الرئيسية | قضايا و آراء | الاقتداء بجمعية العلماء المسلمين في هذه الظروف واجب وطني/ أبو شاهين حمزة بن سعدون

الاقتداء بجمعية العلماء المسلمين في هذه الظروف واجب وطني/ أبو شاهين حمزة بن سعدون

في خضم ما تمر به الجزائر اليوم من تحول سياسي؛ كثرت الكثير من المظاهر على الساحة الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي.  فقد أصبح بعضنا يسفّه بعضا، ووصل الأمر إلى المزايدة بالوطنية، بل تعداه إلى التخوين !!! وهو أمر غير صحي بالنسبة لأمة تريد النهوض من جديد. لذلك وجب علينا استحضار منهج جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في التعامل مع مختلف الظروف؛ نظرا للنجاحات التي حققها – أي المنهج – في السير نحو بناء المجتمع، بعيدا عن التعصب والمغالاة.

لاستخلاص هذا المنهج ارتأيت أن أعرّج قليلا على بعض محطات الجمعية التاريخية، والتي من خلالها برزت كعنصر أساسي في تماسك المجتمع واستمراريته.

ولنبدأ بمرحلة الاستعمار، حيث كان المجتمع يعاني من ويلات التجهيل المقنن منذ الأيام الأولى للحملة العسكرية على الجزائر، أين عمدت السلطة العسكرية على تأميم الأوقاف وتدمير الكتاتيب والزوايا التي كانت – أقصد الزوايا – في الأصل رباطا للجهاد، ثم تطورت إلى مراكز للتعليم والعبادة، وبفعل فاعل أصبحت مقاما وضريحا ومزارا لأحد المرابطين، ثم ازداد الأمر سوءا ليصبح هذا المفهوم يدل في الزمن القريب على مقر الشيخ حامل البركة والمتصوف – أي الطرقي – الذي ليس له علاقة لا بالجهاد ولا بالتعليم ولا بالعبادة.

لم يكتف الاستعمار بتدمير مدارسنا، ولكن تعدّاه إلى استحداث مدارس الهدف منها طمس هوية المجتمع، مثل مدارس التعليم المزدوج، والتي أقرتها السلطة العسكرية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، قصد إدماج الشعب الجزائري في الثقافة الفرنسية، وسلخه من شخصيته العربية والإسلامية، حيث يتعلم الأطفال المواد الأولية من اللغة الفرنسية والكتابة والحساب كما في فرنسا، بالإضافة إلى بعض الفتات من دروس اللغة العربية.  وهكذا تم السيطرة على التعليم التقليدي ومؤسساته ورجاله.  رغم الويلات التي عانى منها المجتمع جراء هذه السياسة إلا أن الكولون – أي المستوطنون – فضلوا عدم تعليم الجزائريين أصلا، وهو ما أدى إلى فشل مشروع مدارس التعليم المزدوج، بحجة رفض الكولون تعليم أبنائهم جنبا إلى جنب مع أبناء الجزائريين.

بعد تأسيس الجمهورية الثالثة في فرنسا استحدثت السلطات الاستعمارية نمطا جديدا من المدارس، وبنفس الأهداف، والذي سمي بمدارس الأهالي، وهو تعليم تسيطر عليه الروح اللاتينية والمسيحية رغم الادعاء بأنه تعليم علماني.  وكان هذا النظام لا يعتبر الفرد الجزائري مواطنا جزائريا، وإنما يعتبره أهليا أو فردا لا قيمة له، فحياته مرتبطة بسيده المالك لرأس المال، وكأنه خلق لخدمة المستعمر. ونتيجة لضغط الكولون والمصرّين على عدم تعليم الجزائريين وقصر تعليمهم على تكوين اليد العاملة التي تشتغل لديهم بأجور رخيصة، أي تعليم مهني فلاحي تطبيقي، دون الاهتمام بالمستوى التعليمي والثقافي.  بدأ مشروع المدارس الأهلية يفشل؛ حيث تقاعست البلديات في تخصيص ميزانية له، نظرا لأن تسيير هذه المدارس كان مسندا إليها.

