الرئيسية | حوار | الباحث في الآثار الإسلامية ومدير المركز الجامعي بتسمسيلت، الدكتور عبد القادر دحدوح في حوار مع جريدة البصائر/ حاورته: فاطمة طاهي

الباحث في الآثار الإسلامية ومدير المركز الجامعي بتسمسيلت، الدكتور عبد القادر دحدوح في حوار مع جريدة البصائر/ حاورته: فاطمة طاهي

 

  • المعالم الحضارية الاسلامية من النظرة التقليدية إلى كنز يُستثمر فيه للتنمية الاقتصادية والسياحية.
  • “ينبغي تسطير سياسة تحدد فيها استراتيجية من الأول لتثمين واستغلال المعلم أو الموقع الأثري اقتصاديا”.

تحدث الدكتور عبد القادر دحدوح في حوار خص به جريدة البصائر الجزائرية عن أهمية المعالم التي ورثتها الجزائر من مختلف الحضارات التي تعاقبت عليها، وعن قيمتها العلمية والدينية والثقافية، ودورها في تعزيز الانتماء الثقافي للجزائريين، ومكانة هذه الشواهد الحضارية في الجزائر ومكانتها أيضا دوليا وعالميا. ومن أجل النهوض بالإرث الإسلامي الجزائري أشار الباحث في الآثار إلى ضرورة انتهاج سياسة متكاملة لا تقف فقط مع عمليات الترميم والتنقيب إنما تمضي من أجل استغلال مختلف هذه المعالم الحضارية في المجال السياحي والاقتصادي.

س1: في البداية لو تقدم لنا نبذة عن شخصكم الكريم؟

  • الأستاذ الدكتور عبد القادر دحدوح أستاذ علم الآثار تخصص الآثار الإسلامية، مدير المركز الجامعي تيسمسيلت، باحث ومؤلف لثمانية كتب في التاريخ والآثار بالجزائر، وناشر لما يزيد عن 30 مقالا في مجلات ودوريات وطنية ودولية، وشاركت في أكثر من 50 ملتقى ومؤتمرا وطنيا ودوليا، اشتغلت كرئيس للدائرة الأثرية لولايات: تيارت، تيسمسيلت، سعيدة والبيض، ثم أستاذا بجامعة منتوري قسنطينة، قبل أن أنتقل إلى المركز الجامعي تيبازة، وحاليا عينت على رأس إدارة المركز الجامعي تيسمسيلت منذ شهر جويلية 2017 إلى يومنا هذا.

س2: باعتباركم باحثا في علم الآثار وتخصصتم في الآثار الإسلامية، كما لكم العديد من المؤلفات في هذا الشأن، حدثنا عن التراث والآثار الإسلامية التي تزخر بها الجزائر والتي ورثتها من مختلف الحضارات التي تعاقبت عليها؟

  • تزخر الجزائر بتراث أثري كبير يرجع إلى مختلف الحقب التاريخية بداية من عصور ما قبل التاريخ مرورا بالعصور القديمة ووصولا إلى العصور الإسلامية وإلى هذه الفترة الأخيرة ترجع الكثير من المعالم والمواقع الأثرية، على غرار جامع أبي المهاجر دينار بمدينة ميلة، ومدينة تيهرت الرستمية، ومدينة أشير، وقلعة بني حماد، وجامع سيدي أبي مروان بعنابة، وبقايا مدينة طبنة، وتهودة، وباديس، وبلزمة، وبغاي، ومعالم أثرية بتلمسان، وقصبة الجزائر، ومعسكر، ووهران، ومستغانم، ومليانة، والمدية، والبليدة، والقليعة، وبجاية، وميلة، وقسنطينة، وعنابة، فضلا عن القصور الصحراوية التي تزخر بها الصحراء الجزائرية، وهي تغطي مختلف الدول التي تعاقبت على الجزائر بداية من عهد الفتوحات الإسلامية إلى الرستميين فالزيريين ثم الحماديين والمرابطين ومن بعدهم الزيانيين والمرينيين والحفصيين وصولا إلى العثمانيين.

س3 : ما هي مكانة هذا التراث الإسلامي الجزائري وطنيا ودوليا وعالميا؟

  • يشكل التراث الإسلامي القسط الكبير من التراث الأثري الجزائري بصفة عامة، فهو يتوزع على مختلف أرجاء الجزائر من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، ويغطي معظم الفترات الإسلامية، أما بالنسبة لقيمته الدولية والعالمية، فالجزائر تضم 07 مواقع أثرية مصنفة ضمن التراث العالمي، منها قلعة بني حماد، وقصبة مدينة الجزائر، وقصور وادي ميزاب، وهي تحتل مكانة بين التراث العالمي بتميزها المعماري والفني ورمزيتها التاريخية.

