الرئيسية | في رحاب الشريعة | لماذا لا يعتبرون؟ ممن خُسِف بهم وهم في غيهم غارقون/ محمد مكركب

لماذا لا يعتبرون؟ ممن خُسِف بهم وهم في غيهم غارقون/ محمد مكركب

هذا المقال نصيحة تذكير للذين وقعوا في ظلم أنفسهم وظلم شعوبهم وخيانة دينهم أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه، وإلى الذين لا يزالون يمارسون الفساد عن عناد وخيانة البلاد والعباد، أفلا يستيقظون وينتبهون بأن الغفلة مركب الجاهلين، ليس عيبا أن يخطئ ابن آدم، ولكن العيب والإجرام عندما يعلم أنه على خطأ كبير أغرقه في الذنوب ثم هو لا يسمع النصيحة ولا يتوب.

إنها همسة في أذن الذين يلعبون بأموال الأمة ألا يعتبرون بقارون الذي خسف الله به وبداره الأرض؟ هل انتفع قارون بماله وغطرسته واستكباره على الناس؟ ثم هي همسة في أذن الحكام الذين يستبدون بالحكم ولا يعدلون، ألا يتعظون مما جرى لفرعون وهامان وجنودهما وأكثرهم غافلون؟ ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ وفي الحديث. عن خولة الأنصارية رضي الله عنها، قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول:[إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة](البخاري:3118)

وقفنا في المقال السابق عند محطات تاريخية من ذاكرة تاريخ الشعب الجزائري، محطة تاريخ الثورة الجزائرية كمثال للجهاد والمقاومة ضد الطغاة المجرمين من الحتلين الفرنسيين، ورأينا من خلال ذلك السجل الحافل ببطولات العلماء المصلحين الجزائريين، وبصمات الشهداء الشاهدين، الذين وقفوا مع الحق وثبتوا في طريق الحق، وفي ذلك دروس لحكام الشعوب العربية، كيف أن الجيش الفرنسي رغم طغيانه وعظيم كيده، والخائنين الذين ظاهروه من الداخل والخارج، والمغرورين به الذين أحبوه تزلفا وتملقا وطمعا في الفتات رغم الكروب والشتات، وخدموا لغته وانبطحوا لسياسته في عهد الاحتلال وبعد الاحتلال في الداخل والخارج، في المشرق العربي والمغرب العربي، رغم كل ذلك لم يثبت الاستبداد والظلم ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾(الأنعام:115) بأن النصر من عند الله وهو العزيز الحكيم.

فانتصر الصدق والأمانة، ولم ينتصر الخداع والخيانة، أمام مقاومة الشعوب وجهاد الشعوب، وإصرار الشعوب على محق الكَذُوب الغَصُوب، فانهزمت فرنسا بكُفْرِها ونفاقها، في الشام والمغرب وكل إفريقيا، وانتصرت الجزائر بإيمانها وقرآنها، على المحتلين الكافرين. لكن السؤال المحير الذي ورد إلينا بعد ذلك المقال السابق:{لماذا لايعتبر الغارقون في الفساد عبر التاريخ من كثير من حكام الشعوب العربية المستبدين والمتطفلين الذين إن أكلوا لايشبعون، وإن ائْتُمِنوا لايُخلصون، وهم يرون بأم أعينهم كيف تلعب الدنيا بعشاقها ومراهقيها، وكيف يسخر الشيطان من مريديه؟ وكيف ينزلق الجاهلون ويسقطون في حفر غرورهم وغبائهم؟ وخزي خياناتهم؟} ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم، أفلا تقرؤون القرآن أيها المعاندون؟ أم أنكم تُكَذِّبون كُلَّ هذه الحقائقَ ولا تصدقون؟ أم أنكم لاتسمعون ولاتبصرون؟ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:﴿وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ. وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ . فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾(العنكبوت:38 ـ 40).

