الرئيسية | حوار | الدكتور محمد عبد النور في حوار لـ”البصائر”/ حوار/الكاتب الصحفي جـمال بوزيان

الدكتور محمد عبد النور في حوار لـ”البصائر”/ حوار/الكاتب الصحفي جـمال بوزيان

ضيْفُ اليوم؛ قامة فكريَّة وعِلميَّة من قامات الـجزائر؛ مِن مواليد 1982م بـمدينة غرداية؛ حاصل على شهادة “الدُّكتوراه” في عِلم الاجتماع الثَّقافيِّ مِن جامعة الـجزائر عام 2014م؛ حاليًا أستاذ عِلم الاجتماع بـجامعة غرداية.

له عِدَّة مُؤلَّفات منها “شذرات في قضايا التَّجديد والنُّهوض، الـمركز الثَّقافيُّ العربيُّ بالدَّار البيضاء بالـمغرب عام 2014م”؛ و”حاشية على روح الـجماهير، الدَّار الـمتوسِّطيَّة للنَّشر بتونس، عام 2014م”؛ و”عِلم اجتماع الوحي الـمُحمَّديِّ، دار قرطبة بالـجزائر عام 2015 م”؛ و”الـمجتمع العلميُّ، دار كتابك للنَّشر بالـجزائر، عام 2016م”؛ و”تكوينيَّة الثَّقافة الإسلاميَّة، دار نور نشر بألمانيا، عام 2016 م”؛ وترجم مع سعود الـمولى كتاب “مدخل إلى عِلم اجتماع الـمخيال”، الـمركز العربيُّ بالدَّوحة بقطر عام 2018 م”.

له مُشارَكات في ملتقيات عِلميَّة؛ وأيضًا مقالات نشرها في صحف مُحكِّمة… ويَكتب في مَواقِع عربيَّة في الشُّؤون الـمعرفيَّة والفكريَّة والاجتماعيَّة والسِّياسيَّة.

تَنشُر “البصائر” حواري الصِّحفيَّ مع الدُّكتور مُحمَّد عبد النُّور.

مَرحبًا بكَ.

أهلا أخي جـمال، وشكرا على إتاحة هذه الفسحة الفكرية.

العقلُ مُنتِجُ كُلِّ فِكرٍ إنسانيٍّ؛ والإسلامُ دِينُ تَفكيرٍ وإنتاجٍ وليس للتَّنظير فقط؛ ولَمْ يَمنعِ النَّاسَ مِنَ التَّفكيرِ خارجه… ما رأيكَ؟

النص القرآني يدفع قارئه دفعا للخروج من نصّه فهو أحيانا يأمر بذلك أمرا {قُلْ سِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ…} الآية رقم 20 من سورة العنكبوت.

   وأحيانا يؤكد أن الإنسان بالضرورة يعيش خارج النص {سَنُرِيهُمْ آَيَاتُنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ…} الآية رقم 53 من سورة فصلت.

   حتى أنه ليس من المبالغة القول بأن شرط فهم النص وإدراكه يقتضي مكابدة الوقائع والحقائق الفعلية في التاريخ حتى يمكن العودة إلى النص كل مرّة بنَفَس جديد، إن القرآن معطاء في كل الأزمنة لكن شرط ذلك أن يكون عطاؤه مقترنا بتفاعل مستمر لا ينقطع بالواقع وحمل الأسئلة إليه.

هلِ النَّقدُ في أيِّ مَجال هو –بالضَّرورة- مَوقِفٌ يُنِمُّ عن فِكر صاحبِه؟

إذا أخذنا النقد بمعناه الأعم أقول: إنه ليس بالضرورة أن يكون صادرا عن فكر حقيقي، الإنسان في الأغلب الأعم تحكمه المزاجية، إلا إذا أخضع نفسه لمعايير العلم الموضوعي التي تخرجه عن طبيعته فيلجمها عن التسرع والانطباع والعاطفة، وعلى ذلك فإن النّقد بمعناه الدقيق يقوم على كفاءة أساسية تتمثل في امتلاك البدائل الفعلية للمادة المنقودة، أعني أن الناقد يجب أن يحوز نظرة خاصة لما ينقد تكون هي التي ستتحكم في اتجاه النقد، النقد في جوهره حيلة بها يبرز الناقد من خلالها نظرته الخاصة على حساب الرأي الذي ينقده، فضلا عن أن النقد ليس بالضرورة انتقادا واختلافا، يمكن للناقد أن يتبنى الكثير من الآراء الصادرة عن الآخرين، لكن شرط أن يكون ذلك على بيّنة وتمحيص وليس ميلا وتسليماً، النقد إذن ليس تشهّيا وانطباعات بقدر ما هو مكابدة للحقيقة وسعي حثيث إلى تمثلها أولا والالتزام بمقتضياتها ثانيا.