س4: أيضا دكتور للتراث الإسلامي قيمة علمية وثقافية ودينية؟

  • للتراث الأثري الإسلامي قيمة معرفية كبيرة، فهو يشهد على حضارة كبيرة خلفت الكثير من المنشآت الأثرية الدينية والمدنية والعسكرية، الدينية بما فيها المساجد والمدارس والزوايا والأضرحة، والمدنية بما فيها الدور والقصور والفنادق والحمامات والورشات الحرفية وغيرها من المرافق العامة، والعمارة العسكرية بما تشمله من قلاع وحصون وأسوار وأبراج، وإلى جانب المنشآت الأثرية، تزخر الجزائر بتنوع كبير في التحف الفنية المنقولة التي تتوزع على المتاحف الوطنية والجهوية المنتشرة عبر التراب الوطني، والتي تتنوع بين تحف فخارية وخزفية، وأخرى معدنية أو زجاجية، وغيرها تحف خشبية، ونسيجية، ورخامية، وغيرها. إن هذا التراث بمختلف أشكاله وأنواعه يشهد على مدى العطاء الحضاري والإبداع المعماري والفني الذي تميز به الجزائريون خلال العصور الإسلامية، واستطاعوا من خلاله تقديم لمسة فنية تركوا بها بصمة في سجل الإبداع الحضاري العالمي، حيث خلال الفترة الإسلامية يرجع الفضل إلى الجزائر في ابتكار عدة عناصر معمارية وفنية متميزة عما عرفه العالم الإسلامي آنذاك وهو ما يعطيها قيمة أثرية ومعرفية عالمية.

س5: أكيد لتراثنا من خلال كل هذه المعالم دور في تعزيز الانتماء الثقافي الإسلامي؟

  • للتراث الأثري الإسلامي دور كبير في تعزيز الانتماء الثقافي الإسلامي للجزائريين، حيث لعبت المساجد والمدارس والزوايا الأثرية التي ترجع أصول نشأتها إلى فترات موغلة في الحضارة الإسلامية، دورا كبير في تعليم مبادئ الدين الإسلامي، وتحفيظ القرآن الكريم، وغرس الثقافة الإسلامية في نفوس الجزائريين صغارا وكبارا، سواء من خلال الدروس والحلقات العلمية التي تعقد بالمدارس والزوايا والمدارس، أو من خلال خطب الجمعة والأعياد والمناسبات التي يحضرها عامة الناس، ونفس الأمر بالنسبة للمسكن التقليدي الذي ورثه الجزائريون وبقوا متمسكين به إلى ما قبل العولمة المعمارية التي بدأت مع عصر الاستعمار الغربي للبلدان العربية والإسلامية، حيث كانت عمارة المسكن الإسلامي تستجيب لثقافة وأعراف المجتمعات الإسلامية القائمة على الحياء وصون كرامة المرأة وحفظ أسرار الأسر والعائلات، ولذا نجد أهم ميزة فيه الانغلاق على الخارج والانفتاح على الداخل، حيث تقل الفتحات والنوافذ في المسكن الإسلامي المطلة على الخارج، وتكثر وتتسع منها المنفتحة على صحن أو فناء البيت، فضلا عن عدم تقابل فتحات أبواب المسكن الإسلامي على بعضها البعض في الشارع وانكسارها يمينا وشمالا منعا لتطفل المارة على النظر إلى داخل المسكن وكشف عورة أهله، وإن هذا التخطيط المعماري للمسكن الإسلامي من دون شك كان يجسد تعاليم الدين الإسلامي وثقافته ماديا وميدانيا ويرسخها في أذهان مجتمعاتنا التي بقيت محافظة عليه إلى أن حل الاستعمار الفرنسي الذي قام وبكل أسف شديد بمسخ مكونات المسكن الإسلامي من ثقافتنا لتحل محلها ثقافة غربية تقوم على بناء تنكشف فيه عورة الأسر والعائلات، فتكون مطية لحلول مختلف الشرور والمنكرات التي كانت سببا في تحلل وتفكك العائلة أولا ثم الأسرة ثانيا، وهكذا بدل أن تعيش المجتمعات الإسلامية في شكل أمة مجتمعة تراها تعيش أفرادا مشتتين تحكمهم روابط أوهن من خيوط العنكبوت.

س6: لا يمكننا الحديث عن الحضارات التي تعاقبت على مدينة الجزائر من دون أن نذكر الحضارة العثمانية، هذه الحضارة التي تركت للجزائر إرثا حضاريا إسلاميا، أليس كذلك دكتور؟

  • فعلا يشكل التراث الأثري العثماني بالجزائر جزءا مهما، ولعل معظم المعالم والمدن الأثرية الإسلامية التي لا تزال ماثلة إلى يومنا هذا بالجزائر ترجع إلى الفترة العثمانية، ولا أدل على ذلك من قصبة مدينة الجزائر وما تزخر به من مساجد أثرية وقصور ودور وقلعة الداي وحمامات وغيرها، ونفس الأمر بالنسبة لمدينة قسنطينة التي يشكل التراث العثماني فيها النسبة الكبيرة من مساجد على غرار جامع سوق الغزل وجامع سيدي الكتاني والجامع الأخضر ومدرسة سيدي الكتاني، وزاوية سيدي عبد الرحمن باش تارزي وقصر أحمد باي وغيرها من المعالم الأثرية العديدة والمتنوعة، وغيرها من المدن الأثرية على غرار مدينة ميلة وعنابة، ووهران، ومعسكر وغيرها، إن هذا التراث وإن كان بني في الحقيقة خلال الفترة العثمانية إلا أنه في الحقيقة بني بسواعد جزائرية امتزجت فيه اللمسة المعمارية والفنية العثمانية التركية والجزائرية بطرازها المغربي الأندلسي الذي تشكلت أساساته منذ بناء جامع عقبة بن نافع بالقيروان وجامع قلعة بني حماد وغيره، وعلى الرغم من أن هذا التراث بني في جزء منه محاكيا لتقاليد معمارية وفنية عثمانية تركية إلا أنه في واقع الأمر لم يرق إليه بتاتا، وهو الأمر تقريبا ذاته الذي عاشته معظم الولايات العربية والإسلامية التي كانت تعيش تحت مظلة الخلافة العثمانية إلا في حالات نادرة جدا، وهو أمر طبيعي لكون الحضارة دائما تهتم بمركزها الأساسي وتهمل الأطراف إلى حد ما، فتجلب أشهر العلماء، وأمهر الحرفيين والصناع، فتفرغ الولايات منهم ولا يبق لها من الحظ غير متوسطي العلم والحال، وبذلك تتدحرج فيها العلوم والفنون، وهذا ما لمسنا له أثرا جليا في واقع الولايات العربية والإسلامية التي كانت تعيش تحت حكم العثمانيين.

س7: حدثنا عن واقع وحال هذا التراث اليوم في الجزائر؟

  • شهد التراث الأثري بالجزائر اهتماما كبيرا منذ الاستقلال، وهو في شكل منحنى بياني متصاعد، حيث تم ترميم العديد من المعالم الأثرية، وتهيئة الكثير من المواقع الأثرية، وبناء العديد من المتاحف الوطنية والجهوية، وفتح تخصصات علم الآثار والتراث والفنون في أغلب الجامعات الجزائرية، وهذه في الحقيقة كلها مؤشرات تدل على أن الدولة الجزائرية تولي اهتماما بالغا بصيانة وترميم التراث الأثري والحفاظ عليه من الاندثار والزوال ليبقى شاهدا أمام الأجيال القادمة على تاريخنا العريق، وأصولنا المشتركة، وهدفنا الواحد ألا وهو الحفاظ على وحدة الجزائر، والحفاظ على حريتها واستقلالها، ومن دون شك هذه النظرة لا تغيب على القائمين في الدولة فهم يدركون هذا جيدا، ويدركون بأن التراث الأثري هو الشاهد المادي لتاريخنا، وأن التاريخ هو ذاكرة الشعوب، و«من لا ماضي له لا حاضر له، ومن لا حاضر له لا مستقبل له»، و«لا جامعة لقوم لا لسان لهم، ولا لسان لقوم لا آداب لهم، ولا عزة لقوم لا تاريخ لهم، ولا تاريخ لقوم إذا لم يقم منهم أساطين تحمي وتحيي آثار رجال تاريخها فتعمل عملهم وتنسج على منوالهم»، و«إنه لا يتصور على وجه الكرة وجود أمة تشعر بذاتها، وتعرف نفسها قائمة بنفسها إلا إذا كانت حافظة لتاريخها، واعية لماضيا، متذكرة لأولياتها ومبادئها، مقيدة لوقائعها، مسلسلة لأنسابها، خازنة لآدابها مما لا يقوم به إلا علم التاريخ الذي هو الوصل بين الماضي والمستقبل، والرابط بين الآنف والمستأنف»، وأنه «لا مراء في أن التاريخ هو أكبر عامل على الروح الوطنية حتى ليصح القول بأن الوطن هو تاريخ الوطن».

