الرئيسية | في رحاب الشريعة | ما قل و دل | الحقيقة/ محمد الصالح الصديق

الحقيقة/ محمد الصالح الصديق

سألني طالب علم عن الحقيقة، ما هي؟

فقلت له: هناك كلمات يكثر تداولها بين الناس، وتوظيفها في أحاديثهم العادية، وفي خُطبهم وكتاباتهم، على أنها واضحة المعنى، وهي إذا أردت شرحها وتحديد معناها وجدتها غامضة، أو على الأقل أحوجتك إلى مراجعة المعاجم اللغوية، وكلفتك كلاما طويلا، وهذه الكلمات مثل: الحكمة، الماهية، الهوية، اللذة، الحفاوة، الديمقراطية، الحضارة، الحقيقة، فكل الناس يستعملون هذه الألفاظ بكثرة، وهم إذا سألتهم عن معانيها توقفوا، أو أجابوا بكلام طويل مبهم، أو ملتوٍ، أو كلام يحوم فقط حول المعنى المراد.

أما الحقيقة فهي الأمر الثابت المتيقن الذي لاشك فيه، والتاء فيه –كما قال الجرجاني في تعاريفه- للنقل من الوصفية إلى الإسمية، مثل العلامة، لا تأنيث، ولذا نقول: جاء العلامة، ولا نقول: جاءت العلامة.

ولم يرد لفظ (الحقيقة) في القرآن الكريم، وإنما الذي ورد فيه هو الألفاظ (الحق) في أكثر من مائتي آية، و(أحق) بصيغة التفضيل في بضع آيات، و(حقيق) في آية واحدة هي قوله تعالى: {حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ}[الأعراف:105].

والعرب تقول: فلا حامي الحقيقة، وهو من حماة الحقائق، أي يحمي ما لزمه الدفاع عنه من أهل بيته، كما جاء في أساس البلاغة للزمخشري، قال الشاعر لبيد:

أتيت أبا هند بهند ومالكا * بأسماء إني من حماة الحقائق

والحقيقة بالمعنى الذي حدد لها وحددت له، قليلة نادرة بين الخليط من الأخبار التي تشيع وتذيع، ومن هنا قال الشاعر جميل صدقي الزهاوي رحمه الله:

حاولت أن ألقى الحقيقة جهرة *  فإذا الحقيقة دونها أستار

والحقيقة أيضا بما تتسم به من النصاعة والوضوح، ولما تحمله من الصدق قد تجرح، ومن ثم فقد لا يحتملها إلا القليل، ومن هنا أيضا قال الزهاوي:

هي الحقيقة أرضاها وإن غضبوا * وأدعيها وإن صاحوا وإن جلبوا

أقولها غير هياب وإن حنقوا  *  وإن أهانوا وإن سبوا وإن ثلبوا

عن المحرر

شاهد أيضاً

حينما يكون التغيير من داخل النفس/ محمد الصالح الصديق

  في زيارة إلى مسقط رأسي في منطقة القبائل، زارني شخص في بيت والدي فحدثني …