الرئيسية | حوار | حوار مع الكاتب الجزائري الدكتور عبد الملك مرتاض أجرى الحوار: د. يوسف وغليسي *

حوار مع الكاتب الجزائري الدكتور عبد الملك مرتاض أجرى الحوار: د. يوسف وغليسي *

قدّمتُ لمجتمعي وأمتي أفضل ما عندي …

ولكن وزارة الثقافة ـ إلى اليوم ـ لم ترَ أنّي أهلٌ لجائزة واحدةٍ!!!

عبد الملك مرتاض أُعجوبة من أعاجيب العربية المعاصرة، وفَلْتة من فلتات اللّسان الجزائري، و”كوكبُ بلاغات يسعى على الأرض” كما وصفه ناقد جزائري؛ فهو الاسم الذي صنع الاستثناء في تاريخ العربية بجزائر الاستقلال؛ ذلك البلد المطعون في شرفه اللغوي، المتّهَم أهله بالعُجمة والرّطانة والقابلية للاستعمار الفرنكوفيلي…

عفريت نقديّ برؤوس منهجية متعدّدة، ومبدع صاحب تجارب روائية مختلفة، ومثقف موسوعيّ في عصر آفته الاختصاص، أصدر نحو سبعين كتابا في مختلف المجالات، تعرفه الأوساط الثقافية الخليجية خصوصا بكتبه الكثيرة الصادرة عن أكاديمية الشعر بهيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، كما تعرفه بحضوره الدائم في برنامج (أمير الشعراء).

أردنا أن نستفزّه باستفهاماتنا فأفرغ أثقال همومه الثقافية عبر إجاباته الممتعة.

 

  1. استهلكتَ جلّ ما يُتيحه صندوق النقد الأدبي من آليات منهجية، فهل تؤمن بالمفاضلة بين المناهج أم هل إنّ مقتضى النص هو الذي يحدّد هيمنة المنهج المناسب؟

المسألة المنهجيّة تظلّ هي المعضلةَ الشائكة في مسارات النقّاد، كبارِهم وصغارهم، ومتوسطيهِم وخِرِّيتيهِم؛ ولذلك لم تبرح مقولة أستاذي أندري ميكائيل تخامرني كلمّا أزمعت معالجة عملٍ أدبيّ ما، أحلّله، وهي أنّ المنهج هو اللاّمنهج! وقد تبدأ الْمُشكلة التي تستحيل في الحقيقة إلى إشكاليّة: أيْ من هذا المصطلح نفسِه الذي لا أرضَى عليه، بلغة القُحَيْف العُقَيليّ، وهو الذي كثيراً ما يندسّ في النقد المعاصر اندساساً، ذلك بأنّ المعنى المعجميّ الأوّل للتحليل لدُن الفقهاءِ هو مَن يتزوّج امرأةً طلّقها بعلُها طلاقاً بائناً، فيذوقُ عُسَيْلتها كما تذوق عسيلته قبل أن يطلّقها صباحاً، لتحِلّ لبعلها الحقيقيّ «الشرعيّ» الأوّل، عقاباً له على ما ارتكب من منكر الطلاق البائن،  فذاك هو معنى «التحليل» في المعاجم حيث يعني تحليل ما كان محرّماً، فاغتدى حلالاً. وأمّا تحليلنا نحن النقّادَ فالله وحده يدري ما هو؟ وأيَّ شيء كان؟ ومتى كان؟ ولِمَ كان؟ وإلى أين سيمضي؟ وفي أيّ الطرائق سيسير؟ وأيّ وجْه سيتّخذ، من بين الوجوه الكُثَار، والدروب الطِّوال؟

فمَن أعطى الشرعيّة النقديّة، إذن، لهذا المصطلح الذي أخذناه عن أهل الغرب من قولهم: «Analyse»، وهو الذي يختلط، أيضاً، باللغة التعليميّة لدُنْهم في إعراب الجُمل؟

ثمّ ما حالُ المنهج بأحسنَ شأناً من صاحبه النقد؟

وما شرُّ الثلاثةِ أمَّ عمروٍ    *   بصاحبك الذي لا تَصْبَحينَا!

ذلك بأنّ المعاجم القديمة إنّما تتحدّث عن الطريق وليس عن جِهاز معرفيّ فلسفيّ تقنيّ نتناول به قراءة الأعمال الأدبيّة، ونتأوّلها، متفهّمينَها، وهذا أدنى ما يكون معنىً إليه، وأمّا بواقي المعانِ، فهي تدرُج في مَدارجَ نائيةٍ عن المفهوم المعاصر السائد جِدّاً: فنهِجَ ينهَجُ الثوبُ إذا بلِيَ وصار أسمالاً؛ ونهَج الشخصُ في رَكْضه إذا انبهر انْبِهاراً، وهو لا يزال مستعمَلاً في لغتنا الجزائريّة اليوميّة، وشاهدُه قول عائشة، «فقادني وإنّي لأنْهَجُ». وقد صيّره ابن منظور صفة للطريق، لا اسماً، كما هو مستعمَل لدُنِ النقّادِ على عهدنا هذا.

وإذن، أمام فوضى الدلالة المعجميّة لتركيبيْ ح ل ل، و: ن ه ج، (وحتى ن ق د أيضاً كما سنرى): ما ذا يمكن الناقدَ أن ياتُوَ وقد التبست المفاهيم بعضُها ببعض، واندسّت الآراء بعضُها في بعض، فلا تَنِي كذلك ولم ينفصل أيٌّ منها عن بعضها بعضٍ؟

وإذا جئنا إلى المفهوم المركزيّ في هذه العمليّة وهو النقد ألفيناه في العربيّة أسوأ وضْعاً من حيث أصل معناه، فهو في الأصل مصطلح كان من لغة أُوْلي المال لا من لغة أُوْلي القلم السّيّال؛ أو قل: كان لأصحاب الجاهِ والْقَاهِ، لا لأصحاب مَن جنَتْ عليهم حرفة الأدب، فأمسوْا أفْقَرَ عبادِ الله إنساناً، وأفرغَهُ جيباً يطلبون من ذوي اليسار إحساناً، وإلاّ قضَوْا خَصاصةً وحِرماناً.

