وحتى من الناحية الاقتصادية/المالية فقد كانت الجريدة محققة لربح مقبول تساعد عوائده الشركة الناشرة (مؤسسة النصر).وهنا يكمن سر السؤال عن توقّفها بالفعل: لماذا توقفت مع أنها مطلوبة ومربحة (بشكل ما)؟

لعل الجواب الأقرب إلى المنطق الذي كان يحكم وقتئذ: إن غربان الشؤم المتنفذين في مفاصل الدولة سعت واجتهدت وحرصت على إغلاق هذه النافذة، مع أنه ليس سوى ملحق أسبوعي يصدر عن صحيفة عمومية كما سبق الذكر…

لقد انطفأت صحيفة كان في إمكانها أن تكون إحدى الصحف الرائدة في المغرب العربي وربما في العالم العربي، بالتزامن مع ما حققته الجزائر الرائدة وقتئذ في مجال الانفتاح والحريات ومنها حرية الإعلام، بل كان يمكن أن تتحوّل إلى صحيفة يومية ناجحة، تصدر بدورها ملاحق حضارية ـ وثقافية ـ وفقهية راشدة نافعة للمجتمع.

ولو نظر الناظرون يومئذ، ممن كانوا في الحكم إلى الإسلام نظرة موضوعية لتمّ الحفاظ على كثير من المكاسب في المجال الديني كملتقى الفكر الإسلامي وكليات إسلامية ومعاهد وشُجع التعليم الأصلي الذي يؤصل عقائد الإسلام الصحيحة الواضحة وأيضا المكاسب الإعلامية كالعقيدة وقناة القرآن الكريم ولأخذ الشعب الجزائري دينه من أفواه العلماء الصالحين العاملين ذوي السمعة والاستقامة البعيدين عن كل الشبهات والشهوات …لكن..وماذا بعد لكن…

حُرم الجزائريون من معرفة دينهم فصاروا يلتفتون يمينا وشمالا ويأخذونه من الكتب والكتيبات، ومن أشخاص هنا وهناك، فحدث ما حدث، ويذكر الكثيرون كيف كان الجزائريون والجزائريات يتصلون بالقنوات الفضائية المشرقية والخليجية للاستفتاء والاستفسار عن مسائل كالوضوء والغُسل من الجنابة، والطلاق وما أشبه.

كم هي كبيرة جرائر من منعوا الناس من تعلّم دينهم على أصوب ما يكون، ولدينا اليوم ـ نتيجة ذلك التجهيل ـ طلبة في الجامعات لا يحفظون الفاتحة ولا يحفظون سور الصمد والمعوّذتين…بله أن يعرفوا حقائق دينهم حتى تستقيم حياتهم على المنهج الأقوم والصراط المستقيم.ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم .

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

عود على بدء … في أهمية الرؤية لصناعة مستقبل الجمعية/ د. حسن خليفة

 دونما تعمّق في التفاصيل المتصلة بالرؤية وطبيعتها وأهميتها وطرائق صناعتها، وهي ثقافة أساسية لكل فرد …