الرئيسية | في رحاب الشريعة | الأرض تشكو من ظالميها فاسمعوا قول الله:{وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا}/ محمد مكركب

الأرض تشكو من ظالميها فاسمعوا قول الله:{وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا}/ محمد مكركب

يكون الفساد في الأرض بأربعة أمراض، أولا: بالكفر، ومنه الشرك والنفاق والإلحاد والزندقة والفسوق. وثانيا: بمخالفة الشريعة، ومنها ترك الفرائض كالصلاة والزكاة، وتعطيل الحدود، وتوقيف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وثالثا، بالحروب والتدمير والتخريب. ورابعا: بسوء العمران وفساد التخطيط والبنيان، وجهل الإنسان. فعن مجاهد قال في تفسير قوله تعالى:{يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا}. (أي الأرض) [تحدث بأخبار الناس بما عملوا عليها من خير أو شر]. فما أسعد من عبد الله سبحانه على الأرض، وعمل بما شرعه الله لعباده، وما أشقى من كفر وعمل بغير ما شرع الله سبحانه. فماذا يقول من هجر القرآن واتبع الشيطان؟ وماذا يقول من كان سببا في قتل النفوس وانتشار الزنا والمخدرات وبيع الخمور والحكم بغير ما أنزل الله تعالى؟ إن المعاصي التي يرتكبها الكفار في العالم لا تُعَدُّ ولا تحصى من الجرائم والموبقات، مما صنعوه وباعوه من القنابل والمتفجرات، ومن دسائس المكر والخبث والشبهات، فقد طغوا في أرض الله وأكثروا فيها الفساد، وأهلكوا الحرث والنسل وظلموا العباد، وقتلوا الملايين من الأنفس في عصور الانحطاط، وفي الحربين العالميتين الأولى والثانية، وأيام احتلالهم لبلدان المسلمين، كل ذلك وأمراء وعلماء المسلمين عامة والعرب خاصة بين نائم وحالم، وظالم وغاشم، أو كاتم وخارم، إلا من هداه الله سبحانه وثبته على نهج الرسل والصالحين، وهم قليل وقليل من قليل.
ولكن النصيحة في هذا المقال هي للمسلمين والمسلمات ونحن ندعو إلى اتباع الحق واجتناب المخالفات، والثبات على مقاصد الآيات البينات. والحذر من ثلاثة أخطاء كبيرة بل هي خطيئات من بين أكبر الغلطات، يرتكبها بعض المسلمين وهم غافلون لا ينتبهون، وأنفسهم لا يحاسبون.
الخطأ الأول الخطير: أن بعض المسلمين يتعاونون مع غير المسلمين ولا يتعاونون مع بعضهم. والله تعالى قال:{الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً}[النساء:139] هذا نعت للمنافقين، ولكن الآية تضمنت المنع من موالاة الكافرين، وفي هذا تنبيه للمؤمنين، وتحذير ونهي عن تولي الكافرين، حتى لا يتخذ المؤمنون أعداء الله أعوانا لهم، لماذا لم يقرأ أمراء وملوك ورؤساء المسلمين القرآن والحديث، لماذا لا يتعظون؟ أليسوا مؤمنين؟ ففي الحديث عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بدر، فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: جئت لأتبعك وأصيب معك، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: [تؤمن بالله ورسوله؟] قال: لا، قال: [فارجع، فلن أستعين بمشرك] قالت: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل، فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كما قال أول مرة، قال:[فارجع، فلن أستعين بمشرك]، قال: ثم رجع فأدركه بالبيداء، فقال له كما قال أول مرة:[تؤمن بالله ورسوله؟] قال: نعم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فانطلق] (مسلم.1817)
الخطأ الثاني: عدم التعاون السياسي والتكامل الشرعي بين العلماء والأمراء، واستفحل الفساد منذ قرون بسبب هذا الخطأ، عندما أُبْعِدَ العلمُ عن السياسة، العلم الشرعي والاجتماعي والاقتصادي، وبذلك خرجت السياسة عن الشريعة فحدث الانفصام الكبير بين الشعوب ومقاصد الدين. ومازالت السياسة السطحية غارقة في جاهلية الفوضى لا تهتدي لنور الهداية. والقيمة التي تجمع العلماء والأمراء (كما بيناه في المقال السابق) هي قيمة الشورى العلمية، قال الله تعالى:{وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ} [الشورى.38] والشورى المطلوبة هي استشارة العلماء وفريضة العمل بما يبينونه للسياسيين والعامة. وكل الحكام الذين ظلموا العلماء ولم يستشروهم، بل وحرموا الأمة من نصيحة العلماء، فإنهم خسروا خسرانا مبينا، وذلك جزاء جهلهم، أو جزاء استبدادهم وظلمهم، ومن الملوك المستبدين الظالمين أولئك الذي أضاعوا الأندلس، وألبانيا، وفلسطين، وشعوب كثيرة من إفريقيا وآسيا، بسبب جهل الحكام الذين لم يتعاونوا مع العلماء، بل إن بعضهم رفضوا التعاون الشرعي المفروض، وأقول المفروض لأن الله تعالى فرض على المؤمنين الأخوة والتعاون والشورى.
الخطأ الثالث: الذي كان بسببه كلُّ الفساد التربوي والاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي، هو تعمد سوء التخطيط، الذي دُمِّرَتْ به بلدانُ المسلمين، وكانت النتائج المؤسفة الكارثية التي أطالت عمر التخلف وأدامته بكل أسبابه وأبعاده الفوضوية. فكانت أزمة السكن في كل البلدان المتخلفة، وأزمة العمل، وأزمة الفقر، وأزمة التمدن، وأزمة الخلاق، وانتشار الرشوة والإسراف والتبذير والسرقات والاختلاسات وهجرة العقول. وإنني أكتب هذا المقال بعد أحد عشر مقالا في هذا الباب، بالإضافة إلى كتابنا (سياسة الإتلاف) الذي صدرت الطبعة الأولى منه سنة 2010م والطبعة الثانية سنة 2014م. ورد في الطبعة الأولى ص:92.[إن الحلول التربوية أو الاقتصادية أو السياسية وكل ما يتعلق بجواهر قضايا الأمة ومصيرها لا ينبغي ولا يجوز أن يعالج بآراء وأفكار سطحية ومساومات مصلحية بين طوائف وجهات وضغوطات خارجية وداخلية، أو نتيجة أهواء وميولات شهوانية، أو باقتراحات انطباعية]. وبينا في الكتاب أصول الإصلاح، والصلح، والبناء. وبينا أسس بناء الدولة في كتابنا (قيم الدعوة الإسلامية) طبعة:1 سنة:1998م. الصفحة:208 ـ 210.
إن هذا الخطأ الثالث وهو سوء التخطيط الْمُتَعَمَّد منذ الإعلان الظاهر عن استقلال البلدان التي كانت محتلة من طرف الكافرين، أو التي كانت تحت الانتداب السياسي التابع للأوروبيين أو الأمريكان. من الصومال والسودان ومصر وليبيا وتونس والجزائر ومراكش وغيرها، والشام والخليج، حدث إفساد الأرض بتخريب الجنات الأرضية من البساتين الغنية، والحقول الزراعية، والسهول التي كانت والأصل فيه أنها المورد الكبير للاقتصاد وتحقيق الاكتفاء الذاتي وأكثر، دمرت بسوء التخطيط، تركت الأراضي الصالحة للبناء والمدن والمصانع والثكنات تركت خالية بلا استثمار ولا اعمار ولا غراسة ولا ثمار، فالبساتين والأراضي الفلاحية والحقول الزراعية التي كانت تُطعِم أوروبا حُوِّلت إلى مستوطنات سكنية لا هي مدن عمرانية كافية، ولا هي ذات عظمة راقية، ولا تركت مصادر رزق للشعوب الشاكية التي صارت تقتات على الواردات مما تتفضل به الحاويات. وانتشار البناء والمصانع على الأراضي الزراعية والبساتين الفلاحية فسادٌ وتخريب للأرض، وترك الأراضي الصالحة للبناء والمصانع خالية مهجورة هو فساد أكثر، وخراب أكبر. قال الله تعالى:{وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} وسوء التخطيط فساد.
إن ترك ثلاثة أرباع مساحة الإقليم بغير عمران كما هو الحال في الجزائر، وتكديس السكان في ربع الإقليم الذي هو أصله مخصص طبيعيا للفلاحة والرعي وجنات الخيرات، حيث أطلق العنان للبناء اللامدروس والقرى المحتشدية الغريبة عن كل هندسة عمرانية مستقبلية ولا حالية، فلا الفلاحة بقيت، ولا الأزمة السكنية حُلَّتْ.
كيف تعجز البلدان العربية عن توفير مسكن لكل مواطن؟ ثم كيف تعجز البلدان العربية وهي على وفرة من الثروات والإمكانات ولا تحقق الاكتفاء الذاتي من الغذاء والكساء والدواء؟ أين الخلل؟ أجل، الخلل في التخطيط. ما هي أسباب العجز والعثرات في التربية، وفي السياسة والاقتصاد والاجتماع؟ أجل، في ابتعاد السياسة عن الشريعة، وإبعاد العلماء عن مجالس الشورى والقرارات. قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ}[الأعراف:96] عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:[الدين النصيحة] قلنا: لمن؟ قال:[لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم] (مسلم.55). قال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع:[ إن دماءكم وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام، فلا ترجعوا بعدي ضلالا، يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب]، ثم قال:[ألا هل بلغت] قالوا: نعم، قال:[اللهم اشهد] (البخاري.4406).

عن المحرر

شاهد أيضاً

العام الهجري الجديد وآمال الأمة بين الثبات والتجديد/ محمد مكركب

هاهو العام الواحد والأربعون وأربعمائة وألف قد أقبل على الأمة الإسلامية يحمل معه رايات الدعوة …