الرئيسية | في رحاب الشريعة | الحج إلى بيت الله الحرام/ يوسف جمعة سلامة

الحج إلى بيت الله الحرام/ يوسف جمعة سلامة

يقول الله تعالى في كتابه الكريم:{وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}.

جاء في كتاب مختصر تفسير ابن كثير للصابوني في تفسير الآية السابقة:({وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} أي نادِ في الناس بالحج، داعياً لهم لِحجِّ هذا البيت الذي أمرناك ببنائه، فذكر أنه قال: يا رب وكيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقال: نادِ وعلينا البلاغ، فقام على مقامه، وقيل على الحجر، وقيل على الصفا، وقيل على أبي قبيس، وقال: يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتاً فحجوه، فَيُقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة، لبيك اللهم لبيك).

فعلى بركة الله بدأت وفود الرحمن تؤم بيت الله العتيق، على بركة الله تسير قوافلهم يحذوها الشوق والإيمان؛ لتحظى ببركات أداء فريضة الحج والطواف بالكعبة المشرفة وزيارة مسجد الحبيب – صلى الله عليه وسلم – .

شدّ الرحال إلى الحرمين الشريفين

*المسجد النبوي في المدينة المنورة: المدينة المنورة  مُهاجر النبي – صلى الله عليه وسلم- ومثواه، وهي من أطهر بقاع الأرض، ومنها انتشر نور الإسلام وعَمَّ أرجاء المعمورة شرقاً وغرباً، وفيها المسجد النبوي الشريف الذي هو أحد ثلاثة مساجد لا تُشَدّ الرحال إلا إليها، كما جاء في الحديث أن  رسول الله – صلى الله عليه وسلم -قال:(لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ
– صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّـمَ- وَمَسْجِدِ الأَقْصَى)، وقوله- صلى الله عليه وسلم – أيضاً:(صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خيرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ).

فإذا أكرمك الله – أيها الحاج – بالوصول إلى تلك الربوع الطاهرة، وملأتَ عينيك من تلك الرياض على ساكنها -أفضل الصلاة والسلام- ، فتأدب مع صاحبها، واشتغل ما دمتَ هناك بغرضك الذي جئتَ من أجله، فالصلاة في المسجد النبوي والأدعية فيه مشروعة ومستحبة في أي وقت طوال العام، فإذا وَفَّقَ الله المسلم وَيَسَّرَ له الوصول إلى بلاد الحرمين الشريفين، سُنَّ له الذهاب إلى المدينة المنورة للصلاة في مسجد النبي – صلى الله عليه وسلم –، حيث إن الصلاة فيه خيرٌ من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، واحرص أخي الحاج إن أكرمك الله بذلك، وبعد أداء الصلاة، أن تُسَلِّم على سيدنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وعلى صاحبيه الكريمين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب – رضي الله عنهما -.

* المسجد الحرام في مكة المكرمة: مكة المكرمة هي مهبط الوحي الذي عَمَّ البلاد، وفيها المسجد الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا، كما  جاء في قوله تعالى:{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً}، وهي المكان الذي وُلِدَ فيه رسولنا – صلى الله عليه وسلم –، ومنها بزغ فجر الدعوة الإسلامية على الدنيا بأسرها.

فإذا دخلتَ أخي الحاج مكة المكرمة، ووقع بصرك على الكعبة المشرفة، فقل:(اللهمَّ زِدْ هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة، وَزِدْ مَنْ شرّفه وعظّمه مِمَّن حجّه واعتمره تشريفاً وتكريماً وتعظيماً وبراً، اللهم أنتَ السلام، ومنك السلام، فَأحينا ربنا بالسلام)، فأنتَ -يا أخي الحاج- في جوار الله وفي ضيافته، فحيي بيته أولاً بالطواف، واستكثر من الصلوات بلا كَلَل، واعلم أن ركعة في بيت الله الحرام تساوي في الفضل مائة ألف ركعة فيما سواه، واخفض من صوتك، واغضض من بصرك، وأحسن لمن أساء إليك، وكن كالنخلة يقذفها الناس بالحجارة وتلقي إليهم الرطب الجني، وإن استطعتَ أن تكون خادماً للضعفاء وعوناً لذي الحاجة، فلا تبخل بما أعطاك الله من صحة ومال، فإنّ من أجلّ مناسك الحج التعاون على البر والتقوى، وعليك أن تغتنم وجودك في رحاب البيت الحرام لفعل الطاعات واجتناب المنهيات، فتُكثر من الصلاة والتسبيح والتكبير والتلبية والدعاء.