وغاية ما فعل أرسطو، الذي يتباهى أهل الغرب بأنّه معلِّمُهم الأوّل، أنّه عرّف النقدَ فقال عنه: هو «فنّ الحُكم»، أو «L’art de juger». والحقّ أنّ الحُكم المزعوم في كلام أرسطو يقتضي أن لا يكون حتّى تنعقد له محكمة مكوَّنةٌ من قاضٍ، أو قُضاة، ويوجد في قاعتها متّهَمُون يقدَّمون ليصدر عليهم الحُكم، أو الحُكومة بلغة الفرزدق، يدافع عنهم مُحامُون، فكيف يحكم شخص واحدٌ الذي هو الناقد على شخصٍ آخرَ الذي هو الشاعر أو السارد حُكماً فرديّاً مُعْتسِفاً؟ ثمّ هل إذا حَكم فقال: هذا عملٌ أدبيّ جيّد، أو هو عمل أدبيّ رديء، يتفق الناس على رأيه فلا يخالفون عنه؟ أم يظلّ مجرّدَ رأيٍ يطير في الهواء شَعَاعاً، ويسقط في الصحراء بَعاعاً؟ وإذن، فما المنفعة من وراء هذا النقد إن كان المتلقّون لا يتّفقون مع الحاكمين على أحكامه؟

وأَيـْمَا إن زعم الحداثيّون أنّهم لا يُصدرون الأحكام على الأعمال الأدبيّة، بل يقرءونها قراءةً محايدة دون أن يقولوا عنها: هل هي جيّدة أو رديئة، ويَعُدّون ذلك من المواضي البوائد: فإنّ الشأن يصير في وظيفة النقد أسوأَ، في الحقيقة، ممّا هو عليه في الحال الأولى؛ ذلك بأنّ هؤلاء الحداثيّين إمّا أنّهم يخشَوْن الصَّدْع بآرائهم فلا يُدْلون بها جِهاراً، وإمّا أنّهم يتكاسلون في بناء كتاباتهم على النظريّات المعرفيّة فيقرّرون في الأعمال المقروءة شيئاً من الأحكام تأسيساً عليها، وانطلاقاً منها، فسيرتُهم قد تعني تهرّباً من اتّخاذ موقف، بإمساك العصا من وسطها، أو ترْكها، أصلاً، دون إمساك، لِيُمسكها من شاء من أيّ مقبِضٍ، أمسكها، عبَثاً؟

أيّ مُفاضلة وأيّ مُأثَرةٍ بين ما قد لم يوجَدْ أصلاً؟ أو وُجِد، ولكنّه ظلّ خَلْقاً مشوَّهاً، فلم يعرف الناس له وجها ناضراً، ولا لوناً ناصعاً، ولا مَشْياً سويّاً، فظلّ وجودُه كالعدم، وحضوره كالغياب؟

لا أرى أنّي أفاضل بين منهج ومنهجٍ، ولكنّي أظلّ ألْتمس منهجاً أنهجُه، وطريقاً أسلكه، فيعرف الناس أنّي أُؤَوِّب ولا أُسْئِدُ، وأمشي تحت أشعّة الشمس، دون شمَعَة سُقراط، وفي عُفْرِ الليالي لا في دآدِيها.

حين يدعوني شيطاني إلى الكتابة (فليكنْ للأدباء من الكتّاب شياطينُهم كالذي كان للشعراء، فكلاَ الفريقيْن يمتَح من الخيال، غير أنّ شيطاني أنا لَمّا أعرِفْ اسمه، ولَمّا أتبيَّن أيضاً رسْمه، ففي طور أتمثّله شيخاً نجديّاً، وفي طور أتمثّله نَسناساً مَرْضيّاً، وفي طور آخر لا أتمثّله شَيّاً!)  أوّلَ ما أطلب إليه أن يتضافر معي على أن نكتب للناس شيئاً يفهَمونه، ولا يفهمون عنّا ما نكتب حتّى نكون نحن قبل ذلك فهِمْنا ما نودّ أن نكتب؛ فإن لم يكُ شيءٌ من ذلك فلا دَيّارَ يفهم سواءَهُ فتظل الغايةُ من الكتابة، أيّاً كان نوعُها، معطّلة مبطَّلة، أو مبهمة غامضة، فيضيع وقت المتلقّي في تهويمات المرسل، وحينئذ فلا كانت الكتابة، ولا كان كاتبُها!

حقّاً إنّ الأمرَ ما ذكرت، فلكلّ موقفٍ شأنٌ، ولكلّ جنسٍ كتاب، ولكلّ مقامٍ مقال، بلغة الأجداد.

  1. آمنت بالتركيب بين المناهج وكفرتَ بالمنهج التكاملي، فكيف تفرّق بين ما آمنت به وما تكفرُ به؟

إلى حدّ ما أجَلْ! أي آمنتُ، ولكنْ ليس كلّ الإيمان! فإلى اليوم لم أعثر على المنهج الذي أراه يجمع بين النقّاد والمتعاملين مع النصوص، فيُرضيني، وأُرضيه، ويُطَمْئِنني فأستنيم إليه. وأَيْما هذا الشيءُ العجيب الذي كان يقال له في لغة النقد التقليديّ القاصر الحسير: «المنهج التكامليّ»، فهو كائن ٌ مُنكَر؛ وقل: إنّه كائن لم يكُ قطّ، لأنّه لم يولَد قطّ؛ لأنّ الوالدة التي تَنْجُلُ به لم تَنْجُلْهُ، هي أيضاً، قطّ؟ فهو كأنّه نسناسٌ لا من النّاس! ذلك بأنّها هي نفسها لم تكُ قَطُّ، أم يكون وجودُه واقعاً بمجرّد العناية العليا، أي بإنجاز الكينونةِ دون الاضطرار إلى تكلّف فعْل!؟ فإنّما ذاك فِعلُ الله الذي لم يَلِد ولم يولَد.

قد يكون ذيّالِك الخلْقُ العجيب المركَّب من أمشاجٍ، والمكوَّن من آراء، تُجمَّع من هنا وهناك، كما يجمِّع الفلاّح السِّدْرَ بِمِذْرَاهُ، ليصنع بها زريبة لأنعامه، مع اصطناع شيء من الذكاء، ومع اتخاذ شيء من الحِذْر، قد يكون أدنى إلى أن نستطيع قراءةَ النّصّ الأدبيّ الكبير، به، فننتهيَ إلى شيء فيه، إنْ لاَ يُرْضِ فلا يُسْخط، وإنْ لاَ يُطَمْئِنْ فلا يُقلق؛ وأمّا النصوص غيرُ الأدبيّةِ وهي أكثرُ كتاباتِ هذا العصر، في عامّة الأجناس الأدبيّة شعريِّها وسرديّها، فهي ليستْ أهْلَةً لأنْ تُقرأ لا بالأوّل المضطرِب، ولا بالآخِر المعتوه، لأنّ الذي خُلق معتوهاً مشوَّها، لا يصير سويّاً أبداً! فعِلاجُه ميؤوسٌ منه. وإذن، فتِيكَ «النصوصُ» المسترخيَةُ التي تُدَرْدِبُ كالطُّرْطُبِّ، فهي أولى أن تضافَ إلى التقارير الصَّحَفيّة العجِلة فتضمحلّ بعد موتها، أو قل: إنّها تموت قبل أن تحيا!

