الرئيسية | قضايا و آراء | قصة المساواة في القرآن / أ. د. ليلى محمد بلخير

قصة المساواة في القرآن / أ. د. ليلى محمد بلخير

تعد القصة القرآنية من كبرى آيات الجمال والفن، وشأنها كله تركيز العقيدة وغرس قيم الإيمان والأخلاق الزاكية، ولو تأملنا صورة المرأة في القصص القرآني لوجدنا تنويعا كبيرا وحضورا في كل مناشط الحياة، وكأنها تخبرنا بحركية الصور والمشاهد أن المرأة موجودة وجودا حقيقيا كاملا لا تعرف الانزواء والتقوقع والإهمال، وجودا مؤثرا ومفعما بالمشاعرالإنسانية في مواقف واضحة، القصة حياة كاملة والشخصيات النسوية فيها  تنبض بالصدق، مؤثرة شاخصة أكثر من الكلمات والعظات والأوامر والزواجر، بل أرفع مقاما في مواقف ومشاهد وصور متناسقة متناغمة طبيعية بلا تكلف ولا بهارج، توضح لنا  خط التوازن الأصيل .

وفي الموقف الحي المباشر من القصة نتعلم دروسا تطبيقية، تؤسس لمنهجية جديدة في الفهم والتفسير تنبذ كل أفانين المبالغات، لأن المبالغة في الفعل تؤدي لنقيضه مباشرة، وهذا هو المشكل الذي تخبطت فيه صورة المرأة من عهود طويلة ولزمننا هذا، مبالغة في الانتقاص والإهمال والتحقير، أنتجت فعلا معاديا ومضادا وأكثر تطرفا وعنفا ألا وهو المبالغة في تمجيد الأنثى وتقديسها، مثل ذلك قد يتزوج شقيقان في الوقت نفسه ويقيمان في دار العائلة الكبيرة، الأول يحجب زوجته في جلباب وسدل، فلا يرى وجهها أي أحد من إخوته ولا أبوه ولا أخواله وأعمامه ولا حتى جده، والثاني يدفعها وهي في أتم زينتها للسفور والتبرج أمام جمهور العرس كله ومن النقيض إلى النقيض، وهكذا ضاعت قيم الأسرة بين الميوعة والتشدد، ومبالغات هوجاء وتنطع بعيدا عن منهج القرآن ومقاصده الكبرى، وبالتالي يمكن أن نتساءل  لماذا وجدت شخصية المرأة في القصص القرآني ظاهرة ومتنوعة؟ حتى لا نتعمد إقصاءها من مشاهد الحياة ككل، ونحكم عليها بالتقوقع في ركن واحد . _ والقرآن مرآة الانصاف والعدل _  وهي موجودة في قصصه تنبض بالمشاعر والمآثر.

تعرض قصة امرأة عمران لصورة نادرة لنموذج نسوي نادر، في التسامي والصفاء الروحي، إنها تنشد كرامات الله  مستشرفة المستقبل العريض، الذي شغفت به لإعلاء دين الحق، من خلال تقديم أحب ما لديها لله، وتحلم به رجلا يقوم على العبادة ويخدم المصلين. والله تعالى يسمع لمناجاتها لم يعطها ذكرا بل أعطاها أنثى تلد أمما للعبادة والصلاح، تبشر بالمسيح عليه السلام نبيا ومن أولي العزم من الرسل عليهم السلام. وهل الذكر الذي تمنت مثل الأنثى التي أعطيت؟  قال الله تعالى في سورة آل عمران:{ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران:35/36]. إن التعبير القرآني بليغ ومعجز في بلاغته، يسع أعمق المعاني، ويشف عن أرق المشاعر في الخلوة وفي السر اللطيف الخفي قبل الجلاء البين المكشوف، نتمثله في صورة امرأة مخلصة، ولأن شأن الإخلاص في العبادة شأنا جامعا للنساء والرجال على حد سواء. بينما المقصد من قوله تعالى على لسان امرأة عمران (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى) التنويه  بمجال آخر على قدر كبير من الأهمية ولا تنفع فيه (المساواة)، وهو يشير إلى الوظيفة، (سدانة المعبد) من أساسها للرجال دون النساء، والاختلاف تكويني ملازم للطبيعة الخاصة بكليهما والتي تصنع من انسجامهما أجيالا تعبد الله حق العبادة . وللحديث بقية بحول الله.

عن المحرر

شاهد أيضاً

وثبة التحوُّل وعلاقتها بالخصوصية الحضارية/ د . إبراهيم نويري

هناك تيار عريض من الناس في أمتنا – بما فيهم الكثير من المثقفين – يقع …