ومن دون شك أيضا أنهم يدركون بأن «الأمة التي يستهين أبناؤها بماضيها، ويزهدون في أخبارها، لا يؤمن حاضرها من استخفافهم، ولا تصان كرامتها من استهتارهم، كما لا تسلم نفوسهم من الهوان، إذ لا مناعة لعصبيتهم القومية، ولا عصبية لعزتهم الوطنية، إن حياة الأمة هي سلسلة متصلة ووحدة لا تتجزأ، فمن لا يعتز بماضيها، لا يصلح أن يرعى زمام حاضرها».

إن هذه المعاني من دون شك كلها يدركها القائمون على القطاع بصفة خاصة، ورجال الدولة بصفة عامة، وما أشغال الترميم والصيانة والبحث والتنقيب والتكوين والتعليم والتدريب في مجال التراث الأثري إلا دليل قاطع على مدى اهتمام الدولة وإدراكها للمعاني المذكورة، وتبقى عملية الترميم تتطلب أموالا طائلة ولا تكفي الميزانية المخصصة لترميم كل المعالم الأثرية عبر التراب الوطني على كثرتها، ولكن تبقى العملية تسير وفق الأولويات، وأهمية كل معلم وحالته، إلى أن تعم جميع المعالم.

س8: كيف يمكن النهوض والاستثمار في هذا الموروث الثقافي الجزائري؟

  • للنهوض بالتراث الأثري الجزائري ينبغي تبني سياسة متكاملة ونظرة شاملة، لا تقتصر فقط على مشاريع مجزأة بما تشمله من عمليات ترميم أو تنقيب أو تكوين، حيث ينبغي تسطير سياسة تحدد فيها استراتيجية من الأول لتثمين واستغلال المعلم أو الموقع الأثري اقتصاديا، فتشمل السياسة التنقيب لتعقبها مرحلة التهيئة والتثمين ليصبح موقعا للجذب السياحي يدر أموالا لخزينة الدولة، وهكذا ننتقل من نظرتنا للتراث الأثري على أنه كنز ينبغي المحافظة عليه من الضياع إلى كنز نستثمر فيه ليدر أموالا تصبح بدورها عاملا على المحافظة على المعلم والقائمين عليه وموردا إضافيا لخزينة الدولة، دون أن نتكلم عن العملة الصعبة التي يمكن أن تجنيها الدولة من العملية، ومناصب الشغل التي ستخلق من جراء استقبال السياح سواء في المجال الخدماتي أو غيرها من المجالات، وهي الاستراتيجية التي في الحقيقة نستشفها من السياسة المتبعة في الدول التي يقوم مدخولها على جانب كبير من السياحة بصفة عامة والسياحة الثقافية بصفة خاصة، وفي هذا الجانب لا زلنا صراحة بعيدين كل البعد عن الاستثمار الحقيقي في التراث الثقافي الأثري، لا زالت نظرتنا قاصرة عما هو موجود في دول أخرى على غرار الدول التي تزخر بتراث أثري عالمي مثل اليونان وتركيا ومصر والأردن وغيرها، حيث تفرض رسوما على السياح الأجانب بالعملة الصعبة، وتفرض رسوما على التصوير السينمائي وإقامة المعارض ومحلات التصوير التقليدي، وبيع الحرف والمصنوعات التقليدية ونشر وبيع الكتب والصور التي تعرف بتراثنا للزوار في المواقع والمعالم والمتاحف الأثرية، وغيرها من آليات الاستثمار، وهي النظرة التي من دون شك ستحدث نقلة نوعية في النهوض بتراثنا الأثري والاستثمار فيه، والانتقال به من كونه يشكل عبئا ثقيلا على ميزانية الدولة إلى مورد هام من موارد الخزينة العمومية.

شكرا لكم دكتور على هذا الحوار الثري، كلمة ختامية لقراء جريدة البصائر؟

  • في آخر هذا الحوار أقدم تشكراتي الخالصة لجريدة البصائر التي فتحت صفحاتها لنا وتنشر هذا الحوار الذي نهدف من خلاله إلى التعريف بما تزخر به بلادنا من تراث أثري والدور الذي لعبه في الحفاظ على مقوماتنا وهويتنا، وما تبذله الدولة من جهود لصيانته وترميمه وما يتطلبه من إجراءات وآليات للنهوض به.

عن المحرر

شاهد أيضاً

حوار مع الكاتب الجزائري الدكتور عبد الملك مرتاض أجرى الحوار: د. يوسف وغليسي *

قدّمتُ لمجتمعي وأمتي أفضل ما عندي … ولكن وزارة الثقافة ـ إلى اليوم ـ لم …