انتقل المستعمر إلى مناورة جديدة في سلسلة تجهيل هذا الشعب، حيث أنشأ مدارس قوربي gourbis ، وهي مدارس ذات برامج ضعيفة جدا هدفها طمس ما تبقى من هوية هذا الشعب.

في ظل هذه الظروف؛ والتي استمرت إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى؛ تأسست جمعية العلماء الجزائريين سنة 1931، والتي عمدت إلى إعادة بعث التعليم الإسلامي، حيث استطاعت إرسال 1270 طالبا سنة 1954 إلى جامع الزيتونة بتونس، والقرويين بفاس، والأزهر الشريف بمصر رغم محاولة الاحتلال التشويش على التعليم الحر، من خلال إنشاء المدارس الحكومية الإسلامية والتي تدرّس الفقه والمواد الدينية الإسلامية واللغة العربية، لكنها تخضع لإشراف المستعمر.

واصلت جمعية العلماء عملها في صمت، حيث استطاعت سنة 1950 الوصول إلى 124 مدرسة تشرف عليها، بمجموع تلاميذ فاق الـ40  ألفا، كما أنشأت في قسنطينة معهد ابن باديس القانوني الذي يتولى تكوين المعلمين والطلبة المدعوين لمواصلة تعليمهم في فاس وتونس ومصر.

المنهج الباديسي:  يشيع عن الشيخ رحمه الله محاربته للبدع باعتبارها دسائس استعمارية تهدف إلى تحريف مرجعية الشعب الجزائري، ولكن كيف كان منهجه في ذلك؟ لعله ذهب إلى الأضرحة والمقامات فهدمها !؟ أو صعد على منبره فأخذ يشتم هذا وذاك!؟

انطلاقا من مبدأ أن الطبيعة لا تقبل الفراغ عمد الشيخ خصوصا وأبناء الجمعية عموما إلى نشر الفكر الوسطي، الخالي من أي بدعة أو تعصب، فبمجرد أن تصحح أفكار الناس ستأخذ الأفكار الهدّامة في الاضمحلال تلقائيا في عقولهم.

في المقابل وفي عصرنا هذا بدل أن يسعى أعداء الجمعية لنشر أفكارهم، عمدوا إلى محاولة إفشال مشروعها بشتى الطرق، انطلاقا من قاعدة إذا لم تستطع أن تنجح فحاول إفشال الآخرين.  ومن بين هذه المحاولات إشاعة فكرة أن الجمعية لم تفجر ثورة نوفمبر، وقد نسي هؤلاء أن ما كان يردده المجاهدون في الجبهات بقولهم “الله أكبر تحيا الجزائر”  ما هو إلا تجسيد لشعار الجمعية الذي يربط بين الإسلام والوطن واللغة.

الجمعية بعد الاستقلال:  كما هو معلوم فإن القيادة الجديدة للجزائر المستقلة اختارت منهجا اشتراكيا بعد الاستقلال، وهو ما دفع الشيخ البشير الابراهيمي رحمه الله لإصدار بيان تنديدي بالتخلي عن مبادئ الشريعة الإسلامية سنة 1964، مما كلفه حبسه بالإقامة الجبرية حتى وافته المنية سنة 1965.

لقد كان هذا بمثابة درس سجل في تاريخ هذا الشعب – ويا ليته استفاد منه – حيث كانت للشيخ الابراهيمي الشجاعة الكافية لقول كلمة الحق، لكن دون تجريح أو تكفير أو تلويح بالسلاح، وإنما سلك في ذلك مسلك الأنبياء والصالحين في استعمال الحكمة والموعظة الحسنة والصبر على الشدائد.

