الرئيسية | قضايا و آراء | وداعاً نوبل!/ لم يعد لنوبل أي نبالة بعد اليوم؟/ علي حليتيم

وداعاً نوبل!/ لم يعد لنوبل أي نبالة بعد اليوم؟/ علي حليتيم

كنا نفرق بالأمس -لأننا طيبون إلى حد الغباء – بين جائزة نوبل للسلام وبقية الجوائز، ونقول إن جائزة نوبل للسلام تفرضها موازين القوى الدولية ولذلك فهي تمنح لمجرمي الحرب الإسرائيليين (رابين وبيريز) وتمنح لصانعي الحروب في العالم (أوباما) وتمنح لبائعي الأوطان (السادات)..

وتحتل جائزة نوبل للأدب مكانة خاصة بين كل الجوائز نظرا للجمهور العريض جدا من المهتمين بخلاف الجوائز العلمية الأخرى المتخصصة..

وكنا نعزي أنفسنا من قبل عندما نفكر أن العرب لم ينالوا جائزة نوبل إلا مرة واحدة (عبر بوابة التطبيع) بأن الأدب العربي لم يبلغ العالمية، وغير ذلك من الهراء..

وكنا نكذب أنفسنا حين نقرأ لمن نال جوائز نوبل في الأدب (بلغته الأصلية، حتى لا يقال إن العيب في (الترجمة) من فرنسيين وأنجلوساكسون ونقول: لابد أننا نحن الذين عجزنا عن الفهم والتذوق، أو -حين نبلغ قمة المازوشية – أن اللغة العربية هي التي أفسدت ذوقنا إلى الأبد وأن العرب لا يمكن أبدا -وجوديا وتاريخيا ولغويا – أن يتذوقوا الرواية أو يفهموها..

وهاهي جائزة نوبل تسقط في وحل الإجرام مرة واحدة وها هو مجرم الحرب الكاتب النمساوي بيتر هانك Peter Handke يُمنح جائزة نوبل وهو الذي حرّض على مجازر البوسنة، وهو المعجب الكبير بمجرم الحرب سلوبودان ميلوسيفيتش، وهو الذي كان -ولا يزال – ينفي وجود الجرائم حتى أو وجود تطهير عرقي..

وعبّر رئيس كوسوفو هاشم تاسي Hashim Thaçi على تويتر عن عظيم ألم مسلمي البلقان بهذا التكريم المجاني للمجرمين قائلا: (‏أتذكر في التسعينيات من القرن الماضي، كان فاسلاف هافيل، وسوزان سونتاج، وكثيرون غيرهم يعرفون أن الشر في أوروبا يجب أن يتوقف. كان لتلك الإبادة الجماعية في البوسنة وكوسوفو مرتكبوها.اختار هانك Handke دعم والدفاع عن الجناة. قرار @NobelPrize جلبت الألم الهائل لضحايا لا حصر لهم.)..

وقال الوزير الأول الألباني إيدي راما Edi Rama :« لم أكن أتوقع أن تأتيني الرغبة في التقيؤ بسبب جائزة نوبل»، وأضاف:« بالنظر إلى الخيار المخزي للسلطة الأخلاقية التي تمثلها أكاديمية نوبل، فقد تم التوقيع على العار كقيمة جديدة. لا، يجب ألا نصبح غير حساسين للعنصرية والإبادة الجماعية»

وقال شفيق عضو الرئاسة الجماعية لجمهورية البوسنة والهرسك إن هذا القرار «فاضح ومخز»، وأضاف في بيان وزع على الصحافة:” من العار أن تتجاوز لجنة جائزة نوبل بهذه السهولة حقيقة أن هاندك برر تصرفات سلوبودان ميلوسيفيتش وأنه قام بحمايته هو وزملاؤه رادوفان كاراديتش وراتكو ملاديتش الذين أدينوا [من قبل العدالة الدولية] بأخطر جرائم الحرب ، بما في ذلك الإبادة الجماعية”، قائلاً إن اللجنة كانت “أخلاقياً فاقدة للبوصلة تمامًا”.