في ضوء القرآن الكريم والـحديث النَّبويِّ الشَّريف؛ وما يَستجدُّ للنَّاس…كيْف يُوفِّقِ العقلُ بيْن الوحي والواقع؟

الوحي لفظا هو تجلّي الحقيقة بارزة أمام العقل بعد أن كانت غائبة عنه، وإذا حيّدنا هذا التعريف من مضمونه الديني الذي يشير إلى القوة العليا التي تتكفل بفعل الإيحاء إلى الأنبياء، وجدنا أن الوحي لا يبتعد كثيرا عن فعل العقل الأساسي وهو انكشاف الحقائق في الذهن والتصور باعتبار أن تلك الحقائق تسبق وجودها في الواقع على وجودها في العقل، ومن ثم فليس الفكر الحقيقي المبدع إلا جملة من الاستبصارات الجديدة التي حصلت في ذهن المفكّر الذي يكون له سبق بيانها والتعبير عنها بفضل الرّمز اللغوي، أو أي رمز آخر مثل الفنون التي لها رموزها في التعبير عن الحقيقة.

لكن الشيء المميز للوحي النبوي في الإسلام خاصة هو كونه تخلّد في التاريخ بنصه الحرفي، وتلك في الواقع ميزة مدهشة هي التي تمنحه القدسية، لا أعني فقط استمرار نصه مضبوطا بشكل حرفي بل أيضا الإجماع الذي يحققه إلى غاية اليوم بين أكثر من ملياري مسلم، لا أحد يدعي أو يجرؤ على التشكيك في صحة أيِّ آية أو تشكيل حرف من الأحرف من رغم تعدّد رواياته؛ لكن ولما تقدّم الجواب على أن الوحي والعقل هما وجهان لحقيقة واحدة كانت المفارقة الظاهرية هي أن الوحي النبوي عقل مقابل لجملة العقل البشري، هل يعوق الأول الثاني خاصة وأنه مرتبط بشكل وثيق بمرحلة تاريخية ظاهرة في تفاصيل نصه؟ وهل الحل هو التخلي عن مضامينه التوجيهية؟ ألا يحق للعقل البشري أن يخوض غمار تجربته الخاصة بنفسه دون نص حرفي مسبق يقيده؟

الواقع، إنها أسئلة كبيرة تحتاج إلى مؤلفات أو ربما وجد من حاول في التفكير فيها، لكن والحال كذلك كان الجواب المختصر مفيدا وهو أولا: حاجة العقل إلى نموذج مثالي وهنا بمعنى أن يكون الجهد منصبا على افتكاك روح المضمون القرآني والابتعاد عن حرفيته، وهذه أول خطوة في التحرر من مشكلة التقابل المذكورة لأن تحويل النص إلى معانٍ هو عمل عقلي محض، وثانيا حاجة الإنسان إلى المقدّس، بغض النظر عن أن القرآن هو مجموعة من المضامين المعرفية والثقافية فإنه يبقى دائما كتابَ تعبّد يُتلى بالصوت الحسن وكل حرف بعشر حسنات، وليس من القول العجب أنّ القرآن في جوهره كتابُ عمل قبل أن يكون كتابَ نظر وتفكّر.

وكان ما تقدّم ضروريا ليصبح جوابي واضحا بخصوص العلاقة بين الوحي والواقع:

أ- القرآن سيكون هو “الوحي نفسه” يتجدد كل مرة عند ما يخضع للتفكر والاجتهاد العقليين وحينها ينتفي التقابل بينه وبين العقل البشري، حيث مهمة العقل هي استخراج المعاني من النص سواء كان اجتهادا موفقا أم لا.

ب- القرآن أيضا سيكون هو “الواقع نفسه” عندما يكون هو الموجّه المرجعي لسلوكات الناس وحينها ينتفي التقابل بينه وبين الواقع الذي يصنعه البشر، حيث يكون السلوك ترجمة مباشرة لتوجيهاته بغض النظر أفهمها فهما صحيحا أم لا.

يَجتهدُ أُصوليُّون في إضافة مَقاصِد للشَّريعة الإسلاميَّة الَّتي استنبطها الإمام الشَّاطبيُّ مِثل الـحـرِّيَّة وغيرها؛ لا سيما في ظلِّ احتكار سُلطات العالَم الثَّالث لـ”حرِّيَّـة الإرادة الشَّعبيَّة” … ما رأيكَ؟

بداية لا ريب أن كل واقع اجتماعي وحضاري موصول بجذر نظري ما لا ينفصل عنه، إن لم تمتلك أمة النظرية الأصيلة بها كانت لا محالة مرتهنة إلى نظرية أمة أخرى، لذلك كان الاجتهاد النظري أوجب الواجبات الكفائية في المجتمعات المسلمة باعتبارها تقوم على تجربة حضارية ومشروع ذاتي خاص بها، ومن دون نظرية مستقلة خاصة بالمجتمع ستتكرس التبعية فالإرادة والحماس لا يكفيان لاستئناف الأمة مسارها الحضاري، بل لا بد من أن تعضدها القدرة والكفاءة، والتنظير هو أعلى مراتب العلم والتعليم وأول ما يجب أن نحوزه من كفاءات، والعمل من دون نظر كالذي يرمي في عماية.

وبه، التراث ثرٌّ بالمحاولات المنظّرة للحرية، من الناحية الشرعية قد يكون الشاطبي أكثرها جرأة وجدّة، ومن المهم العمل على تطوير نظرية للحرية من داخل التراث الفكري الشرعي في الإسلام، وقد يعين على ذلك أمران:

  • الإطلاع على تجديدات فلاسفة الإسلام المعاصرين.

ب- وكذا الاطلاع على الموروث النظري الحاصل راهنا في الفكر الغربي، حيث لا بد من رأب الـهُـوَّة الكبيرة بين تراثنا الشرعي والتراث الفكري الغربي في مجال الحرية وغيرها، ولا بد من الانتهاء إلى حالة من الاستيعاب التام للثاني من طرف الأول استنادا إلى تقدّمه وأن الحكمة ضالة المؤمن وهو أحق بها.

تُنشِئ “مَنظومات الـحُكم الشُّموليَّة” دساتير على مَقاسها وتَخرقها وتُعدِّلها كما تُريد؛ وتَلتزم بـها من أجل مَصالـحها وليستْ مَصالِح الشُّعوب… ما رأيكَ؟

حقيقة، في الأنظمة الاستبدادية لا تكون مقومات الدولة ومن بينها الدستور إلا أداة لترسيخ سُلطة الأمر الواقع الجبرية، وهذا ناتج بالدرجة الأولى عن عامل تاريخي هو استقالة الشعوب من مراقبة الشأن العام، وهو ما ينتج عنه غياب آليات التعبير الحر والديمقراطية السياسية، أو أن توجد حسب مقاس السُّلطة تعدّلها كيفما شاءت، لذلك يتطلّب استعادة سُلطة الشعب أولا التحرر من ربقة العبودية النفسية والذهنية والتحرك لأجل إصلاح الأوضاع وهو ما سيجابه بالضرورة بثورة مضادة ترفض كل إصلاح حماية لما اعتادت عليه من امتيازات نالتها دون وجه حق، وعلى الشعب أن يعلم أنه لا بد من التدرّج في ذلك أولا وثانيا أن يتولى الأمر رجال دولة حقيقيون لأن مهمة رجال السياسة تنتهي لا محالة عند تعبئة الجمهور، لذلك وجب على الشعب أن يميز جيدا بين رجل السياسة الذي يقوم بعمل ظرفي مهم وهو التعبئة ورجل الدولة الذي يتحمل عبء تحقيق إرادة الشعب على المدى الطويل.

ألا تَرَى الابتعاد النِّهائيَّ لـ”الـجيش الوطنيِّ الشَّعبيِّ” عنِ مُمارَسة السِّياسة هو أحد مَفاتيح حلِّ “أزمة الشَّرعيَّة في الـجزائر”؟

بالمطلق أجل، هو كذلك، لكن ظرفيا يجب أن يحصل الأمر على مراحل وبتدرج مدروس، والسؤال كله يكمن في نية الجيش واستعداده لذلك من جهة، وقدرة المدنيين على إدارة شأنهم العام بأنفسهم دون وصاية العسكر من جهة أخرى، من حيث المبدأ الأمر متعلّق بالفصل الموضوعي بين السُّلطات، يجب أن لا يمارس السياسة إلا دائرة ضيقة من رجال السياسة، حيث تبقى الغالبية من مسيري الشأن العام من رجال الدولة والخبراء من أصحاب الكفاءات، أعني أن الإيديولوجيا لا تظهر إلا في:

  • العملية الانتخابية: حيث التنافس على البرامج الانتخابية أو…
  • الحياة الحزبية: حيث مراقبة سياسات الدولة ممن خول لهم ذلك في البرلمانات والمجالس العامة والإعلام الحر، إن ابتعاد الجيش عن ممارسة السياسة يكون ضمن هذا الإطار العام، أعني ابتعاد كل المؤسسات المحايدة الأخرى عن السياسة، والإدارة أيضا يجب أن تبتعد عن السياسة، الاقتصاد أيضا فضلا عن المجتمع والثقافة يجب أن تبقى كلها كمؤسسات موضوعية، بينما بصفتهم أفرادا عليهم الانخراط في الأحزاب أو الإدلاء بآرائهم في الإعلام إذا أرادوا ممارسة السياسة.

بقول آخر  لا بد من وضع حد لتسييس مؤسسات الدولة والمجتمع، وتقييد إطار ممارسة السياسة فيما تقدّم ذكره، نحن حقّا بحاجة إلى إعادة تعريف معنى رجل السياسة الحزبي ورجل الدولة التقنوقراطي، والمعضلة الكبرى أن التقنوقراطي صار يستثمر ويوظف أيديولوجيا الولاء للداخل والخارج لتحقيق أغراض أو مكاسب شخصية وسياسية، أما رجل السياسة فلم يعد له من تأثير حقيقي على الوعي فامتهن الخطابة الخالية من المضامين الحقيقية للوعي السياسي.

من هذا الباب وجب تفكيك تحالف قوى كثيرة تفسد العمل السياسي وعمل رجال الدولة وهو تحالف قديم هجين مكون من: العسكر والساسة ورجال الاقتصاد ورجال الدين والأعيان، هذا التحالف الذي قضى على كل مقومات الدولة القوية المتصالحة مع الشعب وصيّر منها مرتعا لأصحاب النفوذ بدلا من الكفاءات، وجعل من الدولة تابعة وغير ذات سيادة على نفسها.

ومن ثم فإن إعادة السلطة للمدنيين من أصحاب الكفاءات والنزعة السيادية المتحررين من ذهنية التبعية ستكون هي الضمانة لتحقيق التحول المطلوب، والمسؤولية مشتركة بين المدنيين اللذين عليهم التحلي بروح العمل في إطار الدولة كمكسب قائم وتطويره نحو الأفضل، وبين العسكريين الذين يعد نفوذهم امتدادا للشرعية الثورية التي كانت أداتها السلاح، وأخيرا فإن الظرف الراهن في الجزائر يقتضي أولا تفكيك التحالف المتقدّم الذكر، بدءا بالأعيان المشرفين على الأبنية التقليدية للمجتمع ومرورا برجال الدين بإحالتهم إلى دورهم المرتكز على العلم الشرعي والتنوير الحضاري، وكذا تحويل رجال الإدارة السياسية ورجال الاقتصاد للعمل لصالح المصلحة الوطنية العامة كأيديولوجيا وحيدة متفق عليها، وأخيرا الانتهاء إلى انسحاب المؤسسة العسكرية من الحياة السياسة كنتيجة وثمرة تكون ذروة للتحول الشامل من دولة الوصاية الأهلية والأجنبية إلى دولة السيادة والرشادة المدنية.

 

بعْد الاستعباد والاستبداد والإفساد؛ وميلاد “ثورة سِلميَّة” في الـجزائر… ألا تَرَى أنَّ “الـحالة ثوريَّة” وليست “حالة ديـمقراطيَّة”؛ وأنَّ مَخارِج النَّجاة سياسيَّة وليست دستوريَّة؟ وما الآليات لقيام “سُلطة سياسيَّة شرعيَّة” حاليًا؟

لا شكّ أننا دخلنا منذ فبراير 2019 م في حالة ثورية صرفة، لكن القول بالمخرج السياسي أو الدستوري لا يتناقض إطلاقا من حيث المعنى الواسع، أعني أن كل مخرج سياسي لا بد وأن يكون دستوريا، وواضح أن الدستور هنا لا يعنى به أكثر من “العملية الانتخابية” النزيهة ما دمنا في حالة ثورية، حيث المعلوم أن بقية تفاصيل الدستور هو مما ثار عليه الشعب والتي صُنعت على مقاس السُّلطة التي يراد تغييرها والتي يكون تغييرها أولى الأولويات بعد انتخاب رئيس للجمهورية من طرف الشعب.

آليات بناء السُّلطة السياسية الشرعية الظاهرية واضحة جدّا وهي الاحتكام إلى الصندوق الذي سيفرز قرار الأغلبية العامة للشعب في اختيار رئيس منتخب ولا بديل عن ذلك، فضلا عن انتخاب برلمان يكون ناتجا عن حياة حزبية حقيقية، وأن يعدّل الدستور لاحقا بما يكون في خدمة الصالح العام للشعب والوطن.