ما هي العوامل والأسباب التي نجحت بها مقاومة الشعب الجزائري وحققوا بفضل الله تعالى وبتوفيقه ذلك النصر العظيم الذي ما كان يحلم به الكثير من المسترهبين بسحر الاستعمار الفرنسي، إذْ كانت دولة فرنسا المهيمنة على المشرق والمغرب في القرن الرابع عشر الهجري، الموافق للقرن العشرين للميلاد، كانت تظن نفسها فرعون البحر الأبيض المتوسط بتشجيعٍ ومساعدةٍ من بريطانيا وإسبانيا والبرتغال وأمريكا (والكفر ملة واحدة) وكل شياطين الإنس، كانوا ولا يزالون معها، ومنهم الذين كانوا ولايزالون يقدمون لها القرابين سنويا لترضى عنهم، كما كان الجاهليون يقدمون القرابين لأصنامهم ظنا منهم أن الأوثان تنفع وتضر، ولكن علماء الجزائر الذين اجتمعوا في جمعية العلماء منذ 17 ذي الحجة 1349ه قالوا لفرنسا وأتباع فرنسا: الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا. يوم أن كانت فرنسا تقول: أنها قضت على الإسلام في الجزائر وفرضت السيادة للهجة الفرنسية في الجزائر وحاربت اللغة العربية، واعتبرت ضمن أحلامها وغرورها أن تراب الأرض الجزائرية أصبح فرنسيا ملكية وهيمنة وواقعا. فقام الرجال العلماء متوكلين على الله عز وجل مع كل خيرة أبناء هذا الوطن الغالي وقالوا كلمتهم فسجلها التاريخ للأحرار وداس بالخزي على الأشرار. قال محمد خير الدين وهو عضو بارز في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين:{تحقق عزم ابن باديس  ووجه دعوته إلى الطلاب العائدين من جامع الزيتونة ومن المشرق العربي الذين رأى فيهم مقدرة واستعدادا للعمل في سبيل الدين والوطن، ولبى دعوته (كل العلماء المصلحون منهم):محمد البشير الإبراهيمي، ومبارك الميلي، والطيب العقبي، والعربي التبسي، والسعيد الزاهري، ومحمد خير الدين. اجتمعوا بقسنطينة. (وألقى الشيخ عبد الحميد بن باديس كلمته التاريخية في هذا الشأن) فقال:{أيها العلماء فلا شك أنه أصبح من المعلوم أن العدو الاستعماري الصليبي قد اغتصب أرضنا ودفع شعبنا إلى السكن في الكهوف وأصبح شغله الشاغل إضعاف الشخصية الجزائرية سياسيا في طريق القضاء على وجودها لتحل محلها الشخصية الفرنسية}… إلى أن قال: { والآن أيها العلماء قد شاء الله أن يهيئكم ويدخركم لهذا الظرف لتتحملوا مسئوليتكم بكل شجاعة وتضحية، وأن يومكم هذا شبيه بذلك اليوم الذي وقف فيه البطل المجاهد طارق بن زياد خطيبا في جيش المجاهدين:(أين المفر البحر وراءكم والعدو أمامكم وليس أمامكم إلا الموت أو النصر) فكان النصر والحمد لله رب العالمين، فكان اجتماع العلماء واهتماهم بالشباب وبتوجيههم الحكيم تحقق الإعداد والاستعداد، ومن ثم تحقق الجهاد وتحررت البلاد.

وقالوها مدوية في فضاء الدنيا في شهر ربيع الأول سنة 1355ه:{اشهدي ياسما.. واكتبن يا وجود. أننا للحمى .. سنكون الجنود. فنزيح البلا.. ونفك القيود} (مذكرات محمد خير الدين).

لماذا لايعتبرون؟{شعب الجزائر مسلم.. وإلى العروبة ينتسب.. من قال حاد عن أصله.. أو قال مات فقد كذب.. يانشء أنت رجاؤنا..وبك الصباح قد اقترب.. خذ للحياة سلاحها.. وخذ الخطوب ولا تهب.. واقلع جذور الخائنين.. فمنهم كل العطب} وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم. فإذا أردنا أن ننتصر على كل أنواع التخلف،  لابد أن ننتصر على الأعداء الذين لا يزالون يهددون أمن الشعوب العربية من داخلها وخارجها، وأن نجمع أمرنا بالتوكل على الله، وأن يفسح المجال للشباب الواعي الصادق لأن يشق طريقه نحو المستقبل باتحاد وتعاون وتكامل. وليعلم الناس أن شبح الغرب لاسلطان له على المتوكلين على الله تعالى، والتحديات السياسية والاقتصادية بل والعسكرية التي تخيف الجاهلين ليس شبحا واحدا وإنما هم أشباح، يبتزون أموال الشعوب المتخلفة التي يتولى أمرها مستبدون غير صادقين مع شعوبهم. وأشباح الغرب والشرق من غير المسلمين، يشبهون ذلك الثعلب الماكر الذي كان يأتي لحمامة يقف أسفل النخلة والحمامة في أعلاها فيهددها قائلا: إن لم ترم لي بفرخ من فراخك أصعد إليك وآكلهم جميعا. وظلت هكذا زمنا تُبْتَزُّ من طرف الثعلب الشبح!! بمكره فقط، وليس له قوة بأن يصعد إليها. فهناك دول تبتز دولا بالمكر والخداع، وجهل المخدوعين. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ما من شعب من الشعوب العربية إلا وهم قادرون بإذن الله تعالى على أن يكونوا أفضل ماديا وعلميا واجتماعيا من غيرهم الذين يستولون على أموالهم بالحيلة والمكر، بطريقة الثعلب الذي كان يهدد الحمامة على أن ترمي له بفرخ من فراخها وإلا صعد إليها وأكل كل فراخها؟

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

العام الهجري الجديد وآمال الأمة بين الثبات والتجديد/ محمد مكركب

هاهو العام الواحد والأربعون وأربعمائة وألف قد أقبل على الأمة الإسلامية يحمل معه رايات الدعوة …