  1. تؤمن بالتعامل المنهجي مع النص وترفض عبودية المنهج وصنميته. هل هذا من أثر أستاذك أندري ميكال في دعوته إلى اللامنهج؟

للهِ دَرّك! وكنت أجبتُ عن هذا قبل أن أقرأ هذا السؤال، لدى إجابتي عن السؤال الأوّل. وإذْ قدْ أُلْقِيَ هذا السؤال عليّ: فنعم! بل أريد أن أجيب كما أجابت الجارية التي تحدّث عنها الجاحظ في كتابه «الحيوان» فرأى الناسُ من أمرها زهواً وتِيهاً وخُيَلاء، فعلموا أنّها أثيرة لدى سيّدها، لبعض التدبير… فلمّا سألوها إن كان الأمر كذلكِ، أجابتْ: «كما يكون»!…

  1. في كتابك الأخير (التحليل الجديد للشعر) دعوة منهجية صريحة إلى تطبيق ما سمّيته (المنهج المستوياتي). فما الفرق بين هذا المنهج هنا، وذلك النزوع المستوياتي المبثوث في كتبك السابقة (ومنها: أ-ي).

فيما كتبتُ في كتابي «ألِف -ياء» كان قائماً على المعالجة التحليليّة باتّخاذ سبيل المستويات، ولكنْ دون وعْيٍ كامل بمكوّنات هذا المنهج، وتمثّله نظريّاً، لأنّه كان ثانِيَ ما كتبتُ على تِيك الطريقة المنهجيّة… ولذلك، لأوّل مرّة نظّرت للمنهج المستوياتيّ، بعد أن صار معروفاً في سيرة كتاباتي التحليليّة السابقة، وكتبت في ضوئه ما كتبت، معالجةً تحليليّة لتيك القصائدِ الخمسِ من الشعر المعاصر (أقصد الكتاب الذي أومأت إليه، وهو من آخر إصداراتي).

في «ألِف- ياء» سعيت، في الحقيقة، إلى أن أكون شاعراً، فأدنوَ طوراً إلى مستوى شعريّة محمد العيد، وأتطاول طوراً آخرَ فأتعلّق بشعريّته متشبّهاً بها، إذْ كان التشبّهُ بالملاح فلاَحاً، بلغة أهل التصوّف، وذاك كان أقصى ما استطعتُ بلوغه في التعامل مع منهج المعالجة التحليليّة. وأَيْما في كتابي «التحليل الجديد للشعر» الذي أومأت إليه، فإنّي سعيت فيه إلى أن أكون ناقداً، ولكنْ دون الرضا بالوقوع لا تحت تصنيف التجديد، ولا تحت تصنيف التقليد، وإن اقتضى العنوان أن كان بعض ذلك، على سبيل الإجراء.

  1. ما قولك في قول بعضهم: ما ينبغي أن يكون للناقد سوى منهج واحد، لأن المنهج دين نقدي يقوم على تصوّر شامل للكون الأدبي والماهية النقدية، حين يتغلغل فيك الإيمان بذلك الدين لا يمكنك استبداله ولا الإيمان بوحدة الأديان؟!

كأنّ اللغة الدينيّة بدأت تطغو قليلاً على هذا اللقاء الأدبيّ، وهذا ما لا أرتضيه، فلكلٍّ مقامُه، إلاّ أن يكون إشارةً أو إحماضاً أو اضطراراً؛ وإِمّا لاَ، بلغة رسول الله، فما صِلةُ المنهج الأدبيّ بالمسألة الدينيّة؟ الدينُ إلهيٌّ ينبثق في القلوب، والمنهج إنسانيّ يصدر عن العقول. الدين شأن مقدَّس، والمنهج إجراء مدنَّسٌ. الدينُ للناس كافّةً، والنقد لصفوة صافيَة من الناس. الدين يدعو إلى العمل للآخرة بنصّ إلهيّ، وبِقِيَم روحيّة عليا؛ والنقدُ غايتُه فهْمُ نصّ أدبيّ، ثمّ تفهيمه وتبيينُه للمتلقّين، فلا هو دعوةٌ إلى الآخرة، ولا هو دعوةٌ إلى الدنيا أيضاً.

فلا غرْو أن يكون الدين متّسماً، لدى المؤمن الصادق، بالديمومة المطلقة، وحُقَّ له ذلك؛ في حينَ أنّ المنهج مجرّد إجراء لقراءة نصّ بطريقة جماليّة وفنّيّة. فكما أنّ النّصّ الأدبيّ، في أيّ جنس عَرَضَ لنا، يتجدّد وقد يتعدّد، فإنّ المنهج الذي يعالَج به يجب أن يكون قابلاً للتجدّد والتعدّد أيضاً، وأمّا الإِيمان بالله العظيم وعبادته بالاعتقاد بدِينٍ صحيح من الأديان، فإنّه يستوجب الثبات عليه، والمضيّ في التعلّق به، حتّى لحظاتِ العمر الأخيرةِ.

أعتقد أنّ الذي قال هذا، يحتاج إلى أن يعيد النظر فيما قال، ذلك بأنّ الناقد الذي يتمسّك بمنهجٍ، يكون في أوّل أمره جديداً ثمّ يصير قديماً بل عتيقاً، فهذا ناقد يحتاج إلى أن يفتّح عقله، ويجدّد فكره باستمرار، وإلاّ صُيِّرَ في طبقة الجامدين. ولذلك سعيت في مسيرتي الأدبيّة إلى التملّص ما أمكن في كلّ كتاب أكتبه عن نصّ، أو عن نصوص أدبيّة، بحيث أحاول أن أجدّد فيما كنت كتبتُ قَبْلاً، لكيما أستشرفَ ما يكونُ بَعْداً.

