الرئيسية | ذكرى | من دفتر رحلاتي في ربوع الوطن زيارة للتاريخ/ سعدي بزيان

من دفتر رحلاتي في ربوع الوطن زيارة للتاريخ/ سعدي بزيان

كان من حسن حظي أن أزور جل الأقطار العربية والأوروبية وأن أكتب عنها. وكانت انطلاقتي من باريس ومنها شددت الرحال إلى بلجيكا وهولاندا وسويسرا وإيطاليا وبريطانيا والسويد، ولي مع كل هذه البلدان أكثر من قصة وأكثر من حكاية تروى ومع الأسف الشديد لم أدون هذه الرحلات في كتاب حتى يقرأها هذا الجيل والأجيال القادمة، وبعض من هذه البلدان زرتها مرات عديدة مثل بريطانيا، وبلجيكا وسويسرا ووقفت على أحوال الجاليات الإسلامية في هذه البلدان وخاصة جاليتنا في بلجيكا وبريطانيا، وبالأخص فرنسا التي أعيش فيها منذ أكثر من 30 سنة، وقد يستغرب القارئ إذا عرف أنني رغم طوافي في بلاد الغرب لا أعرف شيئا عن بلادي إلا القليل والقليل جدا بحيث أجهل تماما منطقة الصحراء فلا تتعدى رحلاتي بسكرة وغرداية، وقد قررت مؤخرا القيام بزيارة إلى مدن عديدة في بلادي، فزرت المدية، وألقيت فيها محاضرة بمناسبة اليوم الوطني للهجرة. وزرت جيجل، وكانت المناسبة إحياء ذكرى رحيل الصديق ورفيق العمر الأستاذ محمد فارح وذلك بمبادرة من المركز الثقافي الإسلامي “أحمد حماني” جيجل. وقدمت شهادة حية عن ذكرياتي مع صديقي المرحوم الحاج محمد فارح الذي رافقني في الدراسة في “معهد عبد الحميد بن باديس” في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، وكتب الله لنا أن نلتقي بعد الاستقلال وأن نعمل سويا في جريدة “الشعب” وكان لي نعم الصديق والرفيق في دنيا الكلمة الصادقة عندما كانت جريدة “الشعب” أم الجرائد ومدرسة وطنية جزائرية أصيلة، وقد قمت مؤخرا بزيارة عاصمة الأوراس باتنة فكانت فعلا زيارة للتاريخ وفي أعماق التاريخ فكان لي لقاء طويل لمدة يومين مع الأستاذ شعبان المهندس في الطاقة الشمسية وهو ابن العقيد سي الحواس وتناولنا طعام الغداء مع د- علي تابليت والأستاذ زغدار لحسن أستاذ في العلوم السياسية في جامعة الجزائر، وكنت قد اتفقت وإياه مع د- تابليت على زيارة متحف والده بمسقط رأسه بقرية مشونش بعد أن كنت زرته قبل وكلما زرت عاصمة الأوراس تذكرت الشيخ عمر دردور الملقب بابن باديس الأوراس، وقد كلفه شيخه ابن باديس بتأسيس شعب جمعية العلماء في الأوراس، وكان الشيخ الطاهر مسعودان الطاهر حركاتي (1889- 1974) أول شخصية من عاصمة الأوراس باتنة يحضر مؤتمر تأسيس “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” في نادي الترقي بالجزائر العاصمة في 5 مايو 1931، وقد كلفه ابن باديس بتأسيس شعبة جمعية العلماء في باتنة، وللعلم فإن ابن باديس زار باتنة مرتين المرة الأولى في افتتاح مدرسة الشيخ الحنفي العوفي وهو تاجر ومصلح من منطقة القبائل، والزيارة الثانية عندما سجن تلميذه السابق الشيخ عمر دردور في سجن باتنة وجاء ابن باديس خصيصا لباتنة لحضور المحاكمة، وقد خصصت له جمعية العلماء محاميين وكنت كلما زرت باتنة إلا وأزوره وتربطني بالمرحوم الشيخ عمر دردور علاقات حميمة قديمة ولا أنسى استقباله لي عندما هاجرت إلى القاهرة طلبا للعلم وعلى حسابي الخاص، وقد خصصت له صفحات في كتابي شاهد على ميلاد الحركة الإصلاحية لجمعية العلماء في الأوراس وبالمناسبة كنت خلال زيارتي لباتنة اتصلت بصديقي الناشر الجديد الدكتور بحري السعيد وسلمت له مخطوطي:” شاهد على ميلاد الحركة الإصلاحية في الأوراس” وسوف يصدر خلال هذا الصيف بحول الله.

