الرئيسية | الإسلام و الغرب | صفحات من واقع تدريس اللغة العربية لأبناء المهاجرين الجزائريين في المهجر بفرنسا نموذجا/ سعدي بزيان

صفحات من واقع تدريس اللغة العربية لأبناء المهاجرين الجزائريين في المهجر بفرنسا نموذجا/ سعدي بزيان

من حق الفرنسيين أن يفتخروا بأنهم أول بلد أوروبي يقيم الدراسات العربية عن طريق الكوليج دوفرانس في عهد فرانسوا الأول وعبر معهد الدراسات الشرقية الذي تأسس سنة 1795، في باريس والذي يرمز له بالحروف اللاتينية Langoso  وقد احتفل الفرنسيون سنة 1995 بمرور قرنين من تاريخ إنشاء هذا المعهد وكان عدد الدارسين العرب في هذا التاريخ في المعهد المذكور 1100 طالب وهو عدد ضئيل لا يتناسب مع الوجود العربي والإسلامي في فرنسا، ولا يتناسب أيضا مع حضور اللغة الفرنسية في أقطاب المغرب العربي ومن لا يتقن هذه اللغة فلا مكانة له تذكر في أقطار المغرب العربي حيث أصبحت لغة الطبقة الحاكمة والمسيرة ويا ويح لمن أراد تغيير هذه الوضعية واستبدال اللغة الفرنسية باللغة الانجليزية التي هي لغة العلوم والتكنولوجية في عصرنا الراهن فسوف يتعرض لحرب داحس والغبراء من طرف زبانية اللغة الفرنسية المتحكمين في زمام الأمور ومدعمين من حكومة باريس التي تسعى بكل جد للاحتفاظ بهذا الوضع لصالحها ولصالح لغتها، ومصالحها عبر هؤلاء الناس وقد ملأ هؤلاء الدنيا ضجيجا بأن اللغة الفرنسية لغة الحداثة والانفتاح على العصر والتكنولوجيا، ويعرف الفرنكوفونيون خاصة في الجزائر هذه المعزوفة بينما نرى نحن العكس ففي فرنسا مثلا تجد 85 بالمائة من طلبة المعاهد الثانوية يختارون اللغة الانجليزية، لغة أجنبية أولى وفي العطل المدرسية والصيفية يتوجه آلاف الطلبة الفرنسيين إلى بريطانيا لتحسين مستواهم في اللغة الانجليزية قراءة ونطقا وجل مسابقات التوظيف التي تجري في فرنسا يشترط فيها اتقان اللغة الانجليزية للمشاركة ونجد كثيرا من الباحثين الفرنسيين ينشرون أبحاثهم باللغة الانجليزية حيث عدد القراء أكثر.

بلدان المغرب العربي والنوم في العسل!!

يبدو أن بلدان المغرب العربي غير قلقة من سيطرة اللغة الفرنسية في هذه الأقطار في التعليم وفي الإدارة خصوصا وفي تدريس العلوم والطب بالخصوص حيث لا يزال يدرس بالفرنسية في أقطار المغرب العربي وبالانجليزية في أقطار المشرق العربي باستثناء سوريا، وأذكر أنني قمت بمداخلة في مجلس الشيوخ الفرنسي حول موضوع “مكانة اللغة العربية في فرنسا” فكانت كل مداخلات الوفود العربية بالفرنسية ما عدا مداخلتي وحدها التي كانت بالعربية وتساءلت قائلا:”كيف نتحدث عن اللغة العربية بلغة غربية من طرف كتاب عرب وعلى قدر عدد الأساتذة والباحثين العرب في فرنسا لم نسمع لأي واحد منهم تساءل عن تراجع اللغة والدراسات العربية في فرنسا في السنوات الأخيرة ما عدا الأستاذ والمترجم المرحوم جمال الدين بن الشيخ (1930-2005) مترجم “ألف ليلة وليلة” إلى الفرنسية بالاشتراك مع صديقه المستشرق الفرنسي أندري ميكال، فالأستاذ جمال الدين بن الشيخ كتب مقالا مطولا في صحيفة “لوموند” الفرنسية تحدث فيه عن تراجع تدريس اللغة العربية في فرنسا، وهناك بعض البلديات تخلت فيها عن تدريس اللغة العربية في الثانويات الموجودة فيها لأسباب واهية، كما أن الصحافي الفرنسي الراحل بول بالطا مراسل لوموند سابقا تساءل عن سبب إهمال تدريس اللغة العربية لأبناء المغرب العربي في فرنسا، أليس غريبا أن يتساءل الفرنسيون عن تراجع تدريس العربية في فرنسا ويصمت العرب؟! وهناك أكثر من كاتب وصحفي نراه يحث بلاده على ضرورة تدريس اللغة العربية لأبناء المهاجرين العرب في فرنسا في حين لا نجد صحافيا جزائريا فرانكوفونيا يطرح هذا الموضوع، فهذا صحافي فرنسي جان ماري بيت كيرك ينشر مقالا يتهم فيه الحكومة الفرنسية بإهمال تدريس اللغة العربية لأطفال المهاجرين ويقول بهذا الصدد: “إن جمهوريتنا تفرض على الأطفال العرب الذين يريدون تعليم اللغة العربية أن يذهبوا للمساجد لا للمعاهد، ولا للثانويات الفرنسية، ومن المطلوب من وزارة التربية الفرنسية فتح أقسام عربية، ومعاهد عربية فرنسية تستقطب شبانا عربا يعملون على الاعتكاف على دراسة اللغة العربية، وهذه جريدة لوفيقاروا الفرنسية عدد 27 جانفي 2016 تخصص مقالا بل تحقيقات حول تدريس اللغة العربية في فرنسا بعنوان:”العربية هذه اللغة غير محبوبة”. ويقول صاحب هذا المقال طالما جعلها غير العارفين بأسرارها لغة مرتبطة بالإسلام، نعم لغة القرآن، ولكن هذا لا يعني أن ربطها بالدين ضروري فهو في الأخير لغة من اللغات العالمية معترف بها في الأمم المتحدة وعدة منظمات دولية، ومنها “اليونسكو” ومنظمة الصحة العالمية، فاللغة العربية يتكلمها اليوم في فرنسا 3 ملايين نسمة، فكان الملك فرانسوا الأول أحدث كرسيا للغة العربية في أعلى هيئة علمية في فرنسا وهو: “الكوليج دوفرانس” سنة 1530م فقال أحد مفتشي اللغة العربية في فرنسا: “إن وزارة التربية الوطنية الفرنسية، تخلت عن تدريس اللغة العربية بحيث لم يجد أبناء المهاجرين تعلم اللغة العربية لغة الآباء والأجداد إلا في المساجد” علما بأن فرنسا أبرمت اتفاقا ثنائيا مع 8 دول وذلك سنة 1970، يتضمن تدريس اللغات الأصلية لأبناء المهاجرين ومن بين هذه الدول الدول المغاربية الثلاق: تونس، المغرب وأخيرا الجزائر.

وقد لاحظت ” مجلة قنطرة” الصادرة عن معهد العالم العربي “باريس” “مايو- جوان 1996، أن هناك فعلا تراجعا في الدراسات العربية في فرنسا في السنوات الأخيرة، وتقول هذه الدراسة بناء على معلومات مأخوذة من المصادر الرسمية الفرنسية “أن تدريس اللغة العربية في فرنسا يشكل عوائق ضد أبناء المهاجرين المغاربيين في دمجهم في المجتمع الفرنسي كما تغذي عملية تدريس اللغة العربية في فرنسا الاتجاه الديني المتطرف وأن بعض مديري المدارس الفرنسية يرفضون فتح أقسام لتدريس اللغة العربية خوفا من ظاهرة انتشار الحجاب الإسلامي في فرنسا، وأنه بدءا من سنة 1990 تراجع اختيار التلاميذ لمادة اللغة العربية بين اللغات الأجنبية الحية في المدارس الفرنسية إذ بلغ عدد هؤلاء 12500 تلميذ وانخفض العدد إلى النصف تقريبا في المدارس الثانوية، علما بأن تدريس اللغة العربية في فرنسا ليس وليد اليوم ولا الأمس القريب فقد أنشأ الفرنسيون شهادة التبريز في اللغة العربية سنة 1950 وتسمى بالفرنسية: L’agrégation en langue arabe

وها هو عالم اللسانيات التونسي الدكتور عبد السلام السدي ينشر دراسة موثقة في مجلة “قنطرة” الصادرة عن معهد العالم العربي بباريس في منبر ثقافات تحدث في هذه الدراسة عن اللغة العربية بين واقعها عند أهلها والمنظومة التربية الفرنسية مشيرا بذلك إلى الاتحاديات الجديدة التي تواجهها لغة الضاد عند أهلها في الدرجة الأولى إذ كان من المفروض أن تكون أداة للتداول في كل ما يتعلق بمجالات الفكر والثقافة، والمعارف وبكل حقول التسيير والتوجيه، فالدكتور عبد السلام المسدي يحمل العرب والمسلمين قسطا كبيرا من المسؤولية لما آلت إليه العربية، وإلا هل من المعقول أن تتراجع اللغة العربية في فرنسا وهناك 3 ملايين مسلم، و3 ملاين مغاربي؟؟ وأذكر أنه حدث حوار بيني وبين شاب جزائري كان يتلقى هو وجمع من أبناء الجزائر دروسا باللغة العربية عندي في إحدى المدارس الفرنسية في ظل الاتفاق الجزائري الفرنسي حول تدريس اللغة العربية لأبناء المهاجرين الجزائريين في فرنسا قال لي هذا الطالب ما الفائدة من دراسة اللغة العربية في فرنسا، وما دامت اللغة الفرنسية في الجزائر هي لغة الوظيف وقد لاحظ أكثر من صحافي وكاتب فرنسي أن هناك تراجعا فعلا في تدريس اللغة العربية في فرنسا سنة بعد سنة وتقول المصادر الفرنسية أن اللغة العربية تحتل المرتبة السابعة من اللغات التي تدرس اليوم بفرنسا، وهي أقل مكانة من الصينية والروسية، وتكاد تتساوى مع اللغة العبرية ولاحظنا من خلال وجودنا في فرنسا والمهتمين بالثقافة العربية أن اللغة العربية في فرنسا لم تجد لها مكانا في فرنسا سوى في المساجد إذ تذكر المصادر الفرنسية أن هناك 60 ألف تلميذ وطالب يتابعون دروسا في اللغة العربية في المساجد وهناك إقبال شديد من طرف أولياء التلاميذ، وقد عشت هذه التجربة بالعمق في مسجد باريس مدة 5 سنوات كاملة وساهمت شخصيا في هذا الحراك اللغوي كما يساهم معهد اللغة والحضارة التابع لمعهد العالم العربي في هذا المجال بنشر اللغة العربية الفصحى والدارجة وسط الفرنسيين وأبناء المغرب العربي وعدد هام من الطلبة الأجانب وفي أكثر من لقاء جمع بيني وبين الصديق د. رشيد عبد الصمد أستاذ كلية الحقوق في جامعة باريس 13، وفي فيلتانور شمال باريس وأستاذ اللغة العربية في معهد اللغة والحضارة، التابع لمعهد العالم العربي الذي يحتضن 1100 طالب عربي وأجنبي يدرسون اللغة العربية الفصحى والدارجة ويمثلون مختلف الأعمار والجنسيات ومن مميزات هذا المعهد أنه ينظم رحلات لطلابه عبر الوطن العربي وقد قام مع هؤلاء الطالبة برحلة إلى الجزائر وبالضبط إلى تيزي وزو فعادوا إلى فرنسا منبهرين بالاستقبال الرائع الذي حضوا به من طرف السكان، فعادوا إلى باريس حاملين معهم أروع الذكريات وصور مشرفة عن الضيافة الجزائرية.

الحلقة القادمة

التجربة الجزائرية في ميدان نشر اللغة العربية وسط جاليتها في فرنسا.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

من ثقافتنا العربية والإسلامية في فرنسا/ سعدي بزيان

جهود مسلمي فرنسا في نشر الثقافة العربية والإسلامية في هذه الديار سبق لي وأن كتبت …