الناقد الذي لا يجدّد أدواتِه النقديّةَ في كلّ كتابة بالنسبة إلى ما سبقَها، أولى له أن يصنَّف في التقليديّين، حتّى لو كان يزعم للناس أنّه من الحداثيّين حتّى النّخاع.

النقد إبداع فنّيّ ينهض على جمال المعرفة حقّاً، لكنّه يظلّ يَنشُد في مسيرته الأفضل والأمثل والأكملَ أبداً، فكما أنّ الصّنَاع في معمل من المعامل يقدّم إلينا اليوم مُختَرَعاً جميلاً، فإنّه يظلّ، على ذلك، ينشُد الكمال ما أسْطاعَ، ولذلك لا يزال يقدّم إلينا شيئاً من جنس الأوّل، ولكنّه متطوِّر عنه، ومتفوّق عليه؟ أم أليس هذا الشيءُ كالشيء، حذْوَ النعلِ بالنعل؟

  1. كنتَ» نسيج وحدك« في تاريخ النقد الجزائري، بكثرة كتاباتك، وتعدّد مناهجك، وتنوّع روافدك (التراثية والحداثية)، واختلاف الأجناس والأنواع والنصوص التي اشتغلت عليها.

فهل تعتقد أنّ الأيام يُمكن أن تجود بمن يواصل نهجك؟ ومن من النقاد الذين تراهم مؤهّلين لذلك؟

هذا إطراء كريم، ومدْحٌ سخيّ، أرجو أن أكون أهلاً له، وإن كنت أنزعج من كلمات الحبّ التي توجّه إليّ شِفاهاً أو كِتاباً، وتُلقَى إليّ جِهاراً، والرأي الكريم لا يصدر، في كثير من الأطوار، إلاّ عن القلب الكريم.

وأمّا مَن كنت أودّ أن يكون امتداداً لي، والاشتغال على المشروع النقديّ الذي بدأت فيه، بحيث إنّ الجزائرَ تمسي، يوماً ما، عاصمة للنقد العربيّ، فيمضي في توسعته، وبسْط نظريّاته، فإنّ أملي خاب في بعضهم، بحيث كأنّهم أصبحوا مناوئين لي في مجالسهم الضيّقة، دون أن يكتبوا ذلك علانيَة، وبحيث إنّي لم أقدّم إلى النقد والحداثة شيئاً، كما بلغتْني الأخبارُ عن بعضهم، وهي لا تَنِي طريّة ساخنة، كما صدرت مِن أفواههم… كنت أراهن على حسين خمري، مثلاً، كثيراً، ولكنْ يبدو أنّه لم يعُدْ يكتب كثيراً كما كان، إلاّ أن يكون ما يكتبه لا يصلني. كذلك كنت أودّ أن يمتدَّ هذا الرهان إلى أحمد يوسف، فبلغني منه ما خيّب ظنّي فيه، وقد زعم الذين كانوا حاضرين في إحدى الندوات النقديّة عُقدت ببلد مشرقيّ، أنّه دسّ لِمن أهانني علانيَة بين جماعةٍ من السفهاء، ليسُوهُم، على كلّ حالِ، جميعاً!… لكنّني إلى الآن لم أصدّق أن يكون أحدُ تلامذتي الأذكياء النبغاء بهذا المستوى من العقوق، وبهذه الشِّنْشِنة من انحطاط الأخلاق، دون جريرة اقترفتها في حقّه إلاّ أن يكون الإشراف عليه في الجامعة يُفْضي إلى ما سمعت!… فلا عليّ أن يختلف معي مَن في الكون طرّاً، ولا عليّ أن يُسقِطوا اسمي من قائمة النقّاد أصلاً، لكنْ أن يأتُوَ (أستعمل «يأتُو»، وهو لغة، بدل «آتي»، لأغيظَ به مَن لا يعرفون العربيّة ولا يحبّونها أيضاً، ولذلك يجتزئون من تعلّمها وحذقها بالفُتات، وبشربِ الماء العكِر بعد البيات!) ذلك بإيعازٍ من أحد تلامذتي الذين أحبّهم وأقدّرهم وأفتخر بهم… فإنّ ذلك لا أصدّقه حتّى لو سمعته بأذنيَّ الاِثنتين هاتيْنِ!… كان لا مناص من الصّدْع بهذا الأمر، بعد أن تُدُووِلَ في النوادي الأدبيّة، وبعد أن سارت به رُكبان الأدباء…

كذلك كنت أعلّق آمالاً عِراضاً على محمد ساري، وآمنة بلعلى… ولكنْ يبدو أنّهما بحكم إشرافهما على أطروحات جامعيّة، (بالإضافة إلى أنّ محمداً الساري تستهويه كتابة الرواية حيث أعُدّه مِن أمثَل كتّابها الحقيقيّين بالجزائر) فإنّ معظم جهودهما تذهب في توجيه الطّلاّب الباحثين، وتقديم العون لهم في إنجاز أطروحاتهم… وإن كنت معجباً أشدّ الإعجاب بما كتبت آمنة عن مسألة الأنساق في الشعر العربيّ…

ولديّ، في الحقيقة، مُريدون كُثْرٌ يستهويهم أن يَمْضُوا فيما شرعت فيه، وأن يُسْهموا فيما أفنيت قريباً من نصف قرن، من أجل رِفْعة النقد في الجزائر بعد أن شاع، خطأً، أنّ عواصمَ أخرى تحمل لواءه وحدَها، بسعْيٍ من بعض الناس لإخراج الجزائر من الجغرافيا والتاريخ والفكر والإبداع وتجريدها من كلّ عبقريّة ونبوغ تظهر أماراتُهما على بعض أبنائها… فهذا لاَنَ وقعَ إقرارٌ صُراحٌ من أهل المشرق وأهل المغرب أنّ النقد الجزائريّ نقد رصين، وأنّ له منظّرين إلى حدّ بلوغ درجة الإبداع فيه؛ فأنا واثق بأنّ هؤلاء المريدين سيَمضون، كلّ حسَبَ كفاءته الإبداعيّة، وقدرته الفكريّة، في تنميَة هذا المشروع الذي هو، أوّلُ، للجزائر، ومن أجلها وحدَها.

وليس أدلّ على هذا الإقرار الكريم بمكانة النقد الجزائريّ بين المكانات، تهيئة الدكتور فريد معيضشو دكتوراه دولة في النقد عن أعمالي، وقد قدّمها إلى جامعة وجدة، وأشرف على مناقشتها خمسةٌ من أكابر الأساتيذ، ويسعدني، بهذه المناسبة، أن أزْدَجِيَ له الشكر الحميم على ذلك: أليس هذا شرفاً للجزائر -وليس لهذا الشخص الضئيل الضعيف الذي يكتب هذه الأسطار، في أوّل النهار، والذي يقال له: عبد الملك مرتاض- يا مَن تَنقِمُون ممّن يعمَلون، وأنتم لا تعملون؟!