كما أن البناء الشرعي للسُّلطة يخضع لرهانات واستحقاقات خفية تعود إلى الكفاءات التفاوضية والقدرة على إدارة الصراع داخليا وخارجيا عند من يمثل الشعب وطموحاته، ذلك أن تجسيد الشرعية السياسية يتمثل في الجمع بين معطى الكفاءة في تسيير الشأن الوطني العام من “رجال دولة” بالمعنى الفعلي للكلمة، ومعطى الاستماع الذكي للشعب وإرادته لكن دون شعبوية، إن الحقيقة السوسيولوجية تقر بأن للجماهير دكتاتوريتها التي تمارسها على ممثليها لذلك فالمعادلة صعبة وقد لا تتحقق إلا بكفاءات قيادية نادرة سيفرزها التاريخ حتما عند ما تتحقق شروط ظهورها.  

وأخيرا العمل على تعديل للنظام الرئاسي تدريجيا بافتكاك جزء من الصلاحيات التي يحوزها الرئيس وإيكالها إلى مجلس استشاري وجب أن يكون جزء مهما منه منتخبا شعبيا أيضا، بحيث يتم الجمع بين جماعية الرأي وفردية التنفيذ بشكل سلس.

أيضا وهذا الأهم التحرر من الفهم الشعبوي للديمقراطية على أنها حرية بشقيها حرية الرأي وحرية الإرادة، الفهم الذي نتج عنه تاريخيا كوارث ودمار، إنما الحرية يجب أن تقتصر فقط على حرية الرأي والتعبير، بينما حرية الإرادة يجب أن تكون حكرا على الدولة، حيث تبقى حرية الرأي للشعب وتكون حرية الإرادة للدولة لئلا يستحيل الأمر إلى تضارب إرادات ينتهي حتما بالدمار، والوسيلة الوحيدة لتكون إرادة الشعب نافذة لا بد أن تكون السُّلطة خاضعة لإرادة الأغلبية وهذا ما على كل فرد النضال لأجل تحقيقه، فمن حق كل فرد أن يرى ويقول ما يشاء، أما أن يعتقد كل واحد أن من حقه أن يفعل ما يشاء فهذا عين التصور الشعبوي للديمقراطية.

وبالمقابل يجب أن تكون إرادة الدولة ترجمة فعلية وعادلة لإرادة الشعب، بمعنى أن تعمل مؤسسات وسيطة بين الأفراد من المواطنين على استيعاب رغبات وطموحات الشعب وفقا لمنطق الأغلبية ثم يتم تمريرها إلى السُّلطة التنفيذية الأعلى في البلد ليتم تنزيلها كيف ما أمكن ووجب واقتضى الأمر على أن يتولى الأمر نخبة حقيقية من المفكرين والتقنيين يكونون الضمير الحي والكُفء الذي يجعل مصلحة الأمة فوق كل اعتبار.  

ما رأيكَ في مُحاكَمة بعض رموز الاستعباد والاستبداد والإفساد؟ وهلْ ما يَحدُث تغيير حقيقيٌّ؟

الواضح أننا الآن نشهد مرحلة جديدة إداريا وإيديولوجيا، وأعني بالجديدة هنا هو التغيير الحاصل بغض النظر أكان لصالح الشعب أم لا؟، لكن يوجد تغيير شبه مؤكد تحقق بفعل الـحَراك الشعبي، وهو تغيير حدث داخل أروقة النظام القائم، ولست هنا من أنصار مقولة المسرحة تفسيرا لما يحدث من محاكمات، لكن رأيي أن في حال تنزيه المتهمين من الرجال وإعادة الحرية إليهم سيكون إشارة إلى حصول تغيّر ثان في هرم السُّلطة مخالف لما يحدث الآن.

وبالمنطق السياسي أقول إن مطالب الشعب وحَراكه يجب أن يتجه إلى ترسيخ أمرين: أولا الدفع والضغط من أجل المزيد من المكاسب الديمقراطية في إحياء الحياة السياسية الحقيقية لتأسيس مراسيم وقوانين ترسخ ما بدأه الـحَراك من مراقبة الشأن السياسي عن قرب وبفاعلية والابتعاد عن السلبية. ثانيا وهو الأهم وهو الجواب على سؤالك الدفع والضغط نحو إتمام المحاكمات إلى نهاياتها، ونهاياتها هي أن يرى الشعب ثمار المحاكمات المتمثلة أساسا في استرجاع الثروات المنهوبة وتأميمها بشكل جدّي ينعكس بشكل مباشر على المواطن، وهذا سيضع حدا للشكوك المبرّرة التي تطال المحاسبات الجارية باسم أنها انتقائية أو أنها تأتي في ظرف سياسي غير مناسب، أعني أنه موضوعيا يجب على الشعب استثمار الخطوات رغم أنه قد يرى أنها لم تأت في إطارها الصحيح، أي التعامل بسياسة المصالح والمنافع والابتعاد عن منطق تحقيق الحالة المثالية قبل كل شيء! وأن يقر بأنه يتعامل مع سُلطة جديدة قائمة أو هي بصدد القيام.

