الرئيسية | في رحاب الشريعة | العام الهجري الجديد وآمال الأمة بين الثبات والتجديد/ محمد مكركب

العام الهجري الجديد وآمال الأمة بين الثبات والتجديد/ محمد مكركب

هاهو العام الواحد والأربعون وأربعمائة وألف قد أقبل على الأمة الإسلامية يحمل معه رايات الدعوة إلى إعادة مجد المسلمين بمزيد من اليقظة والانتباه والحكمة دون اشتباه، لتحقيق آمال الأمة بالثبات على الثوابت وتجديد المبادئ والقيم. أول ما يَرِنُّ في ذهن المفكر عند مطلع كل عام هو فعل العامل الزمني في عمر الإنسان وكيف ينسحب بساط الليل والنار عبر المسار التاريخي للبشر دون أن يشعر الكثير منهم، ومسألة أخرى وهي تخلف أمة اقرأ والتي لا تزال بعيدة عن القراءة ومقاصد القراءة ومنها التخلف في حساب الزمن بالتقديرات التي بين الله أصولها في القرآن ونبه إليها الرسول عليه الصلاة والسلام في السنة، قال الله تعالى:﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾[سورة البقرة:189] والحساب الفلكي العلمي بالشهور القمرية ليس هو التنجيم أو الكهانة، كما يتعلل الذين يرفضون العمل بالحساب الفلكي، فإن الحساب بالشهور حقائق علمية ثابتة، قال الله تعالى:﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾[يونس:5] وفي سورة الإسراء، وسورة يس، وفي التوبة. قال القاسمي:{ومعنى كونها ﴿مَواقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ معالم لهم في حِلِّ دَيْنِهم، ولصومهم، ولفطرهم، وأوقات حجهم، والشروط التي إلى أجل…} أي: وغير ذلك مما يقتضي معرفة التأريخ.

هذا هو العام:1441ه فما هو الحدث التاريخي الذي كان نقطة انطلاق العام الأول بالنسبة لهذا التأريخ؟ هو حدث الهجرة، هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة في العام الثالث عشر من البعثة النبوية، وهو ما يوافق 622 للميلاد.

لما حدثت بيعة العقبة الأولى والثانية وبدأ أهل المدينة يدخلون الإسلام هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة، وأحس المشركون بتنامي قوة المسلمين في المدينة، وعلموا أنه إذا ما هاجر النبي  صلى الله عليه وسلم سيكون له أتباع كثيرون ويعود إليهم بجيش لا قبل لهم به. فقرروا حبسه أو قتله أو إخراجه، واستقر رأيهم على قتله. وأنزل الله تعالى في ذلك قرآنا يتلى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَالله خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾[الأنفال: 30]

ومن هنا يبدأ أمل الأمة بالتفاؤل بذكرى الهجرة النبوية، فبالمنظور المادي أن المسلمين كانوا في مكة قبل الهجرة ضعافا وأن المشركين مع أعداء الإسلام كانوا يمكرون بالإسلام والمسلمين، فأذن الله تعالى للرسول وصحبه بالهجرة، فتحركوا وهجروا وانطلقوا وبنوا أكبر دولة في المدينة المنورة.

روى ابن هشام عن ابن إسحاق. أنه قال:{فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج، أتى أبا بكر ابن أبي قحافة، فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته، ثم عمد إلى غار ثور، فدخلاه، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله بن أبي بكر أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر، وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره، ثم يريحها عليهما، يأتيهما إذا أمسى في الغار. وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما}[س.ابن هشام:1/485].

هذا يعني أن الهجرة لم تكن هروبا بحتا في غير هدف ولا تخطيط، وإنما كانت تحولا وانتقالا لمواصلة وتجديد طرائق ووسائل الدعوة إلى الله تعالى، لمواصلة الجهاد في سبيله  سبحانه وتعالى.

والمطلوب من الشعوب الإسلامية اليوم أن تفكر في الأمناء الذي يَصْلُحون للرفقة في الهجرة من التخلف إلى التقدم، والخروج من قبضة أخطبوط الهيمنة الكافرة التي تمتص ثروات البلدان المتخلفة، فإن الكفار بالتعاون مع المستبدين الجاهلين ينهبون ويسرقون ثروات الشعوب ليبنوا بها حضارتهم المادية ويتركون الشعوب العربية في الفقر والنزاع والحروب بينهم.