وأعتقد أنّ كلّ الذين حضّروا بحوثاً في التخرّج والماستير والماجستير والدكتوراه، في الجامعات الوطنيّة وغير الوطنيّة، إِيمَا في بعض أعمالي السرديّة التي بلغتْ لاَنَ اثنيْ عشرَ عملاً، وإِيـمَا في بعض أعمالي النقديّة التي شاء الله أن تكون كثيراً، وأحسَبُ هؤلاء الباحثين البررَةَ، جزائريّين وغيرَ جزائريّين، كلُّهم يحمِلُ مِشعلاً من مشاعلي الشاحبة في أصلها، فيَحضؤها لتضطرم وتنير فتُشعّ إشعاعاً. وهؤلاء هم مَن سيحمل، إذن، المشعل النقديّ الذي أنرْته منذ نصف قرن، وكنت أريد رجالاً، فأراد الله رجالاً آخرين، من حيث لم أكنْ أنتظر.

ولكنْ  لا مناصَ والشأنُ ما هو، مِنْ أنْ أقولَ شيئاً آخرَ، في هذا الموقف التاريخيّ، وإنّي لا أقوله من باب تبادل الإطراء، ولا من باب تقديم المجاملات الرخيصة التي لا تُفْضي إلى جنْي ثمرة، ولا إلى سقْي شجرة، ولكنّه من باب قول الحقيقة؛ وهي أنّ شخصّاً يُدْعَى يوسُفَ وغليسي، هو خيرُ من يحمل هذا المشعل الذي لَمّا يسْطَعْ كلّ السطوع فيُشرق على الأرجاء بكلّ ضيائه، فإنّه سيَحْضَؤُه حَضْأً، وإنّه سيحْضِبُه حضْباً، إلى أن تنتشر في الليالي الدّأداءِ أنواره، وتُشِعَّ بين الأرجاء أماراتُه، فتُسمعَ أصداؤُه.

فهذا أمرٌ، أنا، شديدُ الوثوق منه، وفي الوقت نفسِه أنا بالغ الفخار به. فذلك هو ظنّي فيك يا يوسُفُ فحقّقْه وصيّرِ الجزائر، مع عبقريات أخرى، من بعض مَن ذكرتُ آنفاً، تظاهرك وتساندك، مُشِعّةً بالنقد العظيم الأصيل الرّصين الذي لا يرفض التراث جملة، ولكنّه لا يقبَل، في الوقت ذاته، الحداثة الفرنسيّة جملة، بكلّ عبثِها وتهويلاتها، فيؤسّس على ذلك ويستلهم، ويتعلّق بأذيال هذه فيبتدع.

  1. تحيل على أترابك من النقاد العرب إحالات “إكرامية” (يمكن الاستغناء عنها)، من باب التثمين الأخلاقي لجهود معاصريك، لكنّهم يستكثرون أن يحيلوا عليك ولو كان الأمر يقتضي ذلك جدّا. بمَ تفسّر ذلك؟

يبدو أنّ الأصل في شِيَم النفوس الغَيرةُ والعقوقُ، ولذلك يستكثرون، فعلاً، أن يُحيلوا عليّ، ولا سيّما المشارقة الذين يَعِزّ عليهم أن يفقِدوا القيادة النقديّة فتُمسيَ مغاربيّةً، وهذا ما أسمعنِيه الصديق المرحوم الدكتور مصطفى ناصف، فاهُ إلَى ِفِيَّ، فقد قال لي بعض ذلك في مدينة صنعاءَ، عندما كانت لا تزال صنعاء، في الأعوام الثمانينَ من القرن الماضي.

وأمّا الدكتور عبد السلام الشاذلي فقد زعم لي، والعُهدة عليه، أنّ أحدهم انتزع منه كتابي «ألِف- ياء» انتزاعاً، ووضعَه في دُرْج مكتبه بالقاهرة، وهو ناقد شهيرٌ، وزعم لي آخرَ، وفي صنعاء أيضاً، وهو أستاذ بجامعة المنصورة، أنّ الإخوة يتنافسون على اقتناء كتبي وقراءتها، (وكان أوّل ما استرعاهم كتابي: «النصّ الأدبيّ من أين وإلى أين»؟) ولكنّهم يستعظمون إعلان ذلك، ومن ثَمَّ الإحالة عليّ، والرجوع إليّ، في بعض ما يكتبون؛ وقد طلبت دارُ نشرٍ مصريّة شهيرة من دار البصائر الجديدة الجزائريّة، كما أخبرني مديرها، عشرة عناوين من كتبي التأسيسيّة لتعيد نشرها هناك، ولكنّه خاف الاستيلاءَ عليها إلى الأبد، فحال بين القوم وبين ما يشتهون، ونعِمّا فعل!

وإذا استثنينا الدكتور عبد العزيز المقالح، والدكتور ياسين الأيوبي، والدكتور عبد الله أبو هيف، وسَواءَهم قليل، فإنّ عامّة الأكاديميّين المشارقة تعلوهم النعرة الاستعلائيّة فلا يحيلون عليّ، ولا على المغاربيّين من الأكاديميّين بعامّة، إلاّ قليلاً. مع أنّي رأيتهم، وقد سمعت منهم ذلك أيضاً، في بعض الندوات ببيروت خِصِّيصَى، أنّي أُهمل الإحالة على ما يكتبون، وأنّي قد جئت ذلك في كتابي «نظريّة الرواية» التي كأنّها نبتَتْ في الرمال، ولم تنبت في جَلْهتَيْ نهر السين، فغمطتهم حقَّهم، وتجاهلتُ سبْقَهم! ذلك بأنّ بعض الإخوة الذين كتبوا في النقد الروائيّ والتنظير له من أهل المشرق لا يزالون يرَون، ودون حياء، أنّهم هم آباءُ عُذْرِ هذا الضرْبِ من النقد؛ مع أنّ الحقيقة أنّ أكبر النقّاد العرب إذا خاض في حقل السرديّات أو الشعريات أيضاً، ألفَى ركاماً من الكتابات الغربيّة، وبخاصّةٍ الفرنسيّةُ، عن ذلك، فكيف يزعم أنّه هو أبو عُذْرتِهِ، كيْفَهْ؟! وكيف يجوز لي أن أحيل، أنا، على الفرْع وأترك الأصل، وأنا ابنُ السوربون، كيْفَهْ؟ وما هذا الكلام الذي لا ينهض على منطق؟

