الرئيسية | في رحاب الشريعة | فتاوى | الإشهاد في الزواج والطلاق والرجعة واجب/ محمد مكركب

الإشهاد في الزواج والطلاق والرجعة واجب/ محمد مكركب

1 ـ الفتوى رقم:374
السؤال
قال السائل: زوجت ابنتي لرجل في مجلس عَقْدِ النكاح كامل الشروط، وبعد شهرين من الدخول طلقها أمام والديه وهما يشهدان، وغاب عنها في مَهَمَّةٍ خارج الوطن، وبقيت ثلاثة قروء لم يُكَلِّمْها، فلما تمت عدتها أخبرت والديه بأنها تسرح وتعود إلى أبيها، فاتصلوا بولدهم فقال لهم: قد راجعتها منذ شهر ولكنني لم أخبرها لأنني مشغول.!!! يقول السائل: أريد معرفة الدليل على أن الإشهاد واجب في عقد النكاح وفي الطلاق والرجعة؟ وهل المرأة سلعة بيد الرجل يطلق متى شاء ويراجع متى شاء دون أن تعلم الزوجة؟ ودون أن يعلم أحد من الأسرتين؟!!! وهل هذه الرجعة صحيحة؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على رسول الله.
أولا: بداية نعم، هذا الزوج الذي يراجع زوجته دون أن يخبر أحدا فتصرفه خاطئ وهو يتلاعب بشيء من مقدسات الحياة، وكان الواجب عليه أن يخبر زوجته وأن يشهد على ذلك. إن موضوع عقد النكاح يخص عِرْض امرأة وصيانة نسب لجيل من الذرية عبر سلسلة التوالد من زوجين إلى أولادهما إلى أحفادهما وأحفاد الأحفاد إلخ. ولذلك كان عقد النكاح ميثاقا غليظا لتلك الأهمية، فإذا كان العقد على مبلغ من المال في دَيْنٍ يحتاج إلى كل تلك التوصيات والتوكيدات في الآية (282 من سورة البقرة). حيث جاء الأمر بالكتابة التوثيقية وجاء فيها الأمر بالإشهاد، فكيف بالعقد الذي موضوعه أغلى وأشرف وأعظم وأخطر من مجرد مبلغ مالي؟ أعظم من بيع دار أو بستان أو سيارة؟ فعقد النكاح أولى بالتوثيق والإشهاد من الدَّيْن، والطلاق والرجعة بنية الزوج وحده (دون أن يخبر الزوجة بصراحة) غير صحيح، وهذا الزوج المطلق ما دام بانت منه عليه أن يخطب من جديد فإن رضيت به يتزوج من جديد بعقد جديد. والله تعالى أعلم وهو العليم الحكيم.
ثانيا: أن العلماء الذين أفتوا بوجوب الإشهاد أخذوا هذا المبدأ المقدس من قداسة ميثاق الحياة الزوجية إذ علموا ضرورة الإشهاد على الزواج وإشهاره، وإليك ما جاء في الموطأ: روى مالك، عن أبي الزبير المكي، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أتِيَ بنكاحٍ، لم يشهد عليه إلا رجل، وامرأة. فقال: هذا نكاحُ السِّرِّ ولا أجيزه. ولو كنت تقدمت فيه، لرجمت](الموطأ. كتاب النكاح.1960) وفي الرسالة لابن أبي زيد القيرواني(ولا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل فإن لم يشهدا في العقد فلا يبني بها حتى يشهدا) (1/89) وفي المغني لابن قدامة:[مسألة؛ قال: ولا نكاح إلا بولي وشاهدين من المسلمين وفي هذه المسألة أربعة فصول: الفصل الثاني: أن النكاح لا ينعقد إلا بشاهدين. هذا المشهور عن أحمد. وروي ذلك عن عمر، وعلي، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، والحسن، والنخعي، وقتادة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي (وهؤلاء الفقهاء أصل اجتهادهم القرآن). وعن أحمد أنه يصح بغير شهود. وفعله ابن عمر، والحسن بن علي، وابن الزبير، وسالم وحمزة ابنا ابن عمر. وبه قال عبد الله بن إدريس، وعبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون، والعنبري، وأبو ثور، وابن المنذر، وهو قول الزهري، ومالك، إذا أعلنوه (قلت: نعم إذا أعلنوه، ومع ذلك فلابد من الإشهاد الرسمي والكتابة والتوقيع والسجل المدون في عصرنا هذا وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) قال ابن المنذر: لا يثبت في الشاهدين في النكاح خبر. وقال ابن عبد البر: وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم](7/8) والله تعالى أعلم وهو العليم الحكيم.
ثالثا: وفي الطلاق قال الله تعالى: {فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ}[سورة الطلاق:2] قال القرطبي:[قوله تعالى:﴿وَأَشْهِدُوا﴾ أمرٌ بالإشهاد على الطلاق. وقيل: على الرجعة. والظاهر رجوعه إلى الرجعة لا إلى الطلاق. فإن راجع من غير إشهاد ففي صحة الرجعة قولان للفقهاء. وقيل: المعنى وأشهدوا عند الرجعة والفرقة جميعا. قال: وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة، كقوله تعالى:{وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ} [البقرة: 282] وعند الشافعي واجب في الرجعة، مندوب إليه في الفرقة. قال: وفائدة الإشهاد ألا يقع بينهما التجاحد، وألا يتهم في إمساكها، ولئلا يموت أحدهما فيدعي الباقي ثبوت الزوجية](18/158) قلت: والأصل أن الإشهاد على الزواج والطلاق والرجعة مسألة عقلية بالدليل العقلي الذي لا ينكره عاقل، بالإضافة إلى النصوص الصريحة ومنها هذه الآية الموجبة بالأمر {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}[سورة الطلاق:2). وإذا كان عقد الزواج يقتضي الإيجاب والقبول والرضا والكفاءة والصداق والولي فإن ما يحكم كل هذا هو الكتابة والإشهاد عليها. وإذا كان التلفظ في الطلاق والرجعة لا يحتاج إلى القبول فإن الشهادة والكتابة هي لإثبات قرار الزوج أمام الزوجة، فعدم اشتراط القبول لا ينفي وجوب الإشهاد على قرار الزوج. والله تعالى أعلم وهو العليم الحكيم.
رابعا: فبأي إثبات يثبت الزواج ومبدأ الولد للفراش مثلا؟ وضابط إحصان الزوجين؟ وفي الطلاق أيضا: كيف يُعمل بقول الله تعالى: {وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة:228) فكيف إذا ادعت الزوجة أنها أكملت الثلاثة قروء وبانت، وادعى الزوج الذي يريد مراجعتها أنها مازالت في العدة؟ إلى من يحتكمان؟ أو ادعى أنه راجعها وهي تنفي ذلك؟ وعليه: قال الله تعالى:{وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُواْ الشهادة لِلَّهِ} وهذا الأمر للوجوب، ثم إذا راجع المرء زوجته عليه أن يُشهِد اثنين من الشهود العدول، وإذا فارقَها كذلك. وورد الأمر للشهود كذلك بأن يشهدوا على الحق بالحق، وأن يؤدوا أمانتهم، وهي الشهادة على وجهها خالصة لله. وجاء تأكيد الإشهاد على الديون، والمعلوم أن مقام النكاح والطلاق أولى وأهم من الديون، أو قل إن إحكام بناء الأسرة يقتضي التثبت والإثبات ضمانا لثبوت النسب، وحفظ العرض والشرف، وإحكام بيان الفرائض في الميراث، وغير ذلك أكثر من الاهتمام ببيع دار أو بستان، أو وصية مبلغ من المال كما قلت والله تعالى أمرنا بالتوثيق في الديون. قال الله تعالى في آية التداين بعد الأمر بالكتابة:{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا}[البقرة:282] قال ابن كثير: في تفسير سورة الطلاق:[وقال ابن جريج كان عطاء يقول: وأشهدوا ذوي عدل منكم قال لا يجوز في نكاح ولا طلاق ولا رجاع إلا شاهدا عدل، كما قال الله عز وجل، إلا أن يكون من عذر](8/168).
وفي الخبر عند أبي داود:[عن مطرف بن عبد الله، أن عمران بن حصين، سئل عن الرجل يطلق امرأته، ثم يقع بها، ولم يشهد على طلاقها، ولا على رجعتها، فقال: «طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة، أشهد على طلاقها، وعلى رجعتها، ولا تعد»]( أبوداود:2186) والله تعالى أعلم وهو العليم الحكيم.

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الموضوع: لا يصح العقد على الحامل من الزواج الصحيح، ولا على الحامل من الزنا؟/ محمد مكركب

قالت السائلة: إنها وقعتْ في فاحشة الزنا وحملَتْ من الذي زنا بها، ثم عقد عليها …