الرئيسية | في رحاب الشريعة | الإسلام…ورعايـــة المسنيــن / يوسف جمعة سلامة

الإسلام…ورعايـــة المسنيــن / يوسف جمعة سلامة

تمر بنا في هذه الأيام  ذكرى اليوم الدولي للمسنين، والتي تأتي في الأول من شهر أكتوبر من كل عام ، ونحن في كل مناسبة نبين وجهة نظر الإسلام كي يكون المؤمن على بينة من أمره.

إن ديننا الإسلامي الحنيف بتشريعاته الكريمة كان أول نظام اجتماعي عادل، نَسَّقَ بين معاني الرعاية العاطفية ومظاهر العدالة الاجتماعية الحقيقية في تكريم المسنين وبيان حقوقهم، وضرورة مساعدتهم في ممارسة نشاطاتهم في جميع الميادين على أكمل وجه، انطلاقاً من مبدأ تكريم الإسلام للإنسان، سواء كان طفلاً  أو شاباً أو كهلاً أو شيخاً، ذكراً كان أو أنثى، لقوله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}.

ومن المعلوم أن مرحلة الشيخوخة مرحلة طبيعية من مراحل حياة الإنسان، حيث أشار القرآن الكريم إليها في قوله تعالى:{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}.

الإسلام يحثُّ على تكريم المسنين

إن ديننا الإسلامي الحنيف يرعى المسنين حقّ الرعاية، ويحثُّ على احترامهم وتكريمهم وتوقيرهم، حيث جاءت الأحاديث النبوية الشريفة تؤكد على عدة معانٍ تدعو جميعها إلى ذلك، كما جاء في قوله -صلى الله عليه وسلم- 🙁 مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ، إِلا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ)،  وقوله – صلى الله عليه وسلم -:( لَيْسَ مِنا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا)، وقوله – صلى الله عليه وسلم – أيضاً:)  إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ...).

ومن الجدير بالذكر أن ديننا الإسلامي الحنيف قد أرسى القواعد الأساسية لبناء المجتمع السليم، ومن هذه القواعد رعاية المسنين وكبار السن، حيث دعانا للاهتمام بهم والعطف عليهم ورعايتهم في كل وقت وفي كل حين؛ لأن الإنسان إذا بلغ من الكبر عِتِيًّا ضَعُفَ واحتاج إلى غيره، وقد عَبّر عن ذلك القرآن الكريم كما جاء في قوله سبحانه وتعالى على لسان نبي الله زكريا- عليه الصلاة والسلام-:{قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا}، كما وضع ديننا الإسلامي الحنيف قبل خمسة عشر قرناً من الزمان دستوراً عظيماً لرعاية المسنين، سواء كان المُسِنُّ أباً أو أماً أو أخاً أو صديقاً أو جاراً … حيث أوصانا الله سبحانه وتعالى بكل هؤلاء خيراً .

رعايـة المسنين واجب إنساني

إن منهج رعاية المسنين في ديننا الإسلامي الحنيف ينطلق من منطلق إنساني سامٍ بعيدًا عن التمييز بين فئات المسنين على أساس الجنس أو اللون أو الدين، فالإسلام لا يقرر قواعد الرعاية للمسنين من منطلق عنصري أو عرقي كما هو الحال في بعض دول العالم “المتحضر” في الوقت الراهن ، وليس أدل على ذلك ممَّا ذكرته كتب السيرة،  أن أمير المؤمنين – عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- ، رأى شيخاً متوكئاً على عصاه وهو يسأل الناس، فسأل عنه، فقيل: إنه كتابي، وفي رواية – نصراني-فقال :” خذوا هذا وضرباءه إلى بيت المال، فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته وتركناه عند شيبه“.

فالإسلام مبني منذ البداية على تكريم المسن ورعاية حقوقه ومن تكريم الإسلام له طاعته وتنفيذ أوامره ما لم تكن مخالفة للشرع لقوله عليه الصلاة والسلام:” لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق“، فإذا رأيت إنساناً ضعيفاً يحتاج إلى مساعدة فساعده، وإذا شاهدتَ مكفوفاً فخذ بيده إلى الطريق وأرشده إلى موضعه، وابتعدْ به عن مواطن الخطر، وإذا كنتَ في سيارة عامة ورأيتَ رجلاً مسناً أو امرأة كبيرة واقفة فَقُمْ وأجلسها مكانك، فهذا من نوع الاحترام والتقدير فكما تَدين تُدان ، حتى في كلامك مع المسنين يجب أن تكون مؤدباً ، فقد روي أنه لما جاء الوليد بن عتبة ليفاوض الرسول-صلى الله عليه وسلم – وأخذ يعرض عليه العروض لعله يتنازل عن دعوته، فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم-: هل انتهيتَ يا عم؟ احتراماً لكبر سنه فقد كَرَّم شيخوخته رغم أنه كافر.