  1. أنت أكثر معاصريك زهدا في الجوائز الكبرى التي كان في وسعك نيلها جميعا، بخلاف الآخرين، هل هو زهد أو سوء حظ؟

لا هو زُهْدٌ منّي، ولا هو سُوء حظٍّ من القدَر، ولكنّها الغيرة التي كنّا نتحدّث عنها في الأجابة عن السؤال السابق، ومن أخبث ما سمعتُ، بصدد هذا الأمر، أنّ آخرَ جائزة ترشّحتُ لها في تحليل النصّ الأدبيّ، ولم يحلّل أحدٌ، لا في القديم ولا في الحديث، ولا في الشرق ولا في الغرب، إلى حدّ الآن، كما حلّلتها أنا، مع التنظير لذلك، ومع اتّباع طريقة منهجيّة في التحليل لم أُسبَقْ إليها، ولا عليّ هنا أن أتحدّث عن نفسي بهذه المباهاة في معرض هذه الجوائز المريبة!… فبلغني أنّهم لم يوزّعوا أعمالي التي أرسلت إليهم، على النقّاد، أصلاً، ليقوّموها؛ وقد سمعتُ بعض هذا وأنا في أبوظبي في الربيع الماضي (2017)، وفعلوا ذلك لناقد مصريّ آخر، قبلي!… وذلك باعتبار أنّ الجائزة كانت مرصودة سلفاً لصاحبها، فإن كان هذا حقّاً فهو الفساد بعينه يمشي على رجلين ظالعاً!

وقد أخبرني جامعيّ مغربيّ، صديقٌ، ممّن نال بعض هذه الجوائز، بالقاهرة منذ عشرِ سنينٍ تقريباً، أنّه لقِيَ في أحد شواطئ المغرب سائحاً منهم، وكان له مسؤوليّة في جائزة، فطلب إليه أن يرسلَ ما حضر من كتبه، ويترشّح، وعليه الباقي! وكان هو في عطلة، فأخبرني أنّه بدأ يمرّ بالمكتبات التجاريّة، ويحاول جمع بعض كتبه منها ليرسلَها إلى إدارة الجائزة، من خارج الرباط في حيث يقيم، لينالَها بعد شهورٍ، بفضل ذلك الصديق الذي تعرَّفَهُ عَرَضاً، كما وعده، ولا لجنة تحكيم، ولا هم يحزنون! وقد بلغني أنّ جائزة مُنِحتْ للصديق الشاعر المفلق، عبد الوهّاب البياتي، وهو بعَمّان، ليس لأنّه شاعرٌ كبيرٌ، ولكنْ لأنّه شيخ هرِمٌ، ومريض دَنَفٌ! فلم يُمْنحِ الجائزةَ من أجل جمال شعريّته، ولكنه مُنِحَها من أجل علّته!

ولْيُقَسْ على ذلك ما لم يُقَل، كما يقول ابن مالك!… ولو قلت كلّ ما أعرف عن فضائح هذه الجوائز لزُلزلت الأرضُ زلزالها!

لكنّي لست حزيناً على أنّي لم أنل إحدى هذه الجوائز التي أغلبُها مشبوهٌ، ومُسيَّسٌ، ومُريبٌ، والجنسيّة الجزائريّة لا يحبّها كثيرٌ من الناس، لأنّ الشعب الجزائريّ لا ينافق ولا يماري ولا يداري، وكذلك كتّابُه، ولتكنْ هذه القِيَمُ هي جائزتَنا العُظْمى! وكفانا بها فخراً… فهل أنا إلاّ كما قال دُرَيدُ ابْنُ الصِّمَّةِ:

وهل أنا إلاّ مِن غَزِيّةَ إن غَوَتْ*غَوَيْتُ، وإن ترشُدْ غَزِيّةُ أَرشُدِ؟

ويبدو أنّ ذلك منسوخ من جائزة نوبل السياسيّة التي أصبحت رياح النتونة تنبعث منها، ولا تزداد إلاّ نتانةً كلّ عامٍ يمضي عليها، فنَجيب محفوظ لو لم يزُر القدس المستعمَرَةَ في إطار رسميّ ما كان له لينال تلك الجائزة التي كان أحقَّ بها منه، في رأيي، طه حسينُ الذي علّم جيلاً كاملاً من المثقفين في المشرق والمغرب، وهزْهز الفكر العربيّ فحرّكه تحريكاً، فكان له تأثير عظيم في مسار الثقافة العربيّة وفكرها من حيث الدعوةُ إلى التشكيك، ومن حيث إغراؤُه الباحثين بالتجديد… ولكنْ كان علينا أن ننتظر إلى حينِ زيارة نجيب محفوظ القدس المحتلّةَ مع رئيس عربيّ مطبِّع لينالَها هو من أعضاء لجنتها التي تتكوّن من زهاء اثنيْ عشر عضواً يهوديّاً من بين الثمانية عشر، في مدينة ستوكهولم…

لكنْ ما نحزن له أنّ الجوائز العربيّة الكبرى، في معظمها، سارت سيرتَها، فاتّبعت الهوى، ونظرتْ إلى درجة العَلاقات السياسيّة بين بلد المرشّح لها، وبين البلد المانِحِها، قبل أيّ شيء آخرَ.

  1. تتحوّل القصة القصيرة إلى رواية في مسارك السردي مرّتين اثنتين (صوت الكهف، كالسّراب وشيء آخر)، كيف حدث ذلك التحوّل؟

ليس بين القصة والرواية إلاّ أنّ إِحداهما موجزة مكثّفة، والأخرى مفصّلة ممطّطَة. ويبدو أنّ بعض الموضوعات هي من الجمال والإثارة ما يجعل الكاتبَ عنها، أو فيها، إذا أخرجها في قصّة قصيرة يتشوّف إلى إخراجها في شكل رواية بتفصيل أحداثها، والزيادة في بلورة شخصيّاتها، وذلك ما حدث لي بالنسبة إلى  قصّة «موسم التين» التي استحالتْ إلى رواية: «صوت الكهف»؛ وقصّة: «صوت الصمت»، التي استحالت إلى رواية: «وشيء آخر». والحقّ أنّ الذي جعلني أبادر إلى إحالة صوت الصمت إلى رواية، ما رأيت من الباحثين في جامعة قسنطينة، في أيّام تكريمي بهذا الصرْح القسَنْطِيِّ العظيم، حيث لاحظت أنّهم قدّموا عن هذه القصة ثلاثة أبحاث على الأقلّ، من حيث لم تنل صنواتُها هذه العناية النقديّة، فحفزني ذلك على أنْ أوسّعها إلى رواية.