وبعثت من جهتها جمعية أمهات سريبرينيتسا برسالة عاجلة إلى لجنة جائزة نوبل تدعوها إلى سحب هذه الجائزة من مؤيد الإجرام في أقرب وقت.

لكن أوندرس أولسون Anders Olsson السكرتير الدائم لمؤسسة نوبل ردّ على كل هذه الانتقادات ببرودة قائلا: «هذه جائزة أدبية، وليست جائزة سياسية، وعلى أساس مهاراته الأدبية منحت له هذه الجائزة الأدبية. بيتر هاندك كاتب عظيم للغاية، وله عمل كبير جدًا وراءه، وهذا ما نكافئ» ناسيا أو متناسيا أن الكاتب المدفوع بهوس الدم والتربة Täuschung von Blut und Boden على حد قول أحد الكتاب قد سافر إلى صربيا سنة 1995 بعد مجازر سريبرينيتسا وكتب كتابا يدعو فيه إلى العدالة لصربيا التي إنما ردّت على الإثارة والتحدي حسب زعمه. وفي 2006 حضر هذا الكاتب بالذات جنازة سلوبودان ميلوزيفيتش وكتب كلاما قاسيا لا نؤلم قراءنا بنقله.

هل يمكن أن تمنح جائزة نوبل -ولو في الكيمياء أو الاقتصاد – لمن يندد بإسرائيل؟! وقالت بعض الصحف العالمية

(https://www.nouvelobs.com/bibliobs/20191010.OBS19606/peter-handke-le-prix-nobel-pour-un-trou-du-cul-pro-serbe.html) إن مؤسسة نوبل قد فجرت هذه القنبلة فقط لتجعل الناس ينسون كل الفضائح التي عصفت بها (الاختلاسات والاغتصاب).

وعلّق جوناثان ليتل Jonathan Littell على الموضوع قائلا (كما نقلته london review of books):« عندما تكون عائلة في المنزل في فوكا وفجأة اقتحم رجل المنزل بمدفع رشاش، وربط الفتاة بالمدفأة واغتصبها أمام عائلتها، فهذه ليست مزحة. حسنًا، يمكنك القول أن العالم مثل ذلك. لكن لا شيء يجبرك على الذهاب إلى هؤلاء المجرمين ومصافحة أيديهم. إنه فحش وهذا بالضبط ما فعله بيتر هانك. قد يكون فنانًا رائعًا، لكن كإنسان فهو عدوي. (…) حسنًا، لم يقتل بيتر هاند أي شخص، لكنه مقرف».

وعبّر الصرب من جهتهم بفرحتهم وفخرهم بمنح الجائزة لصديق للصرب، وقد كانوا من جهتهم توجوا هانك كمواطن شرفي لبلغراد سنة 2015.

وعبّرت مؤسسة PEN America الأدبية المشهورة عن كامل صدمتها بمنح جائزة نوبل لكاتب يميني متطرف مؤيد للإبادة الجماعية كما نقلت النيويورك تايمز في عددها ليوم 10 أكتوبر، فيما افتتحت CNN مقالتها ليوم 11 أكتوبر عن الموضوع بكلمة قالها هانك على لسان أحد شخصيات روايته: نحن الذين أوقفنا فظائع البرابرة الآسيويين عن الزحف نحوكم، ولولانا لكنتم اليوم تتناولون الطعام بأصابعكم!

لقد سقطت جائزة نوبل في عامين مرتين: سقطت أدبيا حين منحت الجائزة للموسيقي الأمريكي بوب ديلانBob Dylan في 2016، وسقطت أخلاقيا حين منحتها هذه المرة لقلم يكتب بدماء ضحايا سريبرينيتسا.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الجزائر: تحليل جيو حضاري للأحداث/ بقلم أحمد سريرات

 أدوات قراءة الحراك غير كافية لم يسبق أن عاش الجزائريون حالة استثنائية من الأمل العظيم …