والخلاصة، هي ضرورة أن يمضي مسار التغيير الذي يتبناه الـحَراك الشعبي في منحيين هما ترسيخ جدّية الإجراءات انطلاقا من أن الأمور ليست محسومة لا من قبل ولا من بعد إنما الأمر متعلق بمخاض لا يزال جاريا وعلى قدر القوة التفاوضية والقدرة التنافسية سيحصل الشعب ما يريد، لذلك وجبت المرابطة على الأمر والاحتفاظ بالطموح نحو التغيير إلى الأفضل، والعمل من أجل حصد المزيد من المكاسب الاقتصادية السياسية لصالح الشعب، وفي النهاية يجب أن تكون المحاكمات الجارية مكسبا تحفيزيا في وعي الشعب للمطالبة بالمزيد من المكاسب ولا منطق للاعتراض على الحاصل من المحاسبات، إنما المنطق في العمل على ترسيخه وكسب المزيد.  

ما الأسباب الـحقيقيَّة وراء الـجدل القائم حول “الرَّاية الثَّقافيَّة” في الـجزائر؟

للأسف التصحّر الذاتي والتصحير المقصود للساحتين السياسية والفكرية جعل موضوع الـهُـوِيَّـة والأُمَّـة في مهبّ الريح وأسقطها بين أيدي شعبوية متطرفة لا تكلف نفسها عناء التدقيق والتمييز بين الغث والسمين بمنطق الأفكار، لكنها تعتاش على الماضي وعلى صراعاته وانقساماته، وهذا من علامات ضعف الدول وخضوعها لإرادات داخلية وخارجية لم تستطع الدولة ردعها بـ”القوة الشرعية” حسب فيبر أو”السلطان القاهر” حسب ابن خلدون، لذلك فمشكلة الـهُـوِيَّـة داخل الأوطان تبقى دائما قنبلة موقوتة، وإطلاق العنان للصراع الـهُـوِياتي يخلق شروخا نفسية يصعب رأبها بسرعة.

فلا شك أن توحيد الراية هو وقبل كل شيء توحيد نفسي ضروري لا بد منه قبل الدخول في أي إصلاحات عملية، للأسف المرحلة التاريخية الحديثة خلّفت لدينا إشكالا هُـوِياتيا عميقا بدءا بالصراع بين القومية والدِّين وتسلل بعدها إلى داخل الدول ليكون إشكالا بين الإثنيات المكونة للوطن الواحد، لكن لا بد أن يتم الإصلاح بتدرج وعلى مراحل.

ورأيي أن جوهر المشكل مرتبط بالحدود والمجالات المسموحة للاختلاف الثقافي والتعدد الإثني الذي يجب أن يبقى محصورا في الجوانب الاجتماعية والثقافية فلا يتعدّاها إلى الجانب السياسي، يجب أن لا تظهر الإثنيات وثقافتها في المجال السياسي بشكل ظاهر أو باطن، إن المحظور هو ظهور الرايات السياسية، أما الراية الثقافية فيمكن اعتبار أي مظهر رمزي للاحتفاليات والطقوس هو ضربا من الراية الثقافية التي وجب تأطيرها قانونيا، أعني عزلها سياسيا وترسيخها ثقافيا.

أما مشكلة إقحام الراية الثقافية في المجال السياسي فكما لا بد من الفصل بين الانتماء الديني والحياة السياسية كذلك لا بد من الفصل بين الانتماء الثقافي والحياة السياسية، وذلك سيكون بالضرورة في خدمة كليهما الثقافات المحلية والمنفعة العامة للوطن.

اقترحتَ “تأسيس عَقد اجتماعيٍّ جزائريٍّ”… ألا تَرَى أنَّ الـمَبادئ العامَّة في بيان أوَّل نوفمبر جـمعتِ الـجزائريِّين أمسٍ بِكُلِّ مُكوِّناتهم؛ وهو لا يَزال بِكرًا؛ ولَم يُلتزَم به غداة “الاستقلال الـهشِّ”… وذي ثورة 22 فبراير” السِّلميَّة قدْ وحَّدتِ الشَّعب الـجزائريَّ ضدَّ الاستعباد والاستبداد والإفساد؛ ألا يُمْكن صياغة أرضية مُشتَركة مِن “روح نوفمبر” ومِن “عنفوان فبراير”؛ يُضَاف لـها البُعد الأمازيغيُّ لبِناء دولة الـحقِّ والـحرٍّيَّــة والعدل؟

