الرئيسية | في رحاب الشريعة | الرّتب والألقاب في الإسلام/ محمّد بن حامد بومشرة السّنوسي

الرّتب والألقاب في الإسلام/ محمّد بن حامد بومشرة السّنوسي

اعتنى الإسلام كعادته بكلّ ما هو جميل في هذا الوجود، لأنّها من مخلوقات الله تعالى فقد قدّرها وسخّرها للإنسان العاقل ليجعلها له آية من آياته تعالى، وأحيانا أقسم بها جلّ جلاله لما لها من أهمّية في حياة الإنسان، كالوقت فمرّة أقسم الله عزّ وجلّ بالفجر واللّيل والعصر والضّحى… ومرّة أقسم بالتّين والزّيتون..

واقتفى الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم ذلك للرّفع من شأن صحابته الكرام رضي الله تعالى عنهم أجمعين لنحترمهم من جهة ويهابهم العدوّ من جهة أخرى، وفي الوقت نفسه يقلّل من شأن أعدائه حتّى يضعفوا في قرارة أنفسهم بين قومهم وعند المسلمين.

فالصّحابة الكرام الذين نالوا هذا الشّرف في الألقاب أو الرّتب كثير، نذكر منهم أوّل خليفة في الإسلام بعد وفاة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ألا وهو سيّدنا أبو بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه الذي لقّبه عليه الصّلاة والسّلام بالصّدّيق، فلا نذكره رضي الله تعالى عنه إلاّ وقلنا أبو بكر الصّدّيق رضي الله تعالى عنه.

فلُقّب بالصّدّيق لكونه كان يصدّق كلّ ما جاء به الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، آخرها تصديقه المطلق بدون قيد أو شرط حادثة الإسراء والمعراج. لمّا أخبره أحد كبار قريش متعجّبا بالحادثة أن اسمع ماذا يقول صاحبك: لقد أسري به اللّيلة من مكّة إلى بيت المقدس!

فردّ عليه أبو بكر الصّدّيق رضي الله تعالى عنه وأرضاه بكلّ ثقة وجدّ، وهو لا يعلم بإعراجه إلى سدرة المنتهى: أصدّقه ولو قال أنّه أُعرج به إلى السّماء السّابعة! فأدبر من أخبره، فلقّبه الرّسول صلّى الله عليه وسلّم بالصّدّيق لمّا بلغ ذلك الرّدّ من خليله وأوّل من آمن به وصدّق بما جاء به.

ولقّب عليه الصّلاة والسّلام عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه بالفاروق، لأنّه فرّق بين أصحاب الحقّ ليظهروا أكثر وأصحاب الباطل ليتراجعوا. وازداد المسلمون قوّة حين تجرّأ في وسط الميدان ليقول لصناديد قريش: من أراد أن يرمّل زوجه، أومن أراد أن ييتّم أولاده فليتبعني.

ولقّب عليه الصّلاة والسّلام عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنه وأرضاه بذي النّورين لأنّه تزوّج ابنتي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رقيّة وبعد وفاتها أمّ كلثوم.

ولقّب عليه الصّلاة والسّلام عليا بن أبي طالب كرّم الله وجهه بباب مدينة العلم، قائلا: أنا مدينة العلم وعليّ بابها. لأنّ يوم أسلم عليّ بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو ابن عمّه الشّقيق، قال له عليه الصّلاة والسّلام: ألا استأذنت أباك؟ ردّ عليه عليّ كرّم الله وجهه: وهل استأذن ربّي أبي يوم أراد أن يخلقني؟

كما لقّب عليه الصّلاة والسّلام الصّحابي الجليل عبيدة عامر بن الجرّاح بأمين هذه الأمّة، حتّى أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه يوم أحسّ باقتراب أجله عيّنه أمينا عامًا في اللّجنة الشّوريّة والفعلية لاختيار خليفة المسلمين بعد وفاة عمر.

كما لقّب عليه الصّلاة والسّلام القائد خالد بن الوليد بسيف الله المسلول بعدما كان مسلولا على المسلمين، ليمحو له ما سبق ويفتح عهدا جديدا مع المسلمين وربّ المسلمين. وينسى خالد ما فعله بهم يوم كان سيفه مسلولا عليهم.

