الرئيسية | اتجاهات | أمريكا تبحث عن وسطاء

أمريكا تبحث عن وسطاء

الأستاذ محمد الحسن أكيلال

 

إنه لا يفلُّ الحديد إلاّ الحديد..

لقد استنفذت الولايات المتحدة برئيسها “ترمب” كل أساليب ووسائل الابتزاز والضغط والإكراه التي مارستها بكل خساسة وقذارة ووقاحة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ لقد وقفت في وجهها بكل حزم وصرامة، وقوف الند للند دون أن تأبه بها وكأنها تريد أن تقول لها: إذا أردت الحرب فنحن لها، وإذا أردت الحوار  بشرط أن يكون بين ندين، فنحن لسنا من أولئك الذين اعتدتم على إخضاعهم وإكراههم بالقوة، وقوتنا يمكن لكم أن تعرفوها حين تحاولون معنا، وحديدكم سيفله حديدنا بإذن الله.

هذا الموقف الحازم الصارم جعل الرئيس “ترمب” ومستشاريه ووزيره للخارجية خاصة يلينون لهجاتهم وخطاباتهم ويتصلون بالدول الصديقة لهم والتي تحتفظ بعلاقات طبيعية مع إيران طالبين منها في البداية جس النبض حول إمكانية قبول قادة إيران للتفاوض من جديد حول الاتفاقية النووية التي نقضوها من جانب واحد مع إضافة إمكانية توسيعها إلى ملف الصواريخ الباليستية إن أمكن.

طبعا الرد جاء سريعا وواضحا على لسان أكثر من مسؤول وبنفس المنطق ونفس اللغة ونفس التعبير: لا تفاوض من جديد على اتفاقية سبق توقيعها من طرف الخمسة + ألمانيا ولا حديث عن الصواريخ.

اختبارات القوة أجيبت بنفس الحدّة، الطائرة الأمريكية المسيرة أسقطتها الدفاعات الجوية الإيرانية وحمل حطامها إلى القواعد العسكرية بسرعة، والباخرة حاملة النفط التي قرصنتها القوات البحرية البريطانية في مياه مضيق “جبل طارق” كان الرد باختطاف الباخرة البريطانية في مضيق “هرمز” مع فارق أخلاقي وقانوني يتمثل في جنوح الباخرة البريطانية من المياه الدولية إلى المياه الإقليمية الإيرانية ورفض ربانها لأوامر الحرس الإيراني واصطدامها بباخرة صيد إيرانية، وفي ذلك حجة دامغة.

 

رهان القوة العضلية

لقد اعتادت أمريكا أن تنال ما تريد ممن تريد بحكم القوة التي تمتلكها والتي كانت تفرض بها جبروتها وغطرستها مع دول وشعوب ضعيفة ماديا وبشريا ومعنويا، لكن مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية على انعدام توازن القوى والتكافؤ، فالجانب المعنوي والأخلاقي المستمد من الإيمان بالله وبالعقيدة الإسلامية السمحاء عوضها عن الجانب المادي والبشري. فالتكافؤ قائم فعلا لأن الجيش الإيراني جيش وطني يدافع عن حقه الشرعي، عن أرضه وعرضه وعقيدته، بينما يقوم الجيش الأمريكي مدعوما بكثير من المرتزقة الأجانب والحلفاء بالغزو، وحماية كيان دولة لشعب جمع شتاته من آفاق العالم الغربي الإمبريالي الصليبي الصهيوني للتخلص العرقي من وجوده في أوساط مجتمعاتهم التي تكره اليهود وتشمئز من سلوكاتهم وعاداتهم.

رهان القوة بين قوتين إحداهما تدافع عن الحق بإيمان وعقيدة، وأخرى تدافع عن الباطل بمقابل مالي يجبى من خزينة دولة المملكة العربية السعودية وجاراتها الخليجيات تخصص منه نسبة كأجور للمرتزقة الأجانب بينما تخصص النسبة الأخرى وهي الأعلى للخزينة الأمريكية لرفع حظوظ الرئيس “ترمب” في الفوز في الانتخابات القادمة.

مما لا شك فيه فإن لحسابات الربح والخسارة لضربة يريدها “ترمب” محدودة في الزمان والمكان ضد إيران يزيد بها من عدد أصوات الناخبين الأمريكيين قد أوصلت القائمين بهذه الحسابات إلى نتائج عكسية لبروز عدد من المعطيات أفرزتها جملة من العوامل، منها :

  • صمود الشعب الإيراني وراء قيادته وجيشه لحماية أرضه وقوته العسكرية رغم كل العقوبات والحصار الجائر لأكثر من أربعين سنة.
  • التوجس من امتلاك إيران لأسلحة سرية ذات تكنولوجية عالية الدقة ستحدث في القوات الأمريكية خسائر معتبرة لا يقبلها المجتمع الأمريكي الرافض أصلا بأغلبية واضحة لهذه الحرب المدمرة وخاصة وأنها ستكون سببا في إزالة دولة إسرائيل من الوجود، السبب الرئيسي لكل ما قامت به وتقوم به الولايات المتحدة في كل هذا الاستنفار في العالم والمنطقة خاصة.
  • رد الفعل الإيراني قد يدخل معه حلفاء جدد مثل الصين وروسيا اللتين تبحثان عن الفرصة المواتية لها لطرد أمريكا من المنطقة ومن كل جغرافيا أوراسيا والتخلص من جبروتها وغطرستها وانفرادها بحكم العالم.

كل هذه المعطيات جعلت الرئيس “ترمب” يتردد في اتخاذ قرار توجيه الضربة ويقع في ارتباك يفقده زمام المبادرة ويجعله يبحث عمن يساعده على إيجاد حلول أخرى من شأنها أن تقنع القيادة الإيرانية بقبول الاستسلام لمشيئتها والخضوع لإرادتها، وهذا ما لن يكون ولن يحدث لأن دوافع القيادة والشعب الإيرانيين غيرها لدى القيادة الأمريكية وحلفائها.

فصراع الإرادات الذي اعتمد رهان القوة يؤشر بوضوح إلى بداية ارتخاء لعضلات الذراع الأمريكي حتى قبل بداية الحرب.

على أمريكا الآن والرئيس “ترمب” خاصة أن يراجع حساباته لأكثر من مرة قبل الإقدام على أية خطوة ستكون الضربة القاضية عليه وعلى حزبه الجمهوري وعلى أتباعه من الإنجيليين والحلفاء الجدد وعلى بقاء دولة الكيان الصهيوني التي وعدها بجعلها القوة العظمى في المنطقة.

إن القوة الصاروخية للجمهورية الإسلامية الإيرانية والطيران المسير عن بعد بالدقة التي أظهرتها حتى الآن بإمكانها أن تدمر  كثيرا من قواعدها البحرية والبرية في المنطقة وتقضي على عدد من الجنود الأمريكيين المتواجدين فيها، كما تقضي نهائيا على كل مقومات القوة لدى الجيش الصهيوني الذي سيصبح بين فكي كماشة المقاومة اللبنانية والفلسطينية من الشمال والجنوب والصواريخ الباليستية الإيرانية من الشرق وتنتهي الضربة السريعة بتجريم الرئيس ‘”ترمب” من قبل مجتمعه ومحاكمته بتهمة الخيانة العظمى التي من الممكن أن تطال سلفه الرئيس “جورج بوش الابن” وكل الحزب الجمهوري والمحافظين الجدد.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الراحل مولود قاسم: ألق العبقرية وصدق الوطنية!

عبد الحميد عبدوس   تمر يوم السابع والعشرين من الشهر الجاري الذكرى السابعة والعشرون على …