الرئيسية | في رحاب الشريعة | فتاوى | العفو والصفح على من أساء. ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾./ محمد مكركب

العفو والصفح على من أساء. ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾./ محمد مكركب

قالت السائلة: إن والد زوجها اتهمها في شرفها وأساء إليها فأقسمت بالله أن تقاطعه، أي أن تعاديه وتهجره، قالت: وزوجها (يعني ولده) يشهد بأن والده ظلمني حقا، حيث لَبَّس لي تهمة أنا بريئة منها، وأحزنني وعائلتي، بسبب نشر خبر القذف في جريدة. وهو يحتاج مني خدمات فمنعتها عنه وقررت الانتقام منه. ولامني بعض أهله، فهل أنا مخطئة عندما انتصرت لنفسي على حق؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.

أولا: قال الله تعالى:﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[النور:22] روى المفسرون أنه كان أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه ينفق على(مسطح بن أُثاثة) لمسكنته وقرابته، فلما وقع أمر الإِفك واتهمت عائشة بنت أبي بكر الصديق وزوجة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال فيه مسطحٌ ما قال من القول بالإفك نقلا، حلف أبو بكر ألا ينفق عليه ولا ينفعه بنافعةٍ أبداً، فأنزل الله الاية:﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ..﴾ فعندما سمعها أبو بكر قال:(واللهِ إني لأحبُ أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبداً) كل ذلك امتثالا لأمر الله تعالى، ولما كان في قلب أبي بكر من الرحمة والعطف والحنان مع قوة الإيمان. فكان قادرا على أن يضر من اتهم ابنته ولكنه فضل العفو والصفح عند القدرة. ومن هذا الخبر تعلم السائلة أن الأفضل لها أن تعفو وأن تترك أمر من اتهمها إلى الله تعالى وأن تواصل نفعه إن استطاعت. قال الله تعال:﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾[البقرة:237] ومن الأقوال الحسنة (صِلْ من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك) والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

ثانيا: قال الله تعالى:﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾[الأحزاب:58] نقول للذين يطلقون ألسنتهم في أعراض الناس أنه من الجرائم الكبيرة (القذف) يعني اتهام الناس بالفواحش وغيرها، وإيذاء الناس ظلم، ولا يجوز للمسلم ولا للمسلمة مجرد نقل الخبر، بمعنى من سمع الناس يتكلمون بالسوء في شخص، فلا يتكلم بذلك ولا يذكره وكأنه لم يسمعه قط. لاتسأل عن كلام وأخبار السوء عن الناس أبدا، وإن سئلت وكنت سمعت الْقَذَفَةَ والأبْوَاق الْمُرجفة، فلا تجب السائل ولا تقبل منه أن يفتح الكلام في موضوع القذف أبدا.  قال الله تعالى:﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:15] فهذا الذي قذف كنته واتهمها في شرفها ارتكب كبيرة من الكبائر يجب عليه ـ إن كان له عقل ـ أن يتوب إلى الله توبة نصوحا، وأن يعلن لمن قال لهم بأنه كان مخطئا وتاب. والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

ثالثا: هل يجوز لرجال الإعلام أن ينشروا أخبار القذف عبر وسائل الإعلام؟ لا يجوز للصحفيين وسائر الإعلاميين نقل أخبار القذف وسائر الاتهامات. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هَذَا بُهْتانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[النور:16/17] والقاعدة الخلقية [لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه] أنت أيها الصحفي أو أنت أيها الناقل اتهامات الناس، هل ترضاه لنفسك لو كنت أنت المتهم؟ هل الستر أولى أم الفضيحة؟ والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

يجوز للمرأة السفر مع الرفقة المأمونة، أو مع زوجها، للقيام بأعمال تخدم الدين والمسلمين/ محمد مكركب

قالت السائلة: أنا طبيبة مسلمة ولي خبرة وتجربة في الجراحة الاستعجالية، بالإضافة إلى معلومات كافية …