من مقاصد فريضة الحج

من المعلوم أن فريضة الحج هي الركن الخامس من أركان الإسلام، حيث فَصَّل القرآن الكريم الكثير من مناسكها، فتحدث عن بناء البيت الحرام، وعن تلك الدعوات الخاشعات التي كان سيدنا إبراهيم – عليه الصلاة والسلام- يتضرع إلى الله سبحانه وتعالى بها خلال بنائه للبيت العتيق، ومنها: قوله سبحانه وتعالى:{رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}.

كما تحدث القرآن الكريم عن الأوقات التي تؤدى فيها هذه الفريضة، وعن آدابها، ومنها: قوله سبحانه وتعالى:{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ}.

كما تحدث أيضا عن وجوب أدائها على كل مستطيع لذلك، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}.

وجاء النبي –صلى الله عليه وسلم- فَفَصَّل بقوله وبفعله ما أجمله القرآن الكريم عن أحكام هذه الفريضة، فعلّم أصحابه وأتباعه كلّ ما يتعلق بأدائها كاملة، كما جاء في قوله –صلى الله عليه وسلم-:(خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ).

ومن مقاصد فريضة الحج، المداومة على الطاعات، لأن فريضة الحج فيها الصلاة، وفيها الصدقات، وفيها الصيام، إلى جانب الكثير من ذكر الله سبحانه وتعالى، عند الطواف، وعند السعي بين الصفا والمروة، وعند الوقوف بعرفات، وعند الإفاضة إلى المزدلفة، وعند رمي الجمرات، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ}، وقوله سبحانه وتعالى أيضًا:{وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}.

كما أن الحجاج الكرام خلال تنقلهم من مكان إلى آخر، يهتفون قائلين:( لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك).

ومن مقاصد فريضة الحج أيضًا: تقوية روح الإخاء بين المسلمين، وتبادل المنافع التي أحلها الله بين المسلمين، ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه المقاصد في قوله سبحانه وتعالى مخاطبًا سيدنا إبراهيم –عليه الصلاة والسلام- :{وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}.

الأخوة الإيمانية في الحج

يجتمع المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها في مهبط الوحي الذي عمَّ البلاد، فتنصهر جميع الأجناس في بوتقة إيمانية واحدة، وفي الحج تتجلى الوحدة الإنسانية، وتتجلى المساواة في أبهى صورها فلا عنصرية ولا عصبية للون أو جنس، فَهَا هُمْ ضيوف الرحمن قد جاءوا من كل حدب وصوب ليعلنوا للبشرية جمعاء، بصوتٍ واحد وفي صعيد واحد، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن الإسلام هو الدين الحق الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى للبشرية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وبهذا يُجَسّد الحج الأخوة الإنسانية ويزيل عنها ألوان التمايز والتفاخر بالنسب والجاه، فلا فرق بين أبيض وأسود وكبير وصغير وغني وفقير، لباسهم واحد وتوجههم واحد وصوتهم واحد، فتتحد الألسنة وتتآلف القلوب وتخرج الإجابة من حناجر صادقة وأفواه طاهرة:(لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك).

هذه بعض المقاصد التي نتعلمها من فريضة الحج، فحج مبرور، وسعي مشكور، وذنب مغفور، وتجارة لن تبور، وعودة حميدة يا ضيوف الرحمن.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

العام الهجري الجديد وآمال الأمة بين الثبات والتجديد/ محمد مكركب

هاهو العام الواحد والأربعون وأربعمائة وألف قد أقبل على الأمة الإسلامية يحمل معه رايات الدعوة …