  1. مَنْ مِن نقادك تعتقد أنّهم أنصفوا كتاباتك الإبداعية والنقدية؟

أعتقد أنْ لا مدعاة لذكر الأسماء، فليس في ذلك كبيرُ غَنَاء، لكنهم أمسَوْا كُثَاراً، ومنهم أنت… فليتقبّلْ كلّ منْ عُنِيَ بشيءٍ من كتاباتي الإبداعيّة والنقديّة تحياتي ومحبّتي.

ومن الجزائريّين، خصوصاً قبل مطالع القرن الواحد والعشرين، كتب اثنان أو ثلاثة منهم كتابة في غاية السّوء عنّي، وهي كتابة لا تشرّفهم على كلّ حال، عن أنيّ لست روائيّاً، وما ينبغي لي، ولسان حالهم يقول: هم الروائيّون العباقرة العظماء، وحدَهم! وهم يزعمونهم دون أن يمنحهم ذلك مانح هذا اللقب، فكأنّهم كانوا يجتهدون في إغلاق باب السبيل عليّ، حتّى لا أنافسَهم، بسذاجة وغرور، وكأنّ الجزائر الشاسعة الواسعة تضيق عنْ أنْ تسعَ روائيّين كُثاراً… ونحن إلى الآن قليلٌ جدّاً.

  1. 11. النعمة اللغوية الكبرى التي وُهبتها صارت نقمة إبداعية لديك في تقدير بعض نقادك، فكيف تذود عن نعمتك؟

ليس هؤلاء الذين توعِز إليهم، بطرْف العين، كما أشارت حبيبة جعفر بن علبة الحارثيّ، نقّاداً، ولكنّهم حسَدَةٌ يسعَوْن إلى العثور على سقطاتي، وكلّ مَن ألّف استهدف، فيجدون من جهلهم بالعربيّة ما يأذن لهم بالإنحاء عليّ باللوائم، وأنّي أستعمل عربيّة لا يفهمونها، وما ذنبي أنا فيما لا يفهم الناس من العربيّة إن كانوا لا يحبّونها ولا يحذقونها، فأنا أيضاً لم تنزل عليّ من السماء دونهم، ولكنّي تعلّمتها ولا أبرح أتعلّمها إلى يومنا هذا، وأعُدّ نفسي في ذلك قاصراً!  وما أمرُ أبي تمّام في ذلك مع متلقّيه بالمجهول بين المستنيرين منذ القِدم؟ إذ لو كانوا كذلك، لكانوا حفِظوا أرجاز أعرابِها، واستظهروا شعراء ثريّائها، وتشبّعوا بنقائضها، ولكانوا استعذبوا محاورات الأعراب في بواديهم القاحلة، فاستمتعوا بصفاء العربيّة التي كانوا يتحدّثون… ولا أحسَب أنّ لي ذنْباً فيما يرمونني به إلاّ كسلُهم وجنوحُهم للخمول، واستنامتُهم إلى الاجتزاء بما هو محتاج إلى استزادة، فلا تراهم يحفَظون شواهدَ سيبويه، ولا شواهد المبرّد، ولا ثعلب، ولا الفرّاء، ولا تعمّقوا في قراءة الزمخشري في الكشاف خصوصاً… وسَواءُ هؤلاء كَثْرٌ (هنا بفتح الكاف، لا بضمّها، لأنّ الكُثْر ضدّ القليل، والكَثْر أحد جموع كثير) من العلماء ممّن صاروا أئمّة للعربيّة الصافية، والبيان العظيم.

  1. 12. من المفارقات اللغوية العجيبة لديك أن تحرصَ على النقاء اللغوي في أنصع صوره (حيث تَنسب إلى فلسطين بالفلسطي بدل الفلسطيني، وتجمع المرآة على المرائي بدل المرايا، وتقلّل من شأن البنيوية والسيميائية وتدعو –بدلا منهما- إلى البنوية والسيمائية،…)، لكنّك تتباهى بتوليد اشتقاقات لغوية لا عهد للعربية بها (كالسردانية، والشِعرانية، والشعْررة، والحيززة، والكَتْببة، والنصنصة، والخطْبَبة، والدَوْلَلَة، والأزْمَنة، والأَوْقَعَة، والحدثنة، والشخصنة، والـمَمْثَلة، والصدقَنة، والوَقْعَنة، والتَسَمْيُؤ،…).

ألا ترى أنّك تُحلّ لنفسك ما تُحرّمه على غيرك؟

وهو ذيّالُك، من بعض ذيّالِك!

رأيت لغة النقد العربيّ في كثيرٍ من مصطلحاتها الجديدة مغلوطٌ استعمالُها، وذلك إمّا لأنّ النقّاد يختلفون في الترجمة، فكلٌّ يتعلّق بترجمته هو ولو كانت غيرَ سليمة من حيث البناءُ والاشتقاق والمضمونُ المعرفيّ معاً؛ وإمّا لأنّهم لا يعرفون من العربيّة إلاّ قليلاً، فيقعون في المحظور، يضاف إلى ذلك انعدام ما أُطلق عليه غياب: «الحاسّة اللغويّة» لدُنْهم، فإذا هم يخبِطون في الدَّأداء، ويتيهون في الظَّلْماء.