أنت تشير إلى كتابي الذي سيصدر قريبا إن شاء الله حول فكرة تأسيس “عقد اجتماعي جزائري”؛ ولعلّك قد أشرت في سؤالك لبعض الجواب… أولا إن أي ثورة بحاجة إلى نظرية تؤطّرها للانتقال بها من حالة الفوران العاطفي إلى حالة الفعل العقلاني الرشيد، وكذا تمنحها مضامينها الروحية والثقافية، المعلوم أن من سنن الثورة أنها تكون صماء تعلن التغيير الجذري لكنها لا تفصح عن طبيعة الدولة والمجتمع اللذين تريد بناءهما من جديد، وهنا تأتي مهمة المفكّر والمثقف عموما في هندسة المستقبل وصياغة خطته تصورية عامة عنه.

لذلك فتفكيري في تأسيس العقد الاجتماعي كان محاولة لتجاوز الفراغ النظري الذي نتج بعد انطلاق حَراك فبراير، ذلك أن استعادة المدنيين للحُكم يقتضي نضجا يبرزه المدني أول ما يبرزه في الوعي وهو ما على المنظر القيام به لكونه العقل الذي يبلور نظريا روح الشعب، لا شك أن حَراك فبراير هو امتداد لثورة نوفمبر، وأن النوفمبرية كروح مكسب معنوي مهم جدّا للجزائريين لا تمتلكه جميع الشعوب، لكن من الناحية العملية يبقى نوفمبر بصفته بيانا نصا سياسيا قصيرا جدا لم يتكفل بتخطيط المراحل بقدر ما تكفل بإبراز الروح، وإن كنت أعتبر أن “ميلاد مجتمع” للمفكر مالك بن نبي يمكن أن يكون ولو من بعيد تنظيرا لثورة نوفمبر، ومن ثم أعتبر محاولتي المتواضعة في تأسيس عقد اجتماعي جزائري محاولة لمواصلة الجهد النظري المتقدّم.

ومحصّلة القول، إني بيّنت في الكتيّب الذي عنونته بـ”الـمسوّدة” أن ثورة نوفمبر سكنتها إرادة الاستقلال والسيادة، أما حَراك فبراير فروحه السعي إلى المنفعة العامة للشعب والوطن. فلا تكون المكونات الـهُـوِياتية بعد ذلك إلا في خدمة مبدئي السيادة والمنفعة، الأمر متعلّق بحوصلة وتجديد وربط بين الماضي والحاضر، أعني ماضي 1954 م وحاضر 2019 م.

هلْ تَرَى أنَّ “الـحَراك الشَّعبيَّ” يَصل مَداه في “التَّغيير الـجذريِّ” بالنَّظر للظُّروف الدَّاخليَّة والإقليميَّة والعالَميَّة؛ خاصَّة أنَّ الصِّراعات الدُّوليَّة تَتزايد مِن أجل السَّيطرة على مُقدِّرات كثيرٍ مِن بُلدان العالَم؛ وتَتنوَّع الـحروب استخباراتيًّا وعسكريًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا وتجاريًّا ومعلوماتيًّا وتكنولوجيًّا وثقافيًّا؛ وكيْف السَّبيل إلى حـماية الـجزائر مِن تلك الأطماع؟

هذا رهين بمدى شدّة الوعي ونجاعة الفعل التي يمكن أن يتحلى بها قدر معتبر من المواطنين، أعني أنه ليس بالضرورة أن يكون العشرون مليون جزائري كلهم على نفس المستوى من الوعي والفاعلية، ولكن قد تكفي نسبة عشرة إلى عشرين بالمئة ممن لهم من التأهيل والكفاءة على تسيير وإدارة الشأن العام ومن المؤمنين بضرورة التحرّر التام للجزائر من كل استتباع بمعنى العمل على تحقيق السيادة التامة على الذات الوطنية هي في نظري الشروط الضرورية والكافية لتحقيق الـحَراك الشعبي مداه.

وهنا لا بدّ أن أشير إلى أن الـحَراك جعل من العقل الجمعي للجزائريين يتكلّم ويتحاور بعد أن عاش فترة طويلة من القهر والصمت، ويجب أن لا نتصوره عقلا جمعيا بالمعنى المثالي لكن يجب أن ينتخب الـحَراك فتيانا وفتيات يتحلّون بالكفاءة التسييرية المتحررة من أي ارتهان يمثلونه حتى يعبروا بشكل صحيح عن ضمير الشعب، أعني نخبة سياسية ومثقفة لها القدرة على السماع إلى صوت الشعب ومحاولة تجسيده الفعلي في سياسات وخطط تنموية عامة.

