الرئيسية | المرأة و الأسرة | أنت لا تنــــــزل النــــــــــــهر مرتيــــــــــــــن…/ آمال السائحي

أنت لا تنــــــزل النــــــــــــهر مرتيــــــــــــــن…/ آمال السائحي

إن الذي يتأمل في الحياة ويتدبر في شؤونها يستوقفه منها على وجه الخصوص ما يطرأ على الإنسان من تغير وتبدل قد يتحول به أحيانا من النقيض إلى النقيض، كأن يتحول به من الشدة إلى اللطف، أو ينقله من الرقة إلى العنف، فيندهش لذلك ويستعظمه منه، فكل شيء في حالة تبدّل وتغيّر مستمر.. بما فيها نظرتنا للأمور وتوجّهاتها، حتى في أبسط الأمور في حياتنا مما نأكله وما نلبسه، فلا شيء ثابت، وحتى إن ثبت ذلك فإنه مرهون بمدة زمنية، أو بمعلومة معينة، أو بانتماء معين.

فالوضع الاجتماعي، والسياسي، والثقافي، والاقتصادي، يضع بصمته على الإنسان في التغيير من فكرة إلى أخرى،  فالفكرة التي كنت تؤمن بها في العشرينيات، قد لا تكون الفكرة التي أنت تؤمن بها اليوم، أو حتى اللون الذي اعتدت عليه اليوم لا تريده غدا وهكذا، كتلك الفصول الأربع التي تأتي من حال إلى حال آخر فأنت مجبر أن تلبس المعطف في الشتاء، وأن لا تستسيغه في الصيف، وهكذا.

عاش الفيلسوف اليوناني، في فترة ما قبل سقراط، (Pre-Socratic)  صاحب نظرية التغيّر الدائم ومن هنا جاءت هذه الجملة الشهيرة نسبة للنظرية (إنك لا تضع قدمك في النهر مرتين) وقد عنى الفيلسوف اليوناني بأن النهر متغير متحرك عندما تضع قدمك المرة القادمة لن تكون نفس المياه ولا أنت نفس الشخص، وهي عبارة بنيت عليها حضارة بكاملها كما يشير الفيلسوف العربي زكي نجيب محفوظ في أحد مؤلفاته، ويقصد بها حضارة الغرب. حضارة التغيير، وما حملته من إنجازات، وما ستجيء به للبشرية من إنجازات هائلة وغير متوقعه في الصناعة والتقنية الدقيقة والطب والاتصالات ….الخ . تلك الحضارة التي نقف أمامها اليوم فى صدمة وذهول. وهرقليطس هو أيضاً من قال:( أن أملك فكرة أغير بها شيئاً خير عندي من كنوز العالم) .

وقد أحسن الفيلسوف الانجليزي ميل الوصف حين قال: لو أن نملة وقفت على حجرٍ أسود كبير، في بناءٍ كبير، ولم تبرح هذا الحجر، فإنها سترى كل شيء أسود، وستظن أن هذه هي طبيعة الأحجار، ولو أن نملة أخرى وقفت على حجرٍ أبيض لرأت أن اللون الطبيعي للأحجار هو اللون الأبيض، وهذه على حق نسبي وتلك على حق نسبي، بينما البناء يكون متكونا من أحجار عدة ومن ألوان عدة، ومنها قد نستنبط الفكرة وتكون هاته الألوان كلها حققت انسجاما وتعطينا لوحة فنية جميلة مبهرة فالأصل فينا هو الاختلاف البناء وليس اختلاف الهدم والعصبية …
فالنظرية النسبية تقول:” كل شيء يجب أن يكون له إطار، والإطار ثابت، وبسبب هذا الثبات، نستطيع أن نحسب الحركة، كل إنسان لديه نظرته في الحياة من خلال فكرة ناضجة يطرحها، أو من خلال نص فقهي، أو في إطار ذوق يتمثل في لوحة فنية وهكذا، أو من خلال برنامج للتنمية البشرية..

ففي الاختلاف يتحدث كل منا عن شخصيته التي صقلتها التربية منذ الصغر، ومن تلك الأفكار التي نحملها من تجربة قاسية أو سعيدة، ومن تلك الفكرة التي آمنا بها لأنها تتماشى مع ظروفنا وهكذا..
وجميل أن تتجلى أفكارنا وتترجم إلى أفعال حميدة تنم عن شخصية قوية، تعرف كيف تناقش بقناعة، وكيف تترك بلباقة..وكيف تجمع بين الضدين معا، فعند حدوث النقاشات الجادة أو الخلافات تتضح وتتجلى صور الشخصية وما تحمله من تربية وفكر فتجد من يتعامل مع البعض بوحشية، أو التلفظ بألفاظ نابية، ويوجد من يحترم الرأي الآخر بكل حب وعفوية…

عن المحرر

شاهد أيضاً

شــــــهــــــر الله المـــحــــرم/ أمال السائحي

يحُلُّ شهر الله المُحرَّم، فيتذكَّر المسلمون ذلك الحدث العظيم، الذي قلَب موازين التاريخ، وغيَّر وجه …