الرئيسية | في رحاب الشريعة | ما قل و دل | العالم الجاهل/ محمد الصالح الصديق

العالم الجاهل/ محمد الصالح الصديق

الفروق بين العالم والجاهل كثيرة، يعسر عدها واستقصاؤها، ومتنوعة أيضا، بعضها سطحي يدرك بالبداهة، وبعضها عميق يحتاج إلى إعمال الفكر، وتركيز النظر.

فمن هذه الفروق أن الأمي الجاهل إذا دخل مكتبتي فإنه يقلب بصره في الرفوف، وما تحويه من مجلدات على اختلاف ألوانها وأشكالها، وهي تعد بالآلاف، ثم يقول –في بسمة عريضة، ولهجة واثقة- كل هذه الكتب كتبتها أنت، أليس كذلك؟

أما العالم فعندما يقف على الكتب التي كتبتها، وهي بالنسبة إلى ما في المكتبة من الكتب قليلة، فإنه يقول –في اندهاش وانبهار- ما شاء الله كل هذه صاغها فكرك، وحررها قلمك، إنه بحق إنجاز عظيم يستحق كل التقدير.

وإنما اختلفت النظرتان، هذا الاختلاف، واختلف وضع العالم والجاهل في النظر والإحساس والتقدير –مع أن الرجلين يعيشان في عصر واحد، وربما في محيط واحد، بل ربما هما أخوان شقيقان لأن أحدهما يعلم صناعة الكتابة ويفقهها بعمق، وأنها فكر وعلم، وإحساس وشعور، وعشق وموهبة، ومعاناة وإدمان، ثم هي عملية شاقة تمر بمراحل مختلفة: تفكير وتخطيط، سجن وخلوة، مخاض وولادة.

أما الآخر فإنه لا يتصور الكتابة إلا تحريك القلم على القرطاس، فلا تفكير ولا تخطيط، ولا نظر ولا تركيز، ولا موازنة ولا مناظرة.

ومن هنا قالوا العلم نور، وقالوا أيضا: العلم حياة الحي في حياته، والجهل موت الحي في حياته.

ومن هنا أيضا نحث أبناءنا وبناتنا –بالخصوص لأنهم الذين لا يزالون يملكون في أيديهم- الفرصة على طلب العلم وتحصيله، وعلى ما صاحبه الكتاب وقراءته، حتى يعيشوا أحياء، فالجاهل ليس بحي وإن ظن أنه حي.

فمن حرم من العلم كان في تفكيره سطحيا، وفي عمله كخابط عشواء، ما يفوته أكثر مما يناله، وما يفسده أكثر مما يصلحه.

والحقيقة الرهيبة أن الإنسان الميت في حياته بالجهل، ميت به أيضا بعد موته، وما موته بعد موته، إلا إقدامه على العمل الذي قدمه في هذه الحياة ناقصا غير كامل، فاسد غير صالح، مشوشا غير منتظم، أما العالم فلا تسل عن حياته بعد موته، إنها رضى وطمأنينة، وفرح وابتهاج.

عن المحرر

شاهد أيضاً

“ثلاثة لا يكلمهم الله”/ محمد الصالح الصديق

ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة “المنان الذي لا يعطي شيئا إلا منة، والمنفق سلعته …