إذن لا بد من الشرط الداخلي بمعنى أن يتحرر مما أسماه ابن نبي من القابلية للاستعمار، وهو أمر لا يتعلّق بمجرد الإرادة إنما هو قدرة على ذلك أيضا، ما يعني أن المسألة ترتبط بإكراهات تاريخية تتجاوز مجرد الرغبة النفسية، وأن مهمة الفرد الواحد هي العمل من أجل التقدّم في موضوع التحرر من القابلية للاستعمار.

فإذا نظرنا إلى الظرفين الداخلي والدولي وجدنا أننا أمام معادلة واضحة وصريحة وصعبة التحقيق وهي: تحقيق التغيير الجذري في ظل الحفاظ على كل المقومات الموضوعية للدولة، وإذا تحققت المعادلة فإن ذلك يعني أن الشعب قد خرج أكبر الفائزين من هذا التحوّل، وهو سيكون تحولا غير تقليدي بالنظر إلى كونه يأتي مخالفا لما حدث في الثورات التي افتتحت المرحلة الحديثة من التاريخ البشري، الثورات التي عرفت الخروج عن حالة الدولة قبل أن تعود إليه بشق الأنفس.

لكن يبدو أن ثورات المنطقة العربية جاءت محكومة بظرف دولي غير مسبوق مفاده أننا فعليا نعيش في ظل دولة عالمية واحدة يحكمها عقل سياسي واستراتيجي واحد لا يجد مشكلة في خلق حالات فوضى خلاّقة تشكل بالنسبة إليه خيارا يحقق به تجديد هيمنته وترسيخ قواعد نظامه، وهو بالحتم ما يتعارض مع رغبة الشعوب في افتكاك سيادتها الكاملة مع نفسها، وهو في الآن ذاته يخضع لمعادلات وحسابات لا تجعل كل ما تريده “الدولة العالمية” في المتناول أو قابلا للتنفيذ دون اعتراضات ومعارضات، لذلك كانت الإمكانية متاحة أمام تفويت الفرصة على محاولاتها الاعتراضية على تحرر الشعوب، وهذه الحسابات لا تدخل في حسابات سياسيين ثوريين بقدر ما يتولى أمرها رجال دولة بالمعنى الحقيقي.

كما أن من خصوصيات المنظومة الدولية ممارسة السيطرة بالوكالة، وفي حالة الثورات فإنها توظف ما يسمى بالثورات المضادة التي تقوم بها الفئات المتضررة من التغيير في الداخل، وواضح أن من الحلول التي تملكها قوى الثورة المضادة أمام إرادات الشعوب نحو استقلالها الفعلي هو تجريدها من مقوّم الدولة، الذي يسهل عليها تجديد الوصاية عليها تحت مسمى البند السابع من لوائح الأمم المتحدة، لذلك والمحصلة من كل ما تقدّم يتمثل في أن الوضع الثوري الحقيقي الآن هو الدفاع عن مقّوم الدولة والوعي بخطورة فقدانه، وبشكل موضوعي لا بد من الإقرار بأن ما يحصل من تحوّلات جارية الآن تعد مكسبا للحَراك الشعبي الذي حقق تغييرات ظاهرية مهمة، وأن المهمة الآن تكمن في تجديد نوعي للنضال من أجل حفظ المكاسب وتحقيق مزيد من التغيير الجذري.  

سعيدٌ بكَ اليومَ دكتور؛ كرمًا لا أمرًا؛ اختمِ الـحوار

مـمتن أنا أيضا بدعوتك لي إلى هذا الفضاء الفكري الفسيح فسحة أسئلتك التي تحفّز الذهن وتشحذه، شكرا لك ولصحيفة “البصائر” التي أتاحت لي الفرصة للإدلاء بما أفكر، لقد كانت فرصة للتفكير بصوت مرتفع كما يقال خاصة في إطار حواري يسهم في تقادح الأفكار وجعلها أكثر نفاذا إلى وعي القارئ المتلقي الذي أحييه كذلك على صبره معنا على هذا التوغل في أدغال الفكر ودهاليز السياسة، ولكم ولإدارة صحيفة “البصائر” فائق الشكر والتقدير.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الـمربـــي والـمفـتــش والكاتـــب بشيــر خلف في حديــث حصري لـ «البصائر»/ أُحــيِّي دولا عربية تُصرُّ على الامتناع عن الاعتراف بـ «الكيان الغاصب»

نستضيف اليوم قامة تربوية وأدبية وثقافية سامقة تُغرد عاليا ببوصلة واضحة المعالم.. سيرته ناصعة البياض؛ …