فعلى المسلمين أن يتعلموا من الهجرة:1 ـ التخطيط. 2 ـ والتضحية. والبحث عن الرجل الأمين الذي يصلح للرفقة ويصلح للقيادة ويصلح لحفظ الأمانة، الذي يكون أمينا على  قيم الأمة وثوابتها، وأمينا على شباب الأمة وثرواتها، وعلى الدفاع عن الوطن ويضحي بنفسه وبوقته وبجهده كله لخدمة الأمة. 3 ـ يتعلم المسلمون من الهجرة درسا عظيما في حفظ الأمانة، بأن لا يخونوا مسلما ولا غير مسلم. نعم يتعلمون ذلك من دروس الهجرة. قال ابن هشام عن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه:(بقي علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بمكة، حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس، فلما فرغ منها، لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم)[س.ابن هشام:1/493] فالمسلم لا يخون المواثيق ولا يضيع الأمانات في كل الظروف والحالات، فهذا رسول الله أهل مكة يحاولون قتله وهم يطاردونه وعلى مسمع من كل سكان مكة، وهو صلى الله عليه وسلم مع ذلك يفكر كيف يحفظ لهم ودائعهم ولا يخونهم. فكيف ببعض الحكام الذين ما سلمت منهم ودائع أمتهم فخانوها؟ فالمستقبل لا يبنى إلا بالأمناء البصراء الصلحاء.

وليعلم المسلمون اليوم كما علم الصحابة بالأمس بأن المسلم مطالب بالنية والعزم وحسن التوكل الحقيقي على الله تعالى، ثم يقف على رجليه ويرفع رأسه متواضعا لله غير مستكبر، ويتعاون مع إخوانه ويمضي في بناء وطنه لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، فإن اتحد المسلمون وتوكلوا على الله حق التوكل وولوا عليهم أمراء علماء يخافون الله ويحفظون أمانات الأمة ويسيرون على هدي رسول الله لبلغوا المجد الذي وعد به رب العالمين، لا تحول بينهم وبين مجدهم أية قوة ولو اجتمع كل كفار العالم، فلن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا، أبدا إلا إذا ظل المسلمون على حال نزاعهم يهلك بعضهم بعضا، ويدمر ويخون بعضهم بعضا.

وهل هذا الدرس من الهجرة أيضا؟ نعم من الهجرة. قال الله تعالى:﴿إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[التوبة:40].

لماذا بعض الحكام يخافون حكام الكفار أكثر مما يخافون ربهم؟ لأنهم لم يقرؤوا القرآن ولم يعملوا بالقرآن، ومن ثم لأن إيمانهم غير كامل. هل قرؤوا هذه الآيات؟ أم قرؤوها ولم يفقهوها؟ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾[آل عمران:173] قال الله تعالى:﴿فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[آل عمران:175] وإلا لماذا حكام المسلمين ومنهم حكام كل العرب يملكون كل ما يحتاجون إليه: الأرض والثروات والمال والشباب، نعم والشباب وهو الزاد الحقيقي لبناء الدول، ومع ذلك يعيشون الضعف والهوان؟ إن الشعوب العربية بالخصوص تحتاج إلى هجرة معنوية إلى نقلة نوعية، هجران الواقع المؤلم، واقع التخلف والتبعية والنزاع الجهوي، هجران واقع التقيد بهيمنة الغرب (اصطلاحا) والهجرة إلى الله تعالى بالإيمان الحق، وتمتين الأخوة الإيمانية. كانت سياسة العلم والحكمة التي هاجر بها الرسول، وبنى بها الدولة العظيمة في المدينة المنورة، 1 ـ التدين الصحيح فأول عمل بدأ بها بناء المسجد. 2 ـ وحدة المجتمع بضبط الانتماء الإيماني السياسي فأقام الأخوة بين المسلمين. 3 ـ ثم أمر بدستورية الوثيقة التي تبين مقاصد القرآن والسنة ليعيش الناس في أمن وأمان، وما يعرف في المصطلحات المعاصرة بالمواطنة، مواطنة العدل والمساواة والحرية والأمن والسكينة.

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الموضوع: الصدقة الجارية كل عمل صالح يستمر زمنا فيه نفع للناس./ محمد مكركب

قالت السائلة: رزقني الله أرضا فاقتطعت منها قطعة وأوقفتها في سبيل الله أريد أن تكون …