الرئيسية | قضايا و آراء | سماحة قلب/ د. ليلى محمد بلخير

سماحة قلب/ د. ليلى محمد بلخير

كانت نظراتك الحائرة تلاحقني تستنطق أغوار نفسي تفحص ملامحي وكأنك تقولين لي “لقد تغيرت كثيرا يا ليلى” أمسكت بوميضها في داخلي فسالت مدامعي، وكأنها تبوح لك بسري الدفين وقلت “عندما فارقت الحياة تغيرت نظرتي لكثير من الأشياء وانعكس ذلك في حياتي، أصبحت أستعذب المرار في القهوة، أرشفها لا سكر فيها، يشعل ذاكرتي طعمها المر لأستفيق على خساراتي الفادحة في غيابك، آه وألف آه صديقتي  عندما رحلت أحسست بالموت يجالسني، يرقب أنفاسي، يسير مع خطواتي يذكرني  في كل وقت بالنهاية، إنه هنا ينهض مع كل إشراقة، ويهجع في سكون الليل، هل تعرفين أمال أن أوجاع الفراق أشد مرارة من الموت” وقفت على استقامة وقلت في كلمة حازمة شديدة اللهجة:”لكن يا ليلى الذي يفتك  بحياتنا ليس الموت وحده بل الغفلة والإعراض عن علاماته، ولماذا كثر الأذى والشقاق وقلت السماحة؟ لماذا تنوعت وسائل التواصل وتراجع الحب والتراحم؟ ندرك تماما أن الحياة قصيرة مهما طالت وأن البقاء لله ولكن ننهال على بعضنا البعض بكل ألوان الحقد والحسد والبغض، وتزيد الشحناء اشتعالا وضراوة بالعزوف عن التسامح، ما معنى أن نرتل القرآن ترتيلا وفي قلوبنا عداوة لمن هم معنا في زمرتنا؟ كيف نسجد لله ونرضى بالعنجهية شريكا وظهيرا لله في العبادة، كيف نضع جبهتنا في الأرض وندير وجهنا عن وجوه إخواننا” هزتني كلماتها كثيرا وعادت بي الذكريات لأيامنا معا في طريق الدعوة إلى الله كم كانت فيها من صور ومواقف مؤلمة، وألوان المظالم ومن أقرب الناس ورغم ذلك كنت صاحبة السماحة الأولى، سماحة قلب كبير وكأنني أسمعك تقولين لي بنبرة اليقين “الكثير من الناس يجعلون من السماحة ضعفا وخنوعا ويتحججون بالواهية من الأعذار لتبقى الخصومة وتكبر الجفوة بالعناد والمكابرة، كيف نتعلم السماحة؟ إن لم تعضنا أنياب الحاقدين من حولنا؟ ما معنى الصبر إن لم تكن هناك أوجاع تزلزل كياننا؟ ما معنى سلامة الصدر إن لم تكن مشاحنة وبغضاء في دائرتنا؟ “ كنت تتكلمين من وقع محن كقطع الليل خبرت مسالكها خبرة العارفين بالله، قلت لك وأنت تتأهبين للمغادرة:” الحياة قصيرة ولكن نشغلها بالخصام والقطيعة، كل واحد يمسك بوقا يصرخ في وجه أخيه بألوان التهم والافتراءات، ثم يبدأ التراشق بالكلمات الجارحة كالطعنات المسمومة، لأن كل واحد  منا يبرع في سماع صوته فقط ” فقطبت جبينك وتنهدت وقلت بصوت كسير” عندما تسمع نبرات صوتك، لن يكون انطباعك مثل ما يسمعك من حولك، وعندما تسمعهم بروحك تصغي لدقات الصدق في كلماتهم وتميز ذبذبات الزيف والكذب، نحن في حاجة إلى أن نسكت قليلا ونسمع بعضنا البعض قربى لله، الرقي في معارج النور لا يحتاج لقوانين الأرض، أو وسائل أو مظاهر يحتاج إلى سماحة قلب” جلت بنظري في أركان الغرفة أرقب طيفك السمح وتنهدت بحرقة لأنك غادرتني على عجل، نهضت أبحث عنك بلهفة فوجدت حزمة أوراق مكتوب في أعلاها، رسائل الروح.

عن المحرر

شاهد أيضاً

شارع محمد الخامس…في فحص باب عَزُّونْ…/ فوزي سعد الله

كان جزءا لا يتجزأ من تلك الحقول والجنان المتصاعدة المتسلقة للروابي كثيفة الأشجار المطلة على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *