الرئيسية | في رحاب الشريعة | النبأ اليقين عن نبوة وسيرة خاتم النبيين/ محمد مكركب

النبأ اليقين عن نبوة وسيرة خاتم النبيين/ محمد مكركب

البحث في القرآن وسائر المصادر الموثقة عن قصة حياة ورسالة ودعوة النبي محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام من أبواب المعرفة الهامة في الثقافة الدينية والفكرية والسياسية والتربوية، على أن يكون التأصيل من القرآن والتفصيل من الحديث، أما الروايات والحكايات بغير سند ولا دليل فهو مما لا يعتد به في البحوث والدراسات الفكرية فضلا عن القضايا الشرعية أو الفقهية.

بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[النور:51] مما هو فرض لازم على كل بني آدم منذ بعثة خاتَم النبيين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، أن يتبعوه ويُطيعوه، وأن يتبعوا القرآن ويعملوا بما جاء فيه. وهؤلاء هم المؤمنون حقا، الذين تدبروا القرآن لا كلام الناس، ووصلوا إلى نتيجة، هي ما أخبر الله عنه في قوله سبحانه ﴿رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ وكل هذه الضرورات (ضرورات الاتباع والاقتداء) تقتضي أن يعرف الناس سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، ليقتدوا به تمام الاقتداء، ويتأسوا به عاملين بسنته في الإيمان، والعبادة، والأخلاق، والجهاد، والسياسة والاقتصاد، والتربية والتعليم، ليكون التدين صحيحا والعبادة تامة. والمقصود من العنوان:( النبأ اليقين عن نبوة وسيرة خاتم النبيين) هو أن تُدْرس السيرة النبوية الحقة من القرآن والحديث بالتأصيل الوثيق والتفصيل الدقيق، لنجمع ونوفق بين معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتدبر القرآن والعمل به.

من اليتم والحرمان إلى المأوى والاطمئنان: قال الله تعالى:﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى﴾[سورة الضحى:6] هذا خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، ألم يجدك يا محمد صلى الله عليه وسلم، يتيما لا أبا لك، قد مات أبوك قبل أن تولد؟ فآواك،  أي جعل لك مأوى تأوي إليه عند عمك أبي طالب، فكفلك. والعبرة في هذا لمن يقرأ قصة الرسالة الخاتمة، يبدأ من البداية، بداية حياة النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا خبر بداية حياته أنه ولد يتيما، ويتدبر  كيف ولماذا عدد الله سبحانه مِنَنَهُ على نبيه محمد؟ لكي يتعلم الدارس للسيرة النبوية من هذا الخبر من القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الشرف والعزة والبطولة ليس بالوالدين، فهما من الأسباب والعوامل المساعدة، وإنما من الله بالعلم والإيمان والأخلاق والعمل، وبحسن التوكل على الله سبحانه عن يقين، يمكن لليتيم أو الفقير أن يكون ذا مكانة في المجتمع إذا عرف كيف يتعامل مع الكون والكتاب ويلزم طريق أولي الألباب.( ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلا إنما اليتيم هو الذي تلقى له أما تخلت أو أبا مشغولا). أجل ما ضاع يتيم في مجتمع المؤمنين ولكن ضاع آلاف الأولاد عندما تخلى الوالدان عن أولادهم.

واليتم يتمان: يتم فقد الوالد، حيث يبقى اليتيم وحيدا لا راعي له ولا ولي من نسبه، ويُتْمُ  التميز بالشرف والرفعة  كقول العرب: درة يتيمة، إذا لم يكن لها مثل. فمن المعاني المجازية للآية القرآنية: ألم يجدك الله يا محمد واحدا في شرفك متميزا لا نظير لك، فآواك بأصحاب كرام يحفظونك.آواه الله جل جلاله بأبي طالب، ثم اختار الله له زوجة صالحة نصرته ووقفت معه المواقف الكبيرة، ثم آواه بخيرة الحواريين من أصحابه بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، ما أجل وما أجمل هذه العناية الربانية بخاتم النبيين عليه الصلاة والسلام!!

من الغفلة والحيرة إلى نور العلم والحكمة:﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾[سورة الضحى:7] والضلال نوعان: 1 ـ ضلال خبري معلوماتي، كمن يضل الطريق، فيرشد إليه من قبل خبير به، أو يضل عن معلومة أو خبر فيهدى إليه من قبل عالم به. 2 ـ ضلال فكري إيماني، كمن هو زائغ في فكره وعقيدته، وهذا الضلال منه ما هو ضال لأن دعوة الرسالة لم تصله، ومنه ما هو ضال عن عناد واستكبار، وهذا هو الضلال المبين الذي يذم عليه صاحبه.

