الرئيسية | شعاع | مت فارغا !!/ د. حسن خليفة

مت فارغا !!/ د. حسن خليفة

 قد يصدمنا مثل هذا العنوان “مت فارغا “، وقد جاء بهذه الصيغة الآمرة المباشرة القويّة “مُت”، مع التباس كبير كون الأمر بالموت مقرونا بالفراغ.. “مت فارغا “!

ولكن حين التعمّق سنجد في ثناياه دلالات مهمّة، يمكن تأصيلها في المنظور القيمي، من خلال فكرة رائدة وعجيبة وبليغة ومفادها: وجوب أن يعطيّ كل إنسان رجلا كان أو امرأة، بله المسلم والمسلمة… أن يُعطيَّ  كل ما عنده ويستفرغ جهده في سبيل نفع الناس وإيصال الخير إليهم قبل موته، وأن يحرص على ذلك أشد الحرص.

ولعل في الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، والبخاري في الأدب المفرد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(( إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليفعل)).

…ذلك هو مضمون هذا الكتاب (مت فارغا) للمؤلف الأمريكي الشاب تود هنري، وقد صدر الكتاب للمرة الأولى في عام 2013، ثم طبع مرات بأكثر من لغة.

استلهم تود هنري فكرة كتابه أثناء حضوره اجتماع عمل، عندما سأل مدير أمريكي الحضور قائلا:

ما هي أغنى أرض في العالم؟ فأجابه أحدهم قائلاً: بلاد الخليج الغنية بالنفط.

وأضاف آخر: مناجم الألماس في إفريقيا.

فعقب المدير قائلاً: ليس ما سبق بل أغنى أرض هي المقابر.

نعم، إنها المقبرة هي أغنى أرض في العالم؛ لأن ملايين البشر رحلوا عنها “أي ماتوا” وهم يحملون الكثير من الأفكار القيّمة التي لم تخرج للنور ولم يستفد منها أحد.

ألهمت هذه الإجابة الكاتب الأمريكي  “تود هنري” لكتابة كتابه الرائع “مُت فارغاً” والذي بذل فيه قصارى جهده لتحفيز البشر بأن يفرّغوا ما لديهم من أفكار وطاقات كامنة في مجتمعاتهم وتحويلها إلى شيء ملموس قبل فوات الأوان، وأجمل ما قاله تود هنري في كتابه “لا تذهب إلى قبرك وأنت تحمل في داخلك أفضل ما لديك، اختر دائماً أن تموت فارغاً”!!

يقول الأستاذ محمد الطيارة (*):”وأنا -أيضاً- أعجبتني هذه  الفكرة وأحببت أن أجعلها مادة تحفيزية من جديد لمن لم يقرأ الكتاب، فإذا نظرنا إلى الفكرة في حد ذاتها فسنجدها من صميم الدين؛ حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“إِنْ قَامَتِ الساعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا” رواه البخاري وصححه الألباني.

تأمل أيها القارئ الكريم، حث النبي صلى الله عليه وسلم للأخذ بزمام المبادرة والسعي في إعمار الأرض حتى وإن قامت الساعة، وما أدراك ما الساعة!

وتتعانق أفكار الكاتب تود هنري مع ما قاله ابن الجوزي رحمه الله أيضاً، حين قال:”من أحب أن ﻻ ينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم”، والمتأمل لهذه الفكرة سيجدها منطقية للغاية؛ لأننا لا نعلم متى ينقضي الأجل، فكم من عالم استوفى أجله ولم يترك للبشرية سوى القليل الذي لا يكاد يُذكر؟

وكم من مُعلّم بخل بعلمه على تلاميذه ورحل دون ترك أثر؟ وكم من طبيب بخل بطبه عن مرضاه ومات منهم من مات دون أن يجدوا دواء لعللهم وأمراضهم؟

وكم من مثقف بَخل بثقافته عن محيطه الاجتماعي وترك الجهل من حوله يستشري؟ وكم؟ وكم؟ وكم؟

إن الفكرة ـ في الأصل ـ  قديمة متجددة وليست اختراعاً جديداً، ولكنها تحتاج إلى ترويج وجهد وعمل، تحتاج إلى لفت انتباه الناس إلى مضمون “مُت فارغاً، كما نحتاج نحن جميعاً لتعزيز مفهوم المسؤولية المجتمعية في نفوسنا قبل عقولنا، فلم يأتِنا العلم كي يتوقف عندنا، ولكن يجب تمريره لمن هم آتون بعدنا، فلنكن جسوراً يعبر من خلالها العلم (والخير) لمن يخلفنا على هذا الكوكب وإلا فكيف وصل إلينا علم من قبلنا؟

الدعوة هنا مفتوحة للجميع، ولا مجال للتقاعس، فبدلاً من أن نلعن الظلام الذي يلفُّنا منذ عقود فليشعل كلّ منّا شمعة في محيطه، وليبدأ هو بالتغيير ما استطاع إليه سبيلاً. ولا أجد عذراً لشخص ادخر علماً أو فكرا أو جهدا كان من الممكن أن يزحزح ركام الجهل والتخلف عن صدورنا.

فلتبادر الآن وانشر شيئاً مفيداً على صفحة الفيسبوك الخاصة بك، أو على حسابك في أي من وسائل التواصل الاجتماعي المستخدمة في السخافة والاستظراف واستعراض الهراء البشري.

تخيل معي لو أن كل شخص منا شارك بمعلومة مفيدة عن عمله أو كتاب اطلع عليه أو خبرة حياتية اكتسبها أو غير ذلك مما يمكن تداوله بين بني البشر، تخيل كم الفائدة التي يمكن أن نجنيها أنا وأنت من المرور على معرفة حقيقية وخبرات عملية لدى الآخرين، ألا يمكن أن تكون هذه بداية الانتقال من حضيض التخلف إلى فضاء التقدم؟

ألا أدلك على بعض مما يمكن أن تقدمه بدلاً من وقوفك ساكناً دون أدنى فائدة:

  • شارك في عمل تطوعي.
  • انشر محتوى كتاب.
  • أسس أو شارك في نادي قراءة.
  • علّم غيرك لغة جديدة.
  • ثقف غيرك.
  • شارك خبراتك العملية مع الآخرين.
  • ازرع شجرةً.
  • انصح شخصاً.
  • نظف ما حولك.
  • ساعد محتاجاً.
  • تصدّق ولو بالقليل.
  • اكفل يتيماً…والقائمة تطول، فلتصنع أنت قائمتك بنفسك، ولتُحدث فرقاً.

قلت: وأخيرا أليس هذا هو صميم صميم الدين الذي ننتمي إليه أن نسلّم الخير الذي في دواخلنا قبل أن نموت “وأن من صنع معروفا في نفس {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32].

أليس معيار الفضل هو “أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس ” خرَّجه الطبراني بإسنادٍ حسن.

إذن “مت فارغا” …الحياة رحلة قصيرة، فاجعلها رحلة مفيدة، وقدّم ما عندك، بل قدّم أفضل ما عندك.

 

(*)محمد الطيارة (موقع)

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

“الربيئة “…مكسب معرفي رائد لجمعية العلماء وللوطن

  بقلم: حسن خليفة   بدت ـ وربّما ما تزال تبدو ـ لفظة “الربيئة ” …