ولا أريد أن أجنَح لخوض الحديث في هذه المسألة تفصيلاً، فإنّي عرضت لبعضٍ ممّا ذكرتَ في مواطنه من كتاباتي، إذ ربما أكون من بين القلائل الذين لا يصطنعون مصطلحاً نقديّاً جديداً إلاّ  بإخضاعه لثلاثِ حالاتٍ: أن أسأل عن شأنه أوّلَ ما استُعمل في الثقافة اليونانيّة، إن كان ذا أصلٍ أجنبيّ؛ ثمّ أنظر إليه من حيث بناؤُه وهل هو مطابق لأبْنية اللغة العربيّة أم ناشزٌ عنها، مخالِف لها؛ ثمّ أنظر فيه، أخيراً، من حيث دلالته المعرفيّة، وهل يدلّ على شيْءٍ، مضموناً… فلم نرَ أحداً، في حدود اطّلاعنا، ذكَر شيئاً، مثلاً، عن مصطلح «الإِقونة»، (بالكسر باستعمال المغاربة لأنّهم ورِثوها عن النطق الفرنسيّ)؛ أو «الأَيْقونة» (باستعمال المشارقة لأنّهم ورِثُوها عن النطق الإنجليزيّ): ذكَر ما ذا يعني هذا المصطلح في لغة أهل الغرب؟ ومن أين جاء به النقّاد الغربيّون المعاصرون؟ فيكتبونه مُقْحِمينَه في العربيّة على أنّه منها، ولا يضعونه حتّى بين قوسين، للدلالة على أجنبيّته… فلمّا جئت أستعمل معنى هذا المصطلح السيمَائيّ، في بعض كتاباتي الحداثيّة، أدركت أنّه سمةٌ حاضرةٌ، دالّة على سمة غائبة، كأثر أقدام المشي على الثلج، أو على الرمل حديثاً، ففكّرت، فرأيت أنّ هذا المعنى يمكن أن نجده في قولنا: «مُماثِل»، لأنّ السمة الحاضرة التي نراها بأعيُننا، تماثل السمة الغائبة التي لا نراها بأعيننا؛ فهي، إذن، مماثلة لها في حقيقة ماهيّتها، فكأنّها هي، بل كأنّها هي إيّاها، بمذهب الكسائيّ.

ثم ما ذا تقول، يوسُفُ؟

كلاّ! إنّي، تالله، لم أحرّم على سَوائي شيئاً، فعلى النقّاد أن يجدّدوا لغتهم، وأن يطرحوا مقابلات للمصطلحات الغربيّة فذلك يُرضيني ويسرّني كثيراً، ولا تصفّق اليد إلاّ بأختها؛ بل أُحِلّه لهم وأدعوهم إليه دعاءً، وأُغريهم به إغراءً، لكنْ ما لا أتّفق مع غيري فيه، إذا استعمل أحدُهم مصطلحاً من حُفَالَةِ اللغة، رَذْلاً دُوناً، مشكوكاً في عربيّته، ومرتاباً في معرفيّته، فيقدّمه إلى قرّائه دون تأسيس ولا تمحيص، كما كتبت منذ قليل، أو ينقله كما هو بصيغته الأجنبيّة دون مسعىً إلى تعريبه، فيعيث في العربيّة فساداً، ويصيّرها خليطاً غريباً مشوَّهاً من الكلام! وأَيْـمَا ما مثّلتَ به أنتَ من مصطلحاتي، فهو مؤسَّسٌ معرفيّاً، ومَقِيسٌ لغويّاً، أم كنت تريد أن تحملني على أن أحلّل من العربيّة حرامَها، وبلغة غيرِ دينيّة: أن أبيح منها ممنوعَها، أو أمنعَ منها مُباحَها، دون اشتقاقٍ ولا تأثيل، ودون تمحيص ولا تأصيل؟

  1. رغم ما قدّمت للأدب العربي في الجزائر، لا تزال – في بلادك- كصالح في ثمود؟!

أكلّ ما أرجوه من بلدي الكريم العزيز أنّي أموت موتة طبيعيّة فيه، أما أن أَحظى من وطني بجوائزَ، فهذا ما لا أنتظره، لأنّ القائمين على هذه الجوائز الرمزيّة يريدون أن يجعلوا منّي إغريقياً أو تايلانديّاً لا جزائريّاً؛ وإمّا لاَ، فإنّها أُعطِيت -ولا أريد أن أنقُص مِن منازلِ مَن نالوها فهم أهلٌ لها وأحقُّ بها، ليس إلاّ!- لكلِّ مَن رقص وغنّى، ولكلّ مَن ركض وجرَى، ولكلّ مَن كتب كتابةً رذلةً سَوْأَى، لا يزيد حجمها عمّا يسوَّد في دفاترَ صُغْرى؛ ولكلّ مَن لم يقدِّمْ إلى هذا الوطن إلاّ شيئاً قليلاً، وقلّ أن كان كثيراً: لَيْسِي! وكأنْ ليسَ لي إلاّ أنْ أُنشد مع رؤبةَ، مع تغيير حرْف في بيته:

عددتُ قومي كعَدِيدِ الطَّيْسِ *

إذْ جُزِيَ القومُ الكرامُ: ليْسِي!

مع أنّي قدّمت إلى أمّتي الجزائريّة العظيمة التي أفخر بالانتماء إليها، (على الرغم من إلحاح كثير من الدول في المشرق والمغرب عليّ أن أحمل جنسيّتها، بل من أعظم دولة على الأرض ممثلةً في أحد مستشرقيها بجامعة رتجرس بنيو جيرزي سنة 1985)، أكثر من سبعين كتاباً، ومثّلت ثقافتها وقِيَمَها وتاريخها ونضالها في الخارج (في بلاد العرب، وفي أوربا، وفي الولايات المتحدة الأمريكيّة) بأحسن ما استطعتُ… بل رفضت حتّى التدريس في جامعات الخليج، ولي عَقْد موقَّع بمكتبي من أجل الالتحاق بجامعة في عاصمة خليجيّة، ثمّ فكّرت فرأيت أنّ الحرّة تجوع ولا تأكل بثدييْها، فلم ألتحق بها! لكنّ وزارة الثقافة إلى اليوم لم ترَ أنّي أهلٌ لجائزة واحدةٍ تمنحها الدولة لصاحب هذا القلم الكَهَامِ… فالله المستعان عليهم:

وظلْمُ ذوي القربى أشدُّ مَضاضةً *

على المرءِ من وقْع الحسامِ المهنَّدِ!

  • كانت النية معقودة على إجراء حوار مطوّل مع العلامة الدكتور مرتاض، في سياق الحوارات التي تجريها “البصائر” بانتظام، فكان هذا الحوار الذي أرسله إلينـاـ مشكوراـ  الأستاذ الدكتور يوسف وغليسي كافيا لتلبية المطلب في التعريف بهذا العلم والتنويه بجهوده المتنوعة في الفكر والأدب والنقد والتاريخ والثقافة.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

عبد الوهاب آيت الطيب، المؤسّس لأول «إذاعة» باللغة الإنجليزية بالجزائر في حوار مع البصائر:

أن تكون شغوفا لتعلم لغة أجنبية وتسعى من أجل إتقانها حتى تتخصّص فيها هذا يسمى …