وعيّن عليه الصّلاة والسّلام بلال بن رباح مؤذّنا للصّلاة بالمسجد النّبوي بالمدينة المنوّرة، كأنّه تتويج وتكريم له، على تحمّله عذاب المشركين العذاب الشّديد وهو يردّد أحد… أحد، الفرد الصّمد والصّخرة موضوعة على صدره. فلقّب في أوساط الصّحابة الكرام بمؤذّن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

كما لقّب عليه الصّلاة والسّلام حسّان بن ثابت رضي الله تعالى عنه بشاعر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. كانت أشعاره كالنّبال على كفّار قريش، فشجّعه الرّسول عليه الصّلاة والسّلام قائلا: “أاهجهم وروح القدس معك”.

كما لقّب عليه الصّلاة والسّلام عمرو بن العاص رضي الله عنه بداهية العرب لكونه أحد الدّهاة فوق العادة من العرب في الجاهلية واستعمل دهاءه في الإسلام.

كما لقّب عليه الصّلاة والسّلام عمّه حمزة بأسد الله، لأنّه كان يجول في الصّحراء ويصطاد حيواناتها، ويتمتّع بالنّظر في مخلوقات الله تعالى.

كما لقّب عليه الصّلاة والسّلام الصّحابي الجليل عبد الرّحمن بن صخر الدّوسي الأكثر رواية لأحاديث الرّسول صلّى الله عليه وسلّم بأبي هريرة لاصطحابه هرّة صغيرة كلّ لحظة.

ولقّب عليه الصّلاة والسّلام أسامة بن زيد بن الحارث بحِبّ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم وبابن الحِبّ، لأنّ أباه اختار محمّدا خليلا بل في مرتبة الأب يوم جاء والده وكبار عشيرته من أقصى المدينة لمّا بلغهم أنّ ابنهم زيدا في مكّة المكرّمة عند رجل من خيرة الرّجال بل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. بعدما بحثوا عنه مدّة طويلة من الغياب الإجباري ويوم وجدوه خيّروه بين أمرين الرّجوع إلى عشيرته أو المكوث مع النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فاختار البقاء مع الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، عليه أفضل الصّلاة والتّسليم.

كما لقّب عليه الصّلاة والسّلام نساءه بأمّهات المؤمنين، وخصّ أمّنا عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها بوصف في قوله صلّى الله عليه وسلّم: “خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء”. أي شديدة البياض.

كما لقّب عليه الصّلاة والسّلام أسماء بنت أبي بكر الصّدّيق أخت أمّنا عائشة رضي الله تعالى عنهما بذات النّطاقين، لكونها مجاهدة من الطّراز الأوّل في الإسلام حين كانت تحمل الأكل للرّسول صلّى الله عليه وسلّم وأبيها وهما في غار ثور يوم قرّر عليه الصّلاة والسّلام الهجرة من مكّة المكرّمة إلى المدينة المنوّرة.

كانت أسماء تضع الأكل والشّراب تحت عباءتها الأولى ثمّ تلفّ حولها بالحزام الأوّل حتّى لا يقع ما تحمله من زاد، ثمّ تلبس عباءة ثانية بحزام ثان، ويوم ألقي عليها القبض في طريقها إلى الغار بادرت كبار قريش بحلّ النّطاق الثّاني وإسدال العباءة الثّانية على أنّها لا تحمل شيئا.

وكانت العملية متكرّرة وناجحة مدّة بقاء الرّسول صلّى الله عليه وسلّم وأبيها أبا بكر رضي الله تعالى عنه في غار ثور. فلقّبها عليه الصّلاة والسّلام بذات النّطاقين.

وهؤلاء الرّجال والنّساء الذين هم حول النّبي صلّى الله عليه وسلّم لهم وزنهم وقدرهم في المجتمع الإسلامي وحتّى عند ربّ العزّة، كيف لا وقد بشّرهم عليه الصّلاة والسّلام بالجنّة، ولم يغيّروا ولم يبدّلوا تبديلا.