وكعادتي كلما زرت باتنة لابد من التوجه إلى مسقط رأسي قرية غوفي بلدية غسيرة دائرة آريس ولاية باتنة، وفي الطريق لابد من التوقف عند منعرجات “تيغانيس” ترى لماذا هذا التوقف؟ وأخذ الصور. للعلم فإنه في هذا المكان أطلقت الرصاصة الأولى في 1 نوفمبر 1954 وكان الضحية كل من القائد صدوق قائد مشونش والمعلم الفرنسي في تيفلفال الأستاذ مونيرو وجرح زوجته التي ماتت مؤخرا وقد أقامت منظمة المجاهدين تمثالا بل لوحة تتضمن قائمة بأسماء الشهداء، وقبل الوصول إلى غوفي توقفنا عند مقبرة الشهداء وقرأنا الفاتحة أنا ود- تابليت ترحما على أرواح شهدائنا، وكان من بين هؤلاء الشهداء الطالب الشهيد زعروري محمد الطالب في معهد ابن باديس وأول طالب من غسيرة يلتحق بالقاهرة والتحق بالثورة ومات شهيدا في ظل ظروف سادها الشقاق وكان من أذكى طلبة الأوراس وكان لقائي به في سنة 1956 في تونس في طريقه إلى ساحة الجهاد في الجزائر وكان واحدا من أبناء غسيرة ومن طلبة معهد ابن باديس الشهداء، ومن هؤلاء الضابط الصادق بوكريشة وبن عافية بلقاسم ومحمد بن سعاد، وبلقاسم بن المبروك، وبخوش محمد الذي درس معي في معهد ابن باديس وكان رفيق العمر رحمه الله.

وما من مرة زرت عاصمة الأوراس إلا واتصلت بزملائي السابقين في معهد ابن باديس، وكانت المفاجأة أنهم ماتوا جميعا ولم يبق سوى الأستاذ محمود عبد السلام وهو من تكوت قبيلة بن بوسليمان وخريج جامعة بغداد، وقد سكنه حب التاريخ ويعيش محرابه مبحرا في بحاره، فقلت لابد من زيارته والوقوف على مشاريعه فرغم تقدم سنه من مواليد 1926 والتحق بمعهد ابن باديس سنة 1949 أي بعد سنتين من افتتاح المعهد والتحق بجامع الزيتونة سنة 1952، وهو خريج بغداد سنة 1962 بشهادة البكالوريوس في الأدب العربي وتقلب في عدة مناصب تربوية، كما له نشاط حثيث في منظمات جبهة التحرير، وانفرد على زملائه أساتذة الأوراس في باتنة، فهو وحده المسكون بحب القراءة والكتابة، فقد صدر له تاريخ الأوراس سنة 1990 وهو حاليا متفرغ للتأليف فقد زرته مؤخرا فأهدى لي ملخصا من مذكراته وكتابا ثانيا بعنوان: “ملامح الثقافة في جنوب الأوراس” وقدم له د- فلوسي مسعود، والأستاذ محمود عبد السلام من الرعيل الأول، يتمتع بديناميكية خاصة جعلته يتحدى عوامل تقدم السن وزحف الشيخوخة، فقد أنجز مؤخرا كتابا قيما عن مدينة تكوت ووليها الصالح سيدي عبد السلام صدر عن دار الهدى بعين مليلة، وقد قدم له الدكتور عبد الباسط دردور وهو لاشك من عائلة المرحوم الشيخ عمر دردور الوارد ذكره صاحب الزاوية الدردورية التي لعبت دورا في الحركة الوطنية وثورة نوفمبر 1954، ومن منا لا يعرف جهاد الشيخ عمر في خدمة الثقافة العربية الإسلامية وإليه يعود الفضل الكبير في إنشاء المعاهد الإسلامية في الأوراس وهو أمين مال جبهة التحرير والصديق الحميم للمجاهد والأمين الدباغين رحمهما الله معا ورحم جميع المجاهدين.

إن الأستاذ محمود عبد السلام 93 سنة أطال الله في عمره لا يغادر الدنيا إلا وقد خلف وراءه رصيدا من تاريخ المنطقة المهمل من طرف المؤرخين وكتابه “مدينة تكوت ووليها الصالح سيدي عبد السلام” إطلالة على جانب هام من تاريخ المنطقة وهو شخصيا ينتمي لعائلة عريقة في ميدان العلم والتقوى وللولي الصالح سيدي عبد السلام دفين مدينة تكوت التي ينتمي إليها المصلح، والمقاول الشهير شعباني الوردي الذي أقام مسجدا في مدينة تكوت مسقط رأسه من ماله الخاص، وقدمه هدية لبني قومه وأنا أتساءل أين جامعة باتنة لتقوم بدورها في تكريم رجالات العلم وفي مقدمتهم الأستاذ محمود عبد السلام.