فقد كان عليه الصلاة والسلام متحيرا على أمته، ولم يكن يعلم من أمر النبوة، ولا ما يقوله لقومه ليرشدهم، فهداه الله إلى الطريق بأن علمه ما لم يكن يعلم، وهداه بما أوحى إليه هذا القرآن، قال الله تعالى:﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾[النساء: 113]

فكيف يهتدي المسلم برسول الله صلى الله عليه وسلم؟  ذلك عندما يقرأ في الكتاب هذه الآيات وغيرها أن الله تعالى هدى نبيه بالقرآن، حينها يعلم أن أصل الاهتداء بالقرآن. ﴿وكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[سورة الشورى:52] والروح هنا هو القرآن لأن به الحياة، حياة العقل والروح والفكر والإيمان.

من  الحاجة والافتقار إلى الغنى والقوة:﴿وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى﴾[الضحى:8] أغناه بمال خديجة وأصحابه، ثم فيما بعد بالأنفال والغنائم والفتوحات. والعبرة هنا لمن يريد أن يغنيه الله عليه أن يتبع خاتم النبيين، وكيف أغناه الله بعد أن كان عائلا فقيرا ضعيفا بمفهوم البشر؟ أولا أن النبي عليه الصلاة والسلام صبر وصابر، ثانيا رضي بما كتب الله له، ثم تعلم بما علمه الله سبحانه، واتبع ما أنزل الله سبحانه، وكان على خلق عظيم. هل يمكن لشعب ضعيف فقير محتاج أن ينهض ويتقدم؟ نعم. وإلا كيف يقرأ:﴿وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى﴾ ثم هو لا يتبع أسباب النهضة والتقدم والرخاء؟ تلك الأسباب التي بينت لك: العلم والإيمان والخلاق والعمل. إذن فالنعقد العزم على الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم. فبم أمره ربه في بداية الدعوة؟﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِر﴾ أمر الله رسوله أن يفعل ستة أمور ونهاه عن صفة، لو عملت الأمة كلها بهذه الستة أشياء لقامت وتقدمت ونهضت ولكن الأمة الحالية ما عملت وما أرادت أن تعمل حاليا!!!.

يا أيها المدثر أي: يا أيها النبي صلى الله عليه وسلم و (الْمُدَّثِّرُ) أصله المتدثر فقد أدغمت التاء في الدال وصار المعنى المتلفف بثيابه، وكان ذلك عند نزول الوحي عليه، (قُمْ فَأَنْذِرْ)  خوف الناس عاقبة المكذبين المفسدين وحذرهم المصير السيئ لمن أصر على ظلم نفسه، (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) عظم ربك بالتوحيد والعبادة والتهليل والتسبيح والاستغفار والتوكل عليه، (وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ). فطهر ثيابك من النجاسة، وتخلص من كل ما يدنس العرض والشرف، ومنه لزوم الطهارتين الحسية والمعنوية، ومنه النظافة المكانية بكل مقتضياتها، وطهارة القلوب بكل معانيها، ومنه تأديب الأولاد من الصغر على الطهارة ويظهر لبعضهم أمرا هينا يسيرا والحقيقة أن أبعاده عظيمة وجليلة.

قال الله تعالى:﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. واهجر الرجز من شرك الأوثان، ويطلق الرجز على المعاصي المؤدية إلى العذاب، ورجز الشيطان وسوسته، وفي الحديث [والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه] قال الله تعالى:﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾[الحج:30] قال تعالى:﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾. أي: لا تعط شيئا لتطلب أكثر منه، ولا تكن منانا بما تقوم به للناس، ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِر﴾ فاصبر على الطاعة واثبت عليها، وعلى ترك المعصية والْزَم اجتنابها. ماذا كانت النتيجة عندما قام فأنذر، وكبر ربه توحيدا وعبادة، وطهر ثيابه حسيا ومعنويا، واجتنب كل شرك ومعصية، وضحى بكل ما يستطيع في سبيل الله بغير مَنٍّ ولا طلب دنيا، ثم صبر واصطبر، كانت النتيجة أن الله شرح له صدره ورفع له ذكره﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (الشرح:1/4)  قال الله تعالى للنبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم:﴿وَرَفَعْنَا لَك ذِكْرك﴾ رفع الله له ذكره بِأَنْ يُذْكَر مَعَ ذِكْرِ الله فِي الْأَذَان وَالْإِقَامَة وَالتَّشَهُّد وَالْخُطْبَة. وليكون ركنا أساسا في شهادة الدخول في الدين ( أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله).

وضم الإله اسم النبي إلى اسمه * إذا قال في الخمس  المؤذن  أشهد

 وشق  له من  اسمه ليجله  * فذو  العرش محمود وهذا  محمد

نبي أتانا بعد يأس وفترة  * من الرسل والأوثان في الأرض تعبد

فأمسى سراجا مستنيرا وهاديا  * يلوح  كما لاح  الصقيل المهند

وأنذرنا نارا وبشر جنة *  وعلمنا الإسلام فالله نحمد 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

وثيقة الدستور وما يقتضيه التبيان في توثيق الأمور

الشيخ محمد مكركب أبران/ مما دأبت عليه المجتمعات وهو أساس، ومن ضروريات الحياة المجتمعية في …