إنّ هذه الألقاب والأوصاف من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لصحابته الكرام رضي الله تعالى عليهم أجمعين تزيدهم فخرا وتيها ليس على كفّار قريش فحسب، بل حتّى على كفّار الفرس والرّوم والرّوس وأمريكا وأوربا… وكلّ من كان على شاكلتهم، وحتّى لا يُدهشوننا بألقابهم كالكونت والدّوق واللّورد والأمبرطور وصاحب أو صاحبة الجلالة…

وهذه الألقاب والأوصاف الرّفيعة من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما هي إلاّ سنّة حميدة للوالدين والمربّين والدّعاة لأنْ يجعلوا لأبنائهم وتلامذتهم وأتباعهم ومؤيّديهم ألقابا ترفع من شأنهم وتفتح لهم شهية العمل لله تعالى والانضباط في المواعيد، حتّى يقدّرهم القاصي والدّاني ويهابهم العدوّ مستقبلا.

أمّا الألقاب التي لُقّب بها بعض العلماء كالأعمش والأعرج والأعمى أو الكفيف وذي الشّمالين ما هي إلاّ ألقاب لم تنقص من أصحابها شيئا بل كانت فيهم ولم تزدهم إلاّ تألّقا في اختصاصهم العِلمي، وهي سبّة وإهانة للأصحّاء الذين لا يعملون ولا يشتغلون.

وهذه جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين تدرك هذا ولم تفوّت الألقاب لمن يستحقّونها بحقّ كشاعر الشّباب محمّد العيد آل خليفة والشّيخ العلاّمة عبد الحميد بن باديس الملقّب بحقّ برائد النّهضة الجزائرية والشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي الملقّب بـإمام اللّغة العربية،  وحتّى استعمالهم لقب شاعر الثّورة لمفدي زكرياء في كتاباتهم وخطبهم.

وهؤلاء مفكّرو جمهورية مصر العربية وأدباؤها وعلماؤها وشعراؤها وريّاضيّوها وحتّى فنّانوها يلقِّبون بعضهم البعض بألقاب ذات رفعة تزيدهم همّة وعطاء.

فهذا أحمد شوقي يلقّب بأمير الشّعراء، وهذا حافظ إبراهيم يلقّب بشاعر النّيل، وهذا طه حسين يلقّب بعميد الأدب العربي، وهذا شكيب أرسلان الملقّب بأمير البيان، وهذه عائشة عبد الرّحمن الملقّبة ببنت الشّاطئ.

وهذا لاعب كرة يلقّب بالكابتن أي القائد، وهذه السّيّدة أم كلثوم الملقّبة بسيّدة الطّرب العربي، وتلك سيّدة الشّاشة العربية وذاك العندليب الأسمر…

وبالمقابل صنّف عليه الصّلاة والسّلام رؤوس الفتنة في عهده بألقاب تقلّل من شأنهم وتضعف عزيمتهم، مازالت تُذكر إلى يومنا هذا رغم مرور القرون عليها لأنّ التّاريخ لا يرحم فسجّلها عليهم.

منهم الطّاغوت الأكبر عمرو بن هشام الملقّب بين قومه بأبي الحكم، ولمّا كانت تصرّفاته الشّديدة والعدائية لكلّ من أعلن الشّهادتين ذكرا كان أو أنثى، لقّبه عليه الصّلاة والسّلام بأبي جهل عوض أبي الحكم.

كما لقّب عليه الصّلاة والسّلام مسيلمة مدّعي النّبوّة ونزول الوحي عليه باليمامة بالكذّاب، فنال من رسول الله عليه الصّلاة والسّلام شهادة أرفع وسام في الإهانة، وأعلى وصف في النّفاق لأنّه إذا حدّث كذب، إنّه مسيلمة الكذّاب.

وهناك ألقاب ورتب أخرى وبروتوكولات أيّدها الإسلام كالخليفة وأمير المؤمنين وسيّد الشّهداء وسيّد شباب أهل الجنّة، وشيخ الإسلام وحجّة الإسلام، والحكيم وهو الطّبيب والقائد والحاج والشّيخ والإمام والعالم والعلاّمة والأستاذ والدّكتور وفخامة الرّئيس ومعالي الوزير والسّيّد…

وهناك ألقاب أخرى في غير موضعها يقول عنها أحد الشّعراء لا فض فوه:

ممّا يزهدني في أرض أندلس

أسماء مقتدر فيها ومعتضد

ألقاب مملكة في غير موضعها

كالهرّ يحكي انتفاخا صولة الأسد

عن المحرر

شاهد أيضاً

العام الهجري الجديد وآمال الأمة بين الثبات والتجديد/ محمد مكركب

هاهو العام الواحد والأربعون وأربعمائة وألف قد أقبل على الأمة الإسلامية يحمل معه رايات الدعوة …