الأوراس منبع الثورات ضد الاستعمار الفرنسي من ثورة جار الله سنة 1879 مرورا بعدة ثورات إلى غاية الثورة التحريرية سنة 1954-1962 وشارك فيها أبناء تكوت من قبيلة بن بوسليمان ومسقط رأس صديقنا سي محمود عبد السلام تكوتي البوسليماني الأوراسي المسلم خريج بغداد وتلميذ معهد ابن باديس والذي له إسهامات في كتابة تاريخ المنطقة ويستمر الباحث محمود بن أحمد عبد السلام في إصدار كتب عن الأوراس حتى يمكن القول بإطلاق لقب مؤرخ الأوراس في القديم والحديث. وفي زيارتي له في منزله أهدى لي سلسلة من كتبه ومنها كتاب: “ملامح ثقافية في جنوب الأوراس” تقديم الدكتور مسعود بن موسى فلوسي الغوفاوي الغسيري الأوراسي الأستاذ بجامعة باتنة الحاج لخضر، وصديق المؤلف ومساعده وصدق د-فولسي مسعود عند تقديمه لهذا الكتاب وهو يتحدث عن الباحث الشيخ محمود عبد السلام الذي لا يعرفه أكثر أبناء الأوراس ولا يعرفون شيئا عن جهوده في التربية والتعليم ولا أبحاثه عن المنطقة وثقافتها، وليس محمود عبد السلام وحده الذي تجاهله أبناء الأوراس وما يعرف الأوراسيون وجامعة باتنة بالخصوص عن د-تليبت الباحث باللغتين العربية والإنجليزية وله أكثر من 10 كتب باللغتين ولعل أبرز هذه الكتب العلاقات الجزائرية الأمريكية 1776-1830 في مجلدين والكتاب عبارة عن أطروحته ولا ننسى كتاب المعاهدات الجزائرية مع أوروبا والولايات المتحدة في مجلدين لم تعرف الجزائر مثلها لحد الآن وهل ذكرته جامعة باتنة في مؤتمراتها وندواتها وهل ذكره أبناء الأوراس في كتاباتهم ما عدا ما كتبته أنا شخصيا ولا أتحدث عن نفسي، فالشكر والتقدير جاءني من أساتذة جامعتين في الجزائر بن نعمان وسعيدوني ومن عنابة د بوخلاقة وابنه في البصائر وفي مجلة العربي الكويتية في حين نرى بعض كتاب الأوراس وأساتذة جامعاتها مهتمين بكتاب آخرين ليسوا من الأوراس وإنتاجهم لا يكاد يذكر “وعش رجبا ترى عجبا” إذن ليس صديقنا الأستاذ سي محمود عبد السلام هو وحده المتجاهل من بني قومه ونحن لا نستجدي الشكر من أحد فأعمال المرء وحده تشهد عليه، إن قدم شيئا جديرا بالذكر.

فالصديق محمود عبد السلام الذي رافقته في معهد بن باديس والزيتونة كان فعلا شخصا آخر فهو وحده من أساتذة باتنة الأوراسيين الذي أبدا اهتماما بالثقافة وتكوت بتاريخ الأوراس وثقافته الشعبية –وها نحن نساهم معه في هذا الحقل ونقدم كتابا كاملا عن الحركة الإصلاحية لجمعية العلماء في الأوراس ورجالاتها ويرى الكتاب النور قريبا ليكون الكتاب 15 من إنتاجنا المتواضع –وفي مختلف المواضيع ولا نتحدث عن مئات المقالات في صحافتنا الوطنية وفي صحافة المهجر، فعلا عما كتبه الفرنكفونيون باللغة الفرنسية في الصحافة الجزائرية الفرنكفونية وليس هذا من باب التفاخر بل تذكير ببعض الحقائق، وبعض المواقف من بعض أبناء منطقتنا فهم كما يقول المصريون (كدة) و”بس” ولا تنسينا هذه المواقف عن قراءة ما كتبه صديقنا سي محمود بن أحمد عبد السلام وسوف نعود بحول الله بالتفصيل عما كتبه في أبحاثه التاريخية عن الأوراس وهو نقص تعاني منه المنطقة، ووفقنا الله في خدمة الوطن عموما ومنطقة الأوراس خصوصا، وأطال الله عمر صديقنا الشيخ محمود عبد السلام في خدمة التاريخ والثقافة .

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الذكــــــرى 59 لليــــوم الوطني للهجــــــرة / 17 أكتوبر 1961 .. * جريمة موريس بابون ضد الانسانية *معركة باريس.. انتصار اعلامي للحكومة الجزائرية المؤقتة

تغطية: فاطمــة طاهـــي /   17 أكتوبر 1961: تاريخ يخلد أبشع صور الجرائم الفرنسية ضد …