وجوب رعاية المسنين

لقد أوجب ديننا الإسلامي الحنيف على الأبناء احترام آبائهم وأمهاتهم، وأن يسهروا على راحتهم وأن يتولوا خدمتهم وتنفيذ طلباتهم وأن يدعوا الله لهم بالرحمة والمغفرة، وذلك جزاءً لهما على ما قَدَّموه لهم من خيرٍ ومساعدة في ضعفهم وطفولتهم، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}، فالأسرة هي الوسط الطبيعي الذي يُحقق الرعاية الإنسانية الصحيحة للمسنين بالصورة التي تُحددها لنا مبادئ ديننا الإسلامي الحنيف .

إن الواجب علينا جميعاً أن نتعاون في مساعدة المسنين الفقراء الذين لا عائل لهم وأن نقوم بإنشاء  دور للمسنين لهم،  وتزويدها بكل الوسائل التي تضمن لهم سُبُلَ الرعاية والراحة الصحية والاجتماعية والنفسية ، كما يجب الاستفادة من خبراتهم العلمية والعملية وتجاربهم الحياتية، وإنه لشيء جميل أن نرى في بلادنا  المباركة فلسطين، وغيرها من البلاد العربية والإسلامية عدة مؤسسات تهتم بالمسنين.

ولعل الله يوفقنا جميعاً كي  نصل إلى ما يرضيه من إكرام الوالدين والمسنين ورعايتهم ؛ لنردّ لهم بعض ما أعطوه لنا ولمجتمعنا في كل قطاع ومجال ،فما زال حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتردَّد على مسامعنا:( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا).

بِرُّوا آبَاءَكُمْ تَبَرَّكُمْ أَبْنَاؤُكُمْ 

لقد تعرض القرآن الكريم  لِلْكِبَرِ في السنّ في آيات كثيرة، ولنا في قوله سبحانه وتعالى كل العظة والعبرة والنصح عندما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم موجهاً القول للأبناء:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا}.

أخي القارئ: كما تزرع تحصد، وكما تَدين تُدان، فمن يزرع المعروف يحصد الخير، ومن يزرع الشر يحصد الندامة، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، وهل عاقبة الإساءة إلا الخسران؟ فهناك أبواب كثيرة للخير مع والديك في الدنيا من حُسْن المعاشرة والبر والإحسان، وتلبية رغباتهم، والسهر على راحتهم، فكم سهرا على راحتك، وقدَّما المال للإنفاق عليك، وأَرشداك لما فيه الخير لك
في الدنيا والآخرة؛ لذلك فقد جعل  رسولنا – صلى الله عليه وسلم – طاعتهما وبرهما وخدمتهما كالجهاد في سبيل الله، ولن يستطيع الأبناء مجازاة الوالدين على ما قَدَّموا لهم من عطف ورعاية وتربية وعناية إلا أن يجدَ الولدُ الوالدَ مملوكاً فيشتريه فيعتقه، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله  – صلى الله عليه وسلم- 🙁 لا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا إِلاَّ أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ)، ومن المعلوم أنك ستصبح مثلهما غداً، لذلك فأنتَ بحاجة إلى أبناء صالحين يخدمونك ويسهرون على راحتك، ولا يكون ذلك إلا إذا قَدَّمتَ لوالديك الطيبات والصالحات، فكما تَدين تُدان، وبروا آباءكم تبركم أبناؤكم.

لذلك يجب على المسلم أن يكون بارًّا بوالديه مطيعاً لهما محسناً إليهما داعياً لهما، حتى يرزقه  الله سبحانه وتعالى أولاداً صالحين بارِّين به مطيعين له محسنين إليه، لقوله – صلى الله عليه وسلم –:( بِرُّوا آبَاءَكُمْ تَبَرَّكُمْ أَبْنَاؤُكُمْ، وَعِفُّوا تَعِفَّ نِسَاؤُكُمْ).

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الوحدة الإسلامية..فريضة شرعية وضرورة وطنية / د. يوسف جمعة سلامة

  يقول الله تعالي في كتابه الكريم:{وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ …