الرئيسية | وراء الأحداث | ذكرى مؤتمر الصومام … محطة للتقسيم والتأزيم ؟/ عبد الحميد عبدوس

ذكرى مؤتمر الصومام … محطة للتقسيم والتأزيم ؟/ عبد الحميد عبدوس

أصبح من المألوف في السنوات الأخيرة أن يسارع ممثلو الأقلية اللائكية التغريبية، مع حلول كل مناسبة لإحياء الذكرى السنوية لمؤتمر الصومام ( 20 أوت 1956) إلى محاولة غرس إيديولوجيتهم اللقيطة في عمق التاريخ الوطني، وذلك من خلال إسقاط تأويلات وقراءات مغرضة على أرضية مؤتمر الصومام التي يعتبرون أنها هي التي وضعت الأساس لبناء الدولة الجزائرية المستقلة، جاعلين من محطة تاريخية وطنية مجيدة منطلقا للتقسيم والتأزيم، بدل استغلال معاني الذكرى للحفاظ على الذاكرة الجماعية وتقوية أواصر الوحدة الوطنية وتغذية الأجيال الصاعدة بروح النضال والتضحية من أجل السيادة الوطنية ورفض التبعية الأجنبية.

ومع تواصل فعاليات الحراك الشعبي الذي ميز الساحة الوطنية منذ انطلاقه في 22 فيفري الماضي من هذه السنة (2019) أصبح ممثلو هذا التيار بتشكيلاتهم السياسية ومنابرهم الإعلامية يدعون أن استعادة فلسفة أرضية الصومام أصبحت مطلبا شعبيا من خلال الشعارات والهتافات التي يرددها بعض نشطاء الحراك الشعبي على غرار شعار:” دولة مدنية، ماشي عسكرية”( دولة مدنية لا عسكرية)، استمدادا من أحد بنود ميثاق الصومام المتمثل في أولوية السياسي على العسكري، وأن القطيعة تمت مع هذه الأرضية في سنة 1962بعد الانقلاب الذي قام به ضباط الجيش على الحكومة المؤقتة وأرضية الصومام، ويتناسى ممثلو الأقلية التغريبية الداعين إلى دولة لائكية ومتنكرة للمبادئ الإسلامية باستغلالهم لبعض الشعارات التي أصبحت ترفع في مسيرات الحراك الشعبي، أن الحراك المبارك الذي حرر الإرادة الشعبية خرج يوم22  فيفري الماضي من مساجد العاصمة وليس من حانات وملاهي الجزائر.

ورغم ذلك فقد استغلت أحزاب “قوى البديل الديمقراطي” المطالبة بمرحلة انتقالية وتعيين مجلس تأسيسي، والمعارضة للحوار الوطني وتنظيم انتخابات رئاسية للخروج من الأزمة في أقرب فرصة ممكنة، حلول الذكرى الثالثة والستين لمؤتمر الصومام لتجتمع بمدينة إيفري  ببجاية التي احتضنت مؤتمر الصومام في 20 أوت 1956، لتأكيد تمسكها بمبادئ مؤتمر الصومام داعية إلى “استعادة التاريخ ومصالحته مع الحاضر لبناء مستقبل أفضل”، ولم يتميز من بين هؤلاء السياسيين الساعين لاحتكار مبادئ أرضية الصومام، إلا موقف فتحي غراس منسق الحركة الديمقراطية والاجتماعية الذي دعا إلى:”عدم التورط في الدعوات لتقسيم تاريخنا، والحفاظ على ذاكرة وتاريخ حرب التحرير المجيدة سليمة لأن مؤتمر الصومام كان الاستمرارية والاستمرار المنطقي لحركة الفاتح نوفمبر 1954”

أما  الدكتور بلعيد رمضان (ابن عم الشهيد عبان رمضان) فقد ذهب في حوار له في جريدة “ليبرتي” الناطقة بالفرنسية، الصادرة يوم 20 أوت 2019 إلى اعتبار بيان نوفمبر مجرد شرارة للثورة، أما المنطلق الإيديولوجي للثورة فهو أرضية الصومام. وبخصوص الشعار المرفوع من طرف قطاع واسع من شباب الحراك:” نوفمبرية باديسية”  قال بلعيد رمضان أن هذا الشعار هو تزوير للتاريخ لأن ابن باديس والعقبي كانا اندماجيين، ولم يكونا يتصوران الأمة الجزائرية إلا في إطار الدولة الفرنسية، كما أن كلمة “استقلال” لم تكن تتردد على ألسنة العلماء قبل سنة 1956. وحتى إن لم ينكر الدكتور بلعيد عبان دور جمعية العلماء في إحداث النهضة الوطنية، وأهمية الحفاظ على الإسلام في مواجهة ظلام الليل الاحتلالي، إلا أنه يدعي، في نفس الحوار، أنه لم يتم إنقاذ المستقبل السياسي لجمعية العلماء إلا بفضل عبان رمضان.

ليس من شأني هنا مناقشة أفكار الدكتور بلعيد عبان وهو أستاذ وباحث جامعي متخصص في التاريخ، ولكن من الواجب على كل من يطلع على الافتراءات المتداولة في حق إمام النهضة الجزائرية الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس ـ عليه رحمة الله ورضوانه ـ أن يذكر بحقائق تاريخية مدونة ومعروفة وهي موقف الإمام عبد الحميد بن باديس من فكرة وسياسة الإدماج والواردة في نشيده الخالد:

شعب الجزائر مسلم     وإلى العروبة ينتسب

من قال حاد عن أصله     أوقال مات فقد كذب

أو رام إدماجا له          رام المحال من الطلب

هذا النشيد كتبه الشيخ ابن باديس في سنة 1937، وكان معروفا عند الجزائريين وعند المهتمين بالشأن الجزائري من سلطات الاحتلال الفرنسي، أما بخصوص عدم ورود كلمة ” استقلال” على ألسنة العلماء، فقد كتب الشيخ ابن باديس في سنة 1937م مقالا في مجلة الشهاب تحت عنوان:(حول كلمتنا الصريحة) قال فيها:”إن الاستقلال حق طبيعي لكل أمة – من أمم الدنيا– وقد استقلت أمم كانت دوننا في القوة والعلم والمنعة والحضارة، ولسنا من الذين يدعون علم الغيب مع الله، ويقولون أن حالة الجزائر الحاضرة ستدوم إلى الأبد، وتتغير فيه السياسة الاستعمارية، وتصبح البلاد الجزائرية مستقلة استقلالا واسعا تعتمد عليها فرنسا اعتماد الحر على الحر” . كل هذا صرح به وكتب الشيخ عبد الحميد بن باديس أول رئيس لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين في سنة 1937، وليس بعد سنة 1956.

وفي العام الماضي(2018) وعشية إحياء الذكرى الثانية والستين لمؤتمر الصومام التاريخي ألقى  الدكتور سعيد سعدي الرئيس السابق لحزب”التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية” بمدينة أوقاس ببجاية محاضرة حول مؤتمر الصومام، نشرت جريدة “الوطن” الناطقة بالفرنسية في 20 أوت 2018 نص المحاضرة تحت عنوان (أرضية الصومام: معالم، ومكتسبات سياسية، ومرجعيات تاريخية) وذهب سعدي في المحاضرة إلى أن وثيقة الصومام التي اعتبرها بمثابة النص المؤسس للجزائر الحديثة، جاءت لتؤكد على مبدأ اللائكية وتشذيب الفظاظة الدينية الواردة في نداء أول نوفمبر.

في المقابل سبق  للمجاهد المرحوم العقيد عمار بن عودة عضو مجموعة 22 التاريخية أن اعتبر أن مؤتمر الصومام جاء لتغيير الاتجاه الإيديولوجي للثورة من اتجاه عربي إسلامي إلى اتجاه علماني ذي توجه غربي، حيث قال في حوار مع جريدة (الخبر)  في 6 مارس 2012، أي قبل حوالي 6 سنوات من رحيله في فيفري 2018:” كنت ضد مؤتمر الصومام مائة بالمائة؛ لأن كل محتوى الوثيقة كان بعيدا عن بيان أول نوفمبر 1954، الذي تضمن بناء دولة على مبادئ الدين الإسلامي، حوّلنا مؤتمر الصومام إلى اللائكية وإلحاد الشيوعية، وكل ما جاء به عبان رمضان في الديباجة كان بإيعاز من المسمى أوزفان، وهو سكرتير سابق في الحزب الشيوعي” .

وإذا كان من غير المرجح أن ينتهي الجدل حول مغزى وأهداف ميثاق الصومام، أو غيره من الأحداث التاريخية الأخرى، إلا أنه ليس من الحكمة تحويل الذكريات التاريخية الوطنية إلى محطات للتقسيم والتأزيم بإعادة النفخ والتضخيم لخلافات لم تعرقل من صدرت عنهم تلك الخلافات والاجتهادات على وضع الوحدة الوطنية فوق كل اعتبار.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

لماذا يرفض ” الديمقراطيون ” الحوار والانتخابات؟/ عبد الحميد عبدوس

في بداية تسعينيات القرن الماضي، وعلى مقربة من موعد الانتخابات التشريعية، رفع أنصار الجبهة الإسلامية …