الرئيسية | في رحاب الشريعة | مَنْ هُمْ خيـرُ الناس؟/ د. يوسف جمعة سلامة

مَنْ هُمْ خيـرُ الناس؟/ د. يوسف جمعة سلامة

 

أخرج الإمام البخاري في صحيحه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:( خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ).

هذا الحديث حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، في كتاب الشهادات، باب لا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ جَوْرٍ إذَا أُشْهِدَ.

لقد بزغ الفجر النبوي لِيُحْيي هذه الأمة ويبعثها من جديد، وليجعل منها أمة مميزة، فهي تتميز بميزتين، وهما: الخيرية كما قال سبحانه وتعالى:{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ}، والوسطية: فهي أمة الوسط (الخيار والأفضل)، كما قال سبحانه وتعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}.

وعند دراستنا للحديث السابق يتبين لنا أن الخيريَّة الكاملة كانت في تلك القرون الثلاثة، ولا يزال الخير في الأمة الإسلامية إلى يوم القيامة إن شاء الله تعالى.

ومن فضل الله سبحانه وتعالى أن جعل معيار الخيريَّة والكرامة في الأمة الإسلامية هو تقوى الله سبحانه وتعالى كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، وإن لهذه الخيريَّة مظاهر عديدة، منها:

خَيْركُمْ مَنْ طَالَ عُمرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ

عَن ْعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَجُلا ، قَالَ:( يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟، قَالَ: مَنْ طَالَ عُمرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ، قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟، قَالَ: مَنْ طَالَ عُمرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ ).

يتبين من الحديث النبوي السابق أن  خير الناس مَنْ طال عمره في طاعة الله ورسوله، وبذلك يقضي حياته في الأعمال الصالحة ويبتعد عن المعاصي والآثام، ومن المعلوم أن الأعمال الصالحة وأبواب الخير كثيرة ومتعددة والحمد لله، منها: تبسمك في وجه أخيك صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، وإسقاؤك الماء على الماء صدقة، وإصلاحك بين المتخاصمين صدقة، ورسم البسمة على الشفاه المحرومة صدقة، كما جاء في الحديث عَنِ ابْنِ عُمَرَ- رضي الله عنهما- ، أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى النَبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ وَأَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 🙁 أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخي فِي حَاجَةٍ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ شَهْرًا، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ، مَلأَ اللَّهُ قَلْبَهُ رَجاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَتَهَيَّأَ لهُ، أَثْبَتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامُ) .

خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ

عَنْ عُثْمَانَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  قَالَ:(خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ).

إن للقرآن الكريم منزلة قدسية رفيعة، وفضائل جليلة مهيبة، منشؤها أنه كلام الحق سبحانه وتعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو العاصم من الضلال لِمَنْ تَمَسَّكَ به واعتصم بحبله المتين.

ومن المعلوم أن القرآن الكريم مصدر عزتنا وكرامتنا، به نهتدي وإليه نحتكم وبأوامره ونواهيه نقتدي، وعند حدوده نقف، وسعادتنا في اتّباع منهجه، وشقاؤنا في اجتناب تعاليمه والبُعْدِ عنه؛ لذلك فمن الواجب علينا أن نتعهده بالحفظ والتلاوة والتعلّم والتعليم، فَمَنْ فعل ذلك فهو مِنْ خيار هذه الأمة، كما يجب علينا أن نتعهد أبناءنا بذلك، وأن نَحُثَّهم على حفظ كتاب الله –عزَّ وجلَّ- وَحُسْنِ تلاوته، امتثالاً لقوله–صلى الله عليه وسلم-:( أدِّبُوا أولادَكْم على ثَلاثِ خصالٍ: حُبِّ نَبيّكُمْ، وحُبِّ آلِ بَيْتِهِ، وتِلاوةِ القُرآنِ، فإنَّ حَملةَ القُرانِ في ظِلِّ عرشِ اللهِ، يَوْم لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ مَعَ أنبيائِه وأصْفيَائِهِ).

 

خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِه

عَنْ عَائِشَةَ- رضي الله عنها – قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 🙁 خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي).

