الرئيسية | قضايا و آراء | أعـــــــــداء العلم هم فرائس سهلة للخرافة؟!/ جمال نصرالله*

أعـــــــــداء العلم هم فرائس سهلة للخرافة؟!/ جمال نصرالله*

عندي صديق توفيت والدته بعد ست سنوات كلها قضتها تعاني مع سرطان القولون. وقد كلفته كل هذه السنين أموالا طائلة، عانى فيها الكثير من المشقة والمتاعب، بل انعكس مرض الوالدة على نفسيته إلى درجة أنه أصيب بعدة اضطرابات آنية؟! وقد صار يعيش عشرات التناقضات في سلوكه وتفكيره اليومي.

وكنت شخصيا ألاحظ كل هذا، ومرات أحاول تصحيحه، وعلاج البعض منها، إلا أنني غالبا ما كنت أصطدم به، لأنه لم يكن يقبل النقد وكنت ألح عليه أن يقبل بهذا مقدما له وعارضا كل الأدلة والحجج والبراهين الكافية عن أنه انحرف عن هذا المسار، لكنه كان يختم حديثه حين يعترف لي بحق النقد عن أنه يفعل ذلك نتيجة عدم استقراره، وهو أولا وأخيرا المرض العضال الذي لازم والدته رحمها الله. وأن ثقل المشاعر تجاهها والتفكير فيها أجبراه وألزماه أن يقول الفكرة أو الكلمة ثم يتفوه بنقيضها الصارخ؟!

تناقضات زميلي هذا ليست هي الأهم في موضوعنا بل في مرض والدته، فكما أسلفنا الذكر وقلت بأن هذه السيدة قضت ست سنوات كاملة تحت سلطة وجبروت هذا المرض القاتل..الخمس سنوات الأولى كلها كانت رِواحا ومجيئا صوب الرقاة. فقط في السنة الأخيرة اهتدت إلى زيارة الأطباء عن  أن مرضها هو السرطان الذي ماتت بسببه..وصراحة وحتى وأنا أؤمن بأن الموت قضاء وقدر فقد تمنيت من أن يعرض صاحبي في البدء والدته على الطبيب المختص في الأسبوع الأول بدلا من الأسبوع الأخير من السنة الأخيرة؟!

وهو ما يعرف طبيا بالكشف المبكر عن المرض حتى يتمكن من أخذ الوقت الكافي ومعالجة والدته عن طريق المتابعة المستمرة، لكن صاحبي حتى لا أقول الأسرة كاملة كانوا من عشاق والمدمنين على زيارة الرقاة حتى ولو تعلق الأمر بصداع في الرأس أو إخفاق في نيل البكالوريا..كانوا مولعين بالرقاة والذين من المؤكد أنهم سلبوا منهم أموالا خيالية طيلة هذه السنين.

وأنا هنا (وحتى لا يفهم القراء بأنني ضد الرقية) فأنا لست ضدها من الأساس، بل أحبذ التعامل معها بمنطق وفي إطار وظيفتها الحقيقية..لأنه حسبي والله أعلم بأن الرقية أوصي بها في المقام الأول وبدرجة قصوى في حالات المس بالجن وبعض الاختلاجات عند الأطفال وربما هناك مسائل جزئية لا أعلمها صراحة لكنني أؤمن بأن الرقية لا تعالج السرطان بمختلف أنواعه، ولا تعالج الروماتيزم والتهاب الأمعاء ولا تعالج الملاريا والطاعون والكوليرا وأخيرا التسمم الغذائي؟! فهذه الأمراض لها وصفات وأدوية خاصة وكذا إخضاعات علاجية ما وجب الامتثال إليها، لأنها السبيل الأوحد للقضاء على هذا المرض أو ذاك.

الأبغض من هذا أن هنالك نوع من الناس في مجتمعاتنا من يلتجئون للرقاة ويستنجدون بهم ليس فقط إزاء هذه الأمراض، بل لأمور تتعلق بالجوانب المعنوية والنفسية بالخصوص؛ كالعنوسة وعدم الزواج وعدم الحصول على سكن وعدم الإنجاب والكوابيس المزعجة وقبل أي نوع من المسابقات، حتى ذالكم المتعلق بمدارس السياقة؟! كل هذا لهدف الحصول على تبركات هذا الشيخ أو الولي أو الراقي والمنجم الصالح..وقد أكد العلم بأن لمثل هذه الاختلالات الاجتماعية والتي هي في الأصل نتائج صحية وتحصيل حاصل، وجب معالجة أسبابها أولا تجنبا للوقوع فيها، لكن للأسف الشديد غياب العقل العلمي دائما وأبدا يلتجىء مريدوه لمثل هذا النوع من الدروشة والإيمان القطعي بأنها السبيل الأنجع.

صديقي هذا الذي وقع فريسة سهلة تأكد بعد سنوات وبعد أن خسر أمه وقرابة المليار سنتيم حسب تصريحاته، اعترف بأنه نحى وسلك الطريق الخطأ وأنه كان بمكان إنقاذ أمه لو حدث وأن عرضها على أخصائي هذا إن علم بأنها مصابة بالسرطان (لكنه لم يكن يعلم) كان فقط يرى كباقي أقرانه بعين واحدة وهي الإسراع والهرولة نحو الراقي في أي نوع من مصاب أو وجع.

وأكيد أن هذه الظاهرة متفشية بقوة في المجتمع العربي ليس لأن غالبيته فقيرا، ولكن نظير الجهل المستبد وعدم وضع الأمور في سكتها الصحيحة، والذي للأسف لا توجد محاولات للخروج منه، وهو في الأصل نتيجة عدم السعي الحثيث وراء المعرفة الحقيقية بأصول الأشياء. وفي ذلك شقاء للناس كافة؟! لأن الوصول إلى الحقيقة لن يتم إلى بالمشي والمضي نحو العلم وهذا ما سبقتنا إليه الدول المتقدمة والتي لازلنا نتساءل لماذا تقدموا عنا ونحن تأخرنا؟! وقد صدق الرسول الأعظم محمد بن عبد الله حين قال:(من اتبع طريق العلم فقد اتبع طريق الحق) زيادة على قول الله تعالى:{هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}.

*شاعر وصحفي جزائري

عن المحرر

شاهد أيضاً

وثبة التحوُّل وعلاقتها بالخصوصية الحضارية/ د . إبراهيم نويري

هناك تيار عريض من الناس في أمتنا – بما فيهم الكثير من المثقفين – يقع …