الرئيسية | قضايا و آراء | البوارق والودائق!/ د. علي حليتيم

البوارق والودائق!/ د. علي حليتيم

‏اتفق أعضاء وفد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين المشاركون في المنتدى الوطني للحوار على كون هذه الندوة التي حضرها ثمانمائة شخص بين أحزاب وشخصيات وطنية ومجتمع مدني وشباب الحراك مثلت خطوة مهمة للخروج من الأزمة.

لقد اجتمع الجزائريون ‏بذلك العدد الوفير وتحاوروا واتفقوا واختلفوا لكنهم خرجوا في الأخير برؤية موحدة تؤكد على كل مطالب الشعب، وتؤكد على السلمية والوحدة الوطنية ومرجعية نوفمبر، وهذا يكفي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لتشارك وتبارك وتوافق على هذه الوثيقة.

لقد كان الحاضرون يشعرون أنهم على سفينة واحدة، إن غادروها غرقوا، وإن اختلفوا في قيادتها ‏تعطلت، وإن ضلوا بها وجهتها تحطمت على شواطئ الفرقة والدكتاتورية والضياع، وإن تعاركوا على سطحها غرقت بهم جميعا.

‏لقد أسست الوثيقة المنبثقة عن المنتدى لكل هذه المعاني وكشفت أن الجزائريين مدركون أن الجزائر للكل ‏ويبنيها الكل كما قال أحدهم وأنه لا يوجد فينا من هو غير مهم للوطن.

‏إن الصراع الفكري وصراع المواقع الذي نعيشه في بلادنا ليؤكد لنا أن الأفكار الصالحة والمبادئ السامية لن تعلو في عالم الإنسان من تلقاء نفسها ولن يحصل لها السؤدد إلا إذا رفع رايتها ‏رجال ونساء مقتنعون بها ما ينافحون عنها ويجاهدون في سبيلها ويصبرون لأجل ذلك على الضيم والعنت.

‏وبيّن المنتدى الوطني للحوار كذلك سهولة أن يجلس الجزائريون مع بعضهم ولو كانوا مختلفين، لأن الحوار مع المتفق الموافق ‏ليس فيه كبير فائدة وإنما تكون الفائدة في الحوار مع المخالف حتى نؤكد معه على القدر المشترك وهو الوطن والوحدة والسلمية ‏والتداول على السلطة وبناء دولة المؤسسات المدنية في إطار هوياتنا الإسلامية النوفمبرية.

‏لقد مثلت وثيقة المنتدى الوطني للحوار خلاصة عشرات بل مئات الرؤى والوثائق والتصورات التي انبثقت منذ حراك 22 فبراير‏ وهي ليست وثيقة نهائية ولا كاملة ولا معصومة، ولكنها تدل على أن الجزائريين يملكون رؤية ‏حقيقية عميقة للأوضاع فيها تشخيص للأزمة في أبعادها الدستورية والسياسية والاجتماعية وفيها تقديم للحلول الواقعية التوافقية الممكنة، وفيها رسم ‏لمعالم المستقبل.

‏لقد مثل المنتدى الوطني للحوار ضربة قاسية قاصمة لكل من يراهن على عجز الجزائريين عن الجلوس مع بعضهم البعض، ولكل من راهن على التدخل الأجنبي، ولكل من راهن على الفوضى والعنف والاستقطاب لإفشال الحراك الشعبي المبارك، ‏وهو في المقابل يمثل بارقة أمل – من بين بوارق كثيرة – للخروج الآمن من الأزمة والبلوغ ‏بالجزائر إلى بر الحرية والنهضة والسؤدد كما حلم بذلك الشهداء من قبل.

‏والكرة الآن في يد من بيده الأمر ليستجيب لمطالب الشعب حتى نفوت الفرصة على المغرضين والمتآمرين وأولها إجراءات التهدئة التي تتمثل في الحريات السياسية والإعلامية حتى يتحدث كل الجزائريين ويعبروا عما في دخيلة نفوسهم ويشعروا أنهم أحرار في بلادهم.

‏والكرة الآن في ملعب المثقفين حتى يضطلعوا  بمهمتهم الكبيرة الضخمة وتتمثل في الشرح والتفسير وتعليم الجزائريين أن يقبلوا بالرأي الآخر ويقبلوا الحلول التدبيرية ويتخلوا قليلا عن المثالية التي تمنعهم من الرضى بالجزء المهم الممكن إذا لم يتحقق الكل المستحيل.

‏والكرة في يد المعارضة التي رأت رأي العين أن الشعب الجزائري قادر على الجلوس، وقادر على التحاور، وقادر على التعاطي بإيجابية مع المبادرات التي تكون في مستوى الحدث، وعلى هذه المعارضة أن تتجاوز أنانياتها الضيقة وتعرض عن مشاكلها الداخلية وتنظر إلى الأمام وتكون في مستوى الحراك أداء ومهارة، وأن تكون وفية له فتبلغ مطالبه ‏وتتبنى رؤاه وتكون في خدمته.

‏لكل هذه الأسباب بارك رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الشيخ الدكتور عبد الرزاق قسوم والمكتب الوطني هذه الخطوة وأرسلوا وفدا من ثمانية أفراد شارك فيها ووافق على وثيقتها ‏واعتبرها خطوة مهمة نحو المستقبل.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

لا لتكرار مأساة 1991/ عبد العزيز كحيل

 أريد أن يعلم الشباب أننا كنا ننعم بالحرية منذ 1988 أكتوبر، حرية يرعاها الرئيس الشاذلي …