الرئيسية | قضايا و آراء | العقلانية في الغرب!/ د. علي حليتيم

العقلانية في الغرب!/ د. علي حليتيم

العقلانية في الغرب داخلية بمعنى أنها خاصة به، فلا هي مطلقة ولا إنسانية ولا متحررة من قيود الإيديولوجيا الغربية المبنية على سيطرة الرجل الأبيض والعداء للدين والاستعمار، وهي تشبه في ذلك سائر المبادئ الغربية التي ينتهكها الغرب حين تدعوه الحاجة لذلك لكنه يصر عليها ولا يتخلى عنها أبدا.

فهو ديمقراطي لكنه يؤيد الأنظمة الشمولية التي تدور في فلكه في بلدان العالم الثالث، وهو إنساني لكنه يقتل ويشرّد ويبيد شعوبا بأكملها، وهو حر لكنه يمنع هذه القيمة عن الشعوب الإسلامية وعن الجاليات الإسلامية التي تعيش عنده.

ونحن في الشرق نختلف كثيرا حول عقلانية الغرب بين من يراها مطلقة كاملة ناضجة تمثل أفضل ما وصل إليه الفكر البشري على الإطلاق وكل ما خالفها فهو لا عقلاني وغير جدير بالاحترام كما أن كل حرية تخالف اختيارات الغرب ليست حرية وكل قيمة تخالف قيم الغرب ليست قيمة!

بينما يرى الفريق الآخر – وهم المتدينون خصوصا – خصوصا أن العقلانية الغربية مطبوعة بطابع الإيديولوجيا الغربية أسيرة داخل الإطار الغربي فهي حرة طليقة في كل ما لا يخالف القيم الغربية وفي كل ما لا يهدد المركزية الغربية، وهي حرة ما دامت لا تصل إلى نتائج تعاكس المنظور الغربي للإنسان والعالم والتاريخ والمستقبل، وهي حرة ما دامت لا توافق المنظور الشرقي للدين أو الحرية أو القيم أو الممارسات.

العقلانية الغربية هي أن يكتب كاتب ما في قيمة ما في صحيفة ما مقالا ينتصر فيه لأحد أنواع الشذوذ أو ينافح فيه عن سلوك كان منذ أيام يعتبر سلوكا دنيئا مستهجنا فيدافع عنه باسم الحرية والديمقراطية والحداثة فيتلقفه الإعلام فينشره في الناس الذين يتبعونه لأن الإعلام هو وحيهم الجديد ويتبعونه لأنهم لا يملكون معيارا يلجم عقلانيتهم الضائعة فيرجعون إليه.

ونحن في الشرق نسمع كثيرا أن الغرب يحرم ويمنع تعدد الزوجات ويعد هذا من الخطوط الحمراء التي لايمكن أن يتنازل فيها أو يقبل بها، بل إنه يدفع دفعا عن طريق حكوماته ومنظماته المدنية وعن طريق الهيئات الدولية واتفاقيات سيداو CEDAW، يدفع الدول الإسلامية إلى تحريم تعدد الزوجات في قوانينها ونظمها.

لكن الذي لا يعرفه كثير ممن يتبعون الغرب وينعقون بهذه الأدبيات أن تعدد الأزواج والزوجات ممارسة غربية عريقة قديمة لها فلسفتها ودعاتها وطرقها ومظاهرها الكثيرة المتعددة. يكفيك لتأخذ فكرة عن ذلك أن تنقر كلمة polyamory أو polyamour على محرك البحث قوقل أو تقرأ مقالة ويكيبيديا تحت هذا العنوان لتدرك أن التعدد في الغرب لا مانع له لا ضابط ولا معيار ولا حد إلا حد واحد ومعيار واحد وهو أن لا يكون قانونيا مثل تعدد الزوجات في الإسلام!

إن تعدد الحب في الغرب مفهوم يجمع تحته سائر الممارسات الجنسية التعددية التي لا يمكن أن يتخيلها الإنسان الشرقي، حيث يتسافح مجموعة من الرجال مع بعضهم البعض أو مجموعة من النساء مع بعضهن البعض أو امرأة واحدة تقيم علاقات مع مجموعة من الرجال في ذات الوقت (قد يكون أحدهم زوجا لها) أو رجل مع نساء كثيرات (قد تكون إحداهن زوجته).

وظهرت في فرنسا مؤخرا مقالات واتجاهات جديدة تقول إن من حق الزوج أن يعلم زوجته أنه مثلي وأنه يقيم علاقة جنسية مع رجل آخر وأن من حق الزوجة أن تعلن لزوجها أنها مثلية وأنها تقيم علاقة مع امرأة أخرى!

وظهر اتجاه آخر يقول إنه لا علاقة للحب بالجنس وإننا نستطيع أن نحب شخصا ثم نمارس الجنس مع أشخاص آخرين، بل بالعكس إن هذا التحرير للجنس سوف يقوّي علاقات الحب ويضمن لها الاستمرار والدوام!

وبعيدا عن الشعور بالغثيان من كل هذا الضياع في متاهات الشيطان ودروبه، وبعيدا عن شعور المسلم بالراحة وأنه على دين يضمن له المتعة والسعادة وأن لا يتيه في ظلمات النكد والقذارة، بعيدا عن كل هذا نقول إن عقلانية الغرب هي عقلانية خاصة مؤسسة على مبادئ خاطئة منها أن العقل هو المصدر الوحيد للمعرفة وأنه هو مصدر القيم بينما النظرة الإسلامية تقوم على أساس أن مصادر المعرفة هي الوحي والعلم والعقل وأن العقل لا يمكن أن يؤسس لوحده منظومة للقيم أو لا يحسّن ولا يقبّح بتعبير علماء الأصول.

حين أوكلت مهمة القول في القيم للعقل الأوروبي لم يدر ماذا يفعل سوى مجرد التحول إلى تابع للمجتمع يقتنع بالممارسات المجتمعية واتجاهات الرأي العام في المجتمع الغربي التي تحركها فئة قليلة من “صانعي القيم” الغربية الذين يدفعون بها دوما في حركة لا متراكزة excentrique بعيدا عن الدين وعن التقاطع مع الشرق وحلوله لمشاكل الإنسان.

وحين يكون المجتمع الغربي متجها نحو الهاوية فإن العقل العربي يقتنع بهذا ويرى فيه علامة من علامات التقدم والحداثة، والعيب والذم الأكبر ليس على ذلك الغرب التائه بل على الغربان الناعقة.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

ويل لأمة لا تقرأ وإن قرأت لا تفهم؟!/ جمال نصر الله

 تاريخنا العربي والذي بقينا نستقي وننهل منه وذلك من كتب التراث، لازال مليئا بالشوائب والدسائس …