في هذا الحديث النبوي الشريف يرشدنا رسولنا – صلى الله عليه وسلم – إلى حُسن العشرة مع الزوجة والأبناء والأهل، وحُسْن العشرة مع الزوجة يقتضي الإحسان إليها وحُسْن معاملتها وعدم إهانتها، وقد بيَّن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن حُسْن العشرة مع الزوجة من الإيمان، كما جاء في قوله – صلى الله عليه وسلم – 🙁 إنّ مِنْ أَكْمَلِ المُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَأَلْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ).

كما بيَّن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فضل النفقة التي يُنفقها الرجل على زوجته وأهله، من غير إسراف وبذخ، فيقول- عليه الصلاة والسلام-:( دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ).

فَمَنْ بَرَّ والديه وأهله وأحسن إلى زوجته وأكرم قرابته وذويه، أكرمه الله سبحانه وتعالى بأبنائه ووفَّقهم إلى الإحسان إليه، فكما تَدين تُدان.

خَيْركُمْ أَحْسَنكُمْ قَضَاءً

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) : – أَنَّ رَجُلا أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- :” دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً“،  ثُمَّ قَالَ:” أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ“، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلاَّ أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ،  فَقَالَ:” أَعْطُوهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً” ).

فأحسن الناس أحسنهم قضاء، يعني أحسنهم وفاء وأداءً لِمَا عليه من حق، ومعنى هذا أن يَحْترم المدين كلمته، ويَفِي بوعده، ويؤدي مَا عليه من حَقٍّ أو دَيْنٍ في يُسر وسهولة، فلا يُماطل في أداء الحقوق متى كان قادراً على ذلك، كما جاء في قوله – صلى الله عليه وسلم – : ( مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْم)، وَحُسْن القضاء والوفاء من سمات النفوس الخيِّرة الكريمة، وهو دليل واضح على التزام الصدق في العهود والوعود والرغبة في أداء الحقوق.

خَيْركُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَفَ عَلَى نَاسٍ جُلُوسٍ، فَقَالَ:( أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِكُمْ مِنْ شَرِّكُمْ؟،  قَالَ: فَسَكَتُوا، فَقَالَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنَا بِخَيْرِنَا مِنْ شَرِّنَا، قَالَ: خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ، وَشَرُّكُمْ مَنْ لا يُرْجَى خَيْرُهُ وَلا يُؤْمَنُ شَرُّهُ).

عند دراستنا للحديث السابق يتضح لنا أن الناس معادن مختلفة، منهم من سخّره الله لخدمة الناس، حيث إنهم يتعاونون فيما بينهم على البرّ والتقوى، ويحرصون على بذل المعروف، وإغاثة الملهوف، وتفريج الكربة عن المكروب، ولا يفعلون شيئاً من ذلك إلا ابتغاء وجه الله ورضوانه، لا يريدون من أحدٍ على ما يصنعون جزاء ولا شكوراً، فقد ورد أن رجلاً جاء إلى الحسن بن سهل كي يساعده ويشفع له في حاجة، فَيَسَّرَ الله الأمر للحسن فقضاها والحمد لله، فجاءه الرجل يُقدم له الشكر على صنيعه، فقال له الحسن: عَلاَمَ تشكرنا؟ نحن نرى أن للجاهِ زكاة كما أَنَّ للمال زكاة، ثم أنشد قائلاً :

فُرِضَتْ عليَّ زكاةُ مَا ملكتْ يَدَيَّ          

وزكاةُ جَاهِي أَنْ أُعِينَ وَأَشْفَعَا

فإذا مَلَكْتَ فَجُدْ فإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ              

فَاجْـهَدْ بوِسْعِكَ كُلِّهِ أَنْ يَنْفَعَا

نسأل الله أن يجعلنا من السائرين على خُطى النبيّ الأمين

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الموضوع: الصدقة الجارية كل عمل صالح يستمر زمنا فيه نفع للناس./ محمد مكركب

قالت السائلة: رزقني الله أرضا فاقتطعت منها قطعة وأوقفتها في سبيل الله أريد أن تكون …