الرئيسية | على بصيرة | حدثونا عن الفساد الفكري والإيديولوجي فإنا نسيناه/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

حدثونا عن الفساد الفكري والإيديولوجي فإنا نسيناه/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

جميل جدا أن ترفع بلادي الجزائر، شعار التغيير نحو الأفضل، بمحاربة الفساد والمفسدين، فتستأصل شأفة كل ذلك بالإطاحة برموز فساد المال والأعمال، وتزج بهم في غياهب السجون، بعد عرضهم على المحاكم.

وجميل أكثر أن يبلغ الوعي الشعبي مداه، فتشترك الجماهير الشعبية في حملة الكشف عن المفسدين، والإشادة بمن كانوا أداة لوضع حد لشرذمة السرطان الاقتصادي، الذي حول الجزائر من بلد خصيب وعجيب إلى وطن يعاني الأنيميا، ويعيش الاحتضار والتبعية.

إن هذا وسام من أوسمة الحراك الشعبي، يعلقه شعبنا على جبين الجزائر الواعية، بعد صحوتها من الغيبوبة، وعودتها إلى الذات الحضارية العميقة الأبعاد، والامتداد.

ويشهد الله، وسيسجل التاريخ أن بلادنا قد ضربت أروع الأمثلة في منهجية التغيير، حيث عمدت إلى الأعالي من الأشجار اليابسة فقطعتها لتمكين أغصان الجذوع من الازدهار بعيدا عن العواطف الهوجاء، التي كادت تقضي على الأخضر واليابس، وتحول الجزائر إلى أرض قاحلة لا ماء فيها ولا نماء، ولا غذاء.

إن ما يجري على الساحة الوطنية في بلادنا- إذن- يمثل مرحلة تاريخية، يجب أن تخضع للتحليل والتعليل، وأن يتكفل المنصفون من الباحثين في التاريخ، والأموغرافيا، وعلم النفس الاجتماعي والتربوي، وفي السياسة، فيستخلصوا منها العبر في المبتدأ والخبر.

وإن من العبر المستخلصة مما يجري جملة من المعاني تتطلب التأمل الدقيق والعميق، ويجب أن نستبطن ظواهرها، كي نعيد بناء هياكل وطننا على أسس سليمة تكون مضادة للزلزال الاقتصادي، والانتحار الاستبدادي، وما قد ينجم عن ذلك من أثر ارتدادي.

لعل من أهم المعاني المستخلصة مما حدث الدروس العلمية التالية:

  • إن الفساد السياسي، والاقتصادي، والمالي هو نتيجة فاسدة، لمقدمات خاطئة.

ففاقد الذمة، وعديم الضمير، وخائن الأمانة ما كان له أن يصاب بما أصيب به لولا فساد فكري، رُكِّز في عقله، وتشويه تربوي لوث به سلوكه، وجرأة على أكل ما لغيره، عُوّد عليه.

  • إن الفساد الفكري، الذي هو الجسر الموصل إلى الفساد المالي والاقتصادي والسياسي يبدأ من قواعد التربية في البيت، ويمتد إلى المناهج الإباحية في المدرسة، لتستفحل بعد ذلك في شتى مجالات الحياة العامة.
  • إن تنشئة المواطن على الاستهانة بقدسية القيم، وعدم حرمة الذمم، والطعن في وحدة وحصانة الأمم، لهو عامل هدم للشخصية، ومحطم للقيمة الوطنية، وهو ