الرئيسية | قضايا و آراء | حَراك الجزائريّين السّلمي/ أ. محمّد بن حامد بومشرة السّنوسي

حَراك الجزائريّين السّلمي/ أ. محمّد بن حامد بومشرة السّنوسي

يُحكى أنّه بعد الاستقلال مباشرة -جويلية 1962- بينما كان أهل تلمسان يحتفلون بنشوة النّصر كسائر مدن وقرى القطر الجزائري، وكان أحد رجالاتها مشهورا بالسّباق على الدّرّاجة وفي الوقت نفسه كان يُعطي إشارة الانطلاق للمتسابقين، فيلاحظ الانطلاقة إذا كانت جيّدة أم خاطئة؛ وبينما المواطنون يحتفلون، طلب من المنظّمين تعليق اللّافتات والشّعارات والرّايات الجزائرية على المنصّة بملعب مدينة تلمسان فغاب هنيهة ثمّ عاد فوجد تلك اللّافتات والشّعارات منها ما سُحبت ومنها ما غُيّر مكانها، فلمّا سأل عنها قيل له إنّ هناك من أمر بذلك، فتأسّف وقال قولته المشهورة معبّرا عن غضبه: انطلاقة خاطئة! (mauvais départ).

كتبتُ هذا المقال بدماء شهداء سقطوا من أجل المبادئ الإسلامية التي تعاهد عليها المجاهدون في مؤتمر الصّومام 1956، وبدموع من ظُلموا بعد الاستقلال. هي سنّة الله تعالى في خلقه أنّ حكّام العرب ملوكا كانوا أو أمراء أو رؤساء الذين حكموا قومهم بالحديد والنّار باسم الدّيمقراطية وحرية التّعبير وبالمكر والخداع طول حياتهم، وقد كتبتُ مقالا عن حَراك الشّعوب العربية في تونس وليبيا ومصر واليمن وسوريا.. وعنونته بالحَراك والعناد، لأنّ حكّام العرب لم يبلعوا هبّتهم حين هبّ المواطنون يطلبون سقوط أنظمتهم تحت شعار الشّعب يريد إسقاط النّظام..

وخرج الشّعب في شوارع مدنهم وقراهم مطالبا طرد عصابات الحكم الذين لم ينتبهوا لمواطنيهم وتركوهم يعيشون في فقر مدقع وأزمات سياسية وأخلاقية وسجون ملْأى بالبسطاء واحتقار المواطن والزّيادة في أسعار المواد الغذائية وفاتورة الغاز والكهرباء، مطالبينه دائما بالتّقشّف وهم يتمتّعون بثروات البلاد.

وكانت الجزائر دائما هي الأولى في ضرب المثال في الثّوران ضدّ الحكّام المستبدّين منذ الأمازيغ لمّا كانوا يقاومون الغزاة، وبعدها الاحتلال الفرنسي بزعماء من الزّوايا في مقاومات شعبية متفرّقة شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، حتّى قضى عليها الاحتلال المتوحِّش والمدجّج بأسلحة متطوّرة عن أسلحة المقاومين في تلك الفترة.

ثمّ انتفض الشّعب الجزائريّ بعدما ظنّ القريب والبعيد تنصيره بل قُضي عليه بالضّربة القاضية، فقام كرجل واحد بنداء واحد بإيعاز واحد وهي إطلاق رصاصة أوّل نوفمبر 1954 ليقاتل ويقتل مدّة سبع سنوات دفع فيه النّفس والنّفيس. وبعد الاستقلال، قام السّاسة بل العسكريّون بانقلابات على بعضهم وكان المواطن هو الخاسر دائما وهو الذي يدفع الثّمن..

ومن حين لآخر ينتفض المواطن ضدّ السّلطة ولا يُدرك المواطن التّلاعبات السّياسية التي تفوق المواطن فيخدعونه بتغييرات طفيفة وسطحية تهدّئ من ثورته تارة، وتارة أخرى في مسيرات كان يلج فيها بعض المخرّبين مهيّئين لإفساد المسيرات برمي الشّرطة بالحجارة وحرق كلّ ما هو في طريقهم، وهنا يتورّط بعض المحتجّين من الشّباب في الرّشق بالحجارة والحرق لإطارات السّيّارة ويختلط الحابل بالنّابل وهي الفرصة التي كانت تنتظرها النّظم الفاشية ليتدخّل الأمن بحجّة الحفاظ على الدّيمقراطية لقلب المظاهرات إلى الاعتقالات ثمّ المحاكمات فالسّجون، لتعود ريمة لعادتها القديمة وتبقى الطُّغمة الحاكمة هي، هي.

ومن حين لآخر يخرج الشّعب الجزائري على شكل زُمر أو جماعات مطالبين بالتّغيير، أو على الأقل الالتفاف حول المواطنين في جميع الميادين لينالوا حقوقهم، فتقوم العصابة الحاكمة بسيناريوهات جاهزة لإسكات المواطن. وبمعنى آخر فإنّ العصابة الحاكمة في جميع الدّول العربية تُتقن التّلاعبات وتتفنّن في الكذب لأنّ السّلطة بيدها الأمر بالمنكر والنّهي عن المعروف، من خلال قنواتها الإعلامية: {قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمُ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمُ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}[سورة غافر: 29].

ومن بين السّيناريوهات للحكومات العربية أنّها على مذهب فرّق تسد! فطبّلوا على التّفريق بين العربي والقبايلي والشّاوي والوطني والإسلامي ثمّ يلعبون على تجزئة المجزّأ بين الإسلاميّين هذا إخواني وذاك سَلَفي… وكذلك بمن هم أقلّ شأنا وعلما يحملون شهادات الدّكتوراه ولا يفقهون في علم السّياسة، ويهرعون لتقبيل أيادي ولعق أحذية العصابة المنتشرة عبر الوطن من أجل استلام حقائب وزارية أو مناصب محلّية كوال أو رئيس دائرة أو حتّى رئيس بلدية بالتّعيين، ويعمل على خدمة من عيّنه ومن حوله فقط، ويرمي الفتات لمن هم دونه كما قال أحدهم: جوّع كلبك يتبعك! أو يدفع الأموال من أجل منصب عضو برلماني بالمجالس البلدية أو الولائية أو الوطنية من أجل السّرقة باسم القانون والحصانة.

هؤلاء من يدّعون الفهم في السّياسة أحيانا يتحدّثون باسم الشّعب فيكذبون كما يتنفّسون باديا لهم أنّهم ساسة كبار وهم الأجلاف، ممّا أفقدهم الثّقة بين شعوبهم كونهم استطاعوا بحيلهم البائسة تشتيت الشّعب بطرقهم وأساليبهم وألاعيبهم.

إنّ العصابة الحاكمة ضغطت على أنفاس مواطنيها حتّى صار يبحث عن متنفّس يتنفّس منه أو يبحث عن مخرج له كالهجرة الشّرعية وغير الشّرعية –الحرڤة- وممّا زاد في الضّغط على أنفاس المواطن تصريحات العصابة الحاكمة المستفزّة من جهة والمضحكة حتّى البكاء من جهة أخرى.. أهذا من يمثّلني في المحافل الدّولية؟

وما كان يحدث في وطننا من إجرام وسرقة وشجار وكوابيس وركام الأوساخ في الأحياء، كانت الطّغمة الحاكمة تتشفّى فينا وتنشر تلك الآفات في مجتمعنا في إعلامها المرئي والمقروء على أنّنا شعب غير متحضّر (الغاشي).

وعلى ذكر الإعلام فإنّ العصابة تنفخ في بعض القنوات وتزوّدها ماديا وبمعلومات إخبارية سياسية لترفع من شأنهم، كما تنشر الانحلال الأخلاقي لتشغلنا عمّا يجري في السّياسة وفي دواليب الحكم، وتضخيم إنجازات الأحزاب الموالية للنّظام الحاكم، لذرّ الرّماد في الأعين، ويغفل عن أخطاء إنجازاتهم كالطّريق السّيّار شرق غرب وفوضى المستشفيات ونتائج التّعليم السّلبية والعدالة والرّياضة..

وكان هذا الإعلام في خدمة النّظام ينشر دائما ما يحدث في تلك الدّول التي أُصيبت بنتائج الحَراك من قتل وتشريد واللّجوء السّياسي عند الغرب الكافر! وهنا أطرح سؤالا بريئا: لماذا الشّعوب العربية وبالضّبط المسلمون حين يفرّون من أوطانهم يتّجهون نحو بلدان الكفر، ومباشرة ترحّبُ حكومة تلك الدّولة بالمهاجرين رسميّين وغير رسميّين؛ ولا يذهبون إلى بلد مسلم مجاور؟ وبالمقابل لماذا رؤساء العرب حين يُطردون بعد حَراك شعوبهم ضدّهم يستنجدون بنُظرائهم العرب، فيستقبلونهم أحسن استقبال مع عائلاتهم؟.

والعجيب في الأمر هناك أحزاب نُفخت ومنها من أكل عليها الدّهر وشرِب، وأحزاب مجهرية مازالت تتعلّم كيف تخطو الخطوات الأولى كالصّبية لا علاقة لهم بالسّياسة إطلاقا وتدّعي المعارضة؛ وكلّهم يساندون برنامج فخامته إن كان له ولهم برنامج يتستّرون خلفه، فأين هو برنامجهم؟ وزعماؤهم لم يتبدّلوا منذ عقود حتّى هرموا وظهرت التّجاعيد في وجوههم والشّيب في شعورهم.

ومن غريب أمر مسؤولينا عند خطاباتهم في المناسبات أنهم لا يرقبون فينا إسلاميتنا ولا وطنيتنا ولا تاريخنا فيصرّحون بتصريحات تخدش هُويّتنا، وحتّى لا نثور يُخيفوننا بالعشرية السّوداء وما أدراك ما العشرية السّوداء؟ لم تُبق ولم تذر عن نتيجة حراك شعبي من اليوم الخامس أكتوبر 1988 دفعنا ثمنه غاليا. وكانوا يعطوننا أمثلة عن الخراب والدّمار والشّتات الذي أصاب بعض الدّول العربية، وكانوا يعرضون على قنواتهم أنّنا شعب همجي غير متحضّر إذا ما قمنا بمظاهرات.

وكنّا نرى تبديد الأموال عند المسئولين وعائلاتهم، أمّا الشّعب فيُنصح بالتّقشّف لصالح البلاد، وفي العشرينية القذرة هذه زادت الغنيَّ غنًى والفقيرَ فقرًا والشّباب والشّابّات ضياعًا… وكان النّاس وبالضّبط الشّباب يتساءلون من حين لآخر ما بنا؟ لعلّنا من سلالة أصحاب الكهف، هل فعلا ضُربت علينا الذّلة والمسكنة!؟

ويشهد الله لمّا كنتُ في جلسات أخوية نتحدّث ما المخرج لأزماتنا السّياسية والاجتماعية أو مع غيرهم ممّن أثق فيهم أنّ التّغيير يبدأ من أنفسنا وبالضّبط من الشّباب المولودين في الثّمانينات والتّسعينات من القرن الماضي، لأنّ هؤلاء الشّباب مثقّفون ذاقوا الويلات أكثر منّا لا عمل ولا سكن وتأخّر في الزّواج… ومن هؤلاء الشّباب من لم ير والده لأنّه قُتل بتهمة الإرهاب أو المأساة الوطنية، وهذا الجيل يملك وسائل الاتّصال متطوّرة..

ومن باب القاعدة الكيماوية أنّ الضّغط يولّد الانفجار، وفي يوم من الأيّام المباركة انفجر الشّباب والشّابات كلّ جمعة ليلتحق غيرهم من الكهول والعجزة منادين بعدم موافقتهم على العهدة الخامسة لفخامته للحكم؛ واتّسعت رقعة الاحتجاجات جميع الولايات ليصير شعار المحتجّين الشّعب يريد إسقاط النّظام، هذا الشّعار الذي كانوا يخافون منه ومن نتائجه السّلبية، وكان الشّعب يبدع في عبارات الشّعارات من كلّ يوم الجمعة حيث وجد التّلاحم بين الشّعب مدّة أكثر من خمسة أسابيع، ممّا ساعد على نجاح هذه المسيرات السّلمية بدون إراقة قطرة دم، وبدون مواجهات.

وكان إخواننا العرب يقبضون على قلوبهم وأنفاسهم كلّ جمعة وغيرهم حيارى عندما رأوا الشّعب الجزائري هبّ هبّة رجل واحد بعدما ظنّوا أنّه استسلم للعصابة الحاكمة واستقال، رأوا هذه المسيرات العفوية بدون حزب يتزعّمها ولا هيئة تبنّت هذه المظاهرات الاحتجاجية، ويهتفون بصوت واحد بسقوط الحاكم وعصابته جملة وتفصيلا، لكن المدهش في هذه المسيرات الاحتجاجية نجاحُها بفضل الله سبحانه وتعالى لأنّها كانت سِلمية بما تحمل الكلمة من معنى، وكان الحراك السّلميُّ ضربا من الخيال أبهر العالم وتحدّثوا عنه رافعين قبّعاتهم احتراما وتواضعا، وسيكون سُنّة حميدة للشّعوب المتضرّرة من عصاباتهم الحاكمة وحتّى الغرب ستكون له مثالا للتّنديد عن حقّه بطرق متحضّرة.

إنّ الذي جعل الحراك الشّعبي سلميا وناجحا مائة بالمائة بعد الله سبحانه وتعالى يهتزّ له العالَم غيرة وخوفا، هم رجال الأمن الذين كانوا على يقظة عالية لم تُفلت منهم زمام الأمور ولم يتسبّبوا في إزعاج المتظاهرين، كما لا ننسى حياد المؤسّسة العسكرية والتي صرّحت كم من مرّة أنّها من الشّعب ومع الشّعب، وكأنّهم يردُّون للهاتفين الشّرطة والجيش والشّعب خاوة خاوة وهي العبارة نفسها التي انطلق بها جيل أوّل نومبر 1954.

فيا شبابنا عليكم بالاتّكال على أنفسكم بعد نُضجكم، وأخذ العبرة ممّن سبقوكم، والحذر ثمّ الحذر من استغفالكم ولتكون انطلاقتُكم سَليمة وصائبة من أجل جزائر عظيمة بشعبها، كما يعرفها القاصي والدّاني. سائلا الله سبحانه وتعالى أن ينعم علينا برحماته وأفضاله.

تلمسان: 22 رجب 1440 هجرية، الموافق لـ: 29 مارس 2019.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

شارع محمد الخامس…في فحص باب عَزُّونْ…/ فوزي سعد الله

كان جزءا لا يتجزأ من تلك الحقول والجنان المتصاعدة المتسلقة للروابي كثيفة الأشجار المطلة على …