في مطلع الثمانينيات بدأت ارهاصات الصحوة الإسلامية تظهر، وكان لزاما على أبناء الجمعية أن يكونوا في الطليعة، ونذكر منهم الشيخ أحمد سحنون رحمه، حيث واصل منهج معلميه وإخوانه في بناء هذا المجتمع بعيدا عن التعصب ودون الخوف من قول كلمة الحق، ومما جاء على لسانه: ” وإذا كانت الكلمة اللينة والصدر الرحب من خير أدوات الدعوات، بحيث  تجعل العدو صديقا كما تشير إليه الآية، فبعكس ذلك تكون الكلمة الجافة والصدر الضيق من شر أسباب النفور بحيث يجعلان الصديق عدوا” . كما نصح الشيخ وعمل على منع قيام مسيرة 1988 خشية الوقوع في الفخ والزج بالشباب نحو المجهول، بالإضافة إلى محاولته تأسيس رابطة الدعوة الإسلامية للّم الشمل، وكل هذا لم يمنعه من الخروج في المسيرة المليونية ضد قانون الأسرة آنذاك، والذي كان يراد له أن يكون بعيدا عن وحي الكتاب والسنة.

بعد اندلاع أعمال العنف واصل الشيخ دعوته إلى الإصلاح بعيدا عن العنف، مما كاد يكلفه حياته أثناء توجهه للصلاة؛ فعكف في بيته يدعو الله ويعبده، مقتفيا بذلك منهج الصحابة رضوان الله عليهم في اعتزال الفتن، حتى وافته المنية رحمه الله سنة 2003.

جمعية العلماء في عهد بن غبريط:  في وقت؛ كان الكثير لا يجرؤون على الكلام؛ مع كثرة المطبّلين؛ وقفت الجمعية؛ ممثلة في رئيسها عبد الرزاق قسوم؛ في وجه محاولات سلخ المدرسة الجزائرية عن جذورها الإسلامية، دائما وفق المنهج النبوي الذي تربى عليه أبناء ابن باديس، فقد نددت جمعية العلماء مرارا وتكرارا بهذه المحاولات في وسائل الاعلام ومنصات التواصل ولدى الهيئات الرسمية؛ في محاولة منها لوقف هذا المشروع الذي يشكل خطرا على أبنائنا، لكن لم يحدث أن صدر من الجمعية تكفير، أو تخوين، أو تطاول على الوزيرة مثلما فعل الكثيرون.  وفي سبيل وقف هذا المشروع؛ الذي لا يكاد يختلف اثنان على خطورته؛ شرعت الجمعية في تدعيم سلسلة مدارسها، حيث لم تعد تقتصر على التربية التحضيرية فقط، بل تعداه إلى فتح مدرسة ابتدائية خاصة بولاية برج بوعريريج، على أن تعمم التجربة لباقي الأطوار ولتشمل جميع ربوع الوطن.

خلاصة:  مما سبق يمكن استخلاص منهج جمعية العلماء في التعامل مع الأزمات فيما يلي:

  • الابتعاد عن التطرف بشتى أنواعه.
  • التمسك بالمرجعية الدينية للشعب الجزائري دون إلغاء عاداته وتقاليده التي توافق الشريعة الصحيحة.
  • عدم التجريح ولا التقليل من قيمة الخصوم.
  • العمل هو أحسن رد، دون الاكثار من المجادلات التي لا فائدة منها.
  • وضوح الأهداف.
  • محاولة لم الشمل ومحاربة الفرقة.
  • قول كلمة الحق في شتى الظروف بما يتناسب ومبدأ الحكمة والموعظة الحسنة، والقول اللين، وتقديم النصح انطلاقا من أن الدين النصيحة.
  • صدق النية وعدم تقديم المصالح الفردية، والسعي فقط لبناء هذا المجتمع، دون مساومات أو البحث عن أي فوائد دنيوية.

لذلك حري بنا جميعا الالتفاف حول جمعية العلماء المسلمين الجزائريين باعتبارها نموذجا رائدا في مجال الإخلاص لله و للوطن ولعهد الشهداء.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

شارع محمد الخامس…في فحص باب عَزُّونْ…/ فوزي سعد الله

كان جزءا لا يتجزأ من تلك الحقول والجنان المتصاعدة المتسلقة للروابي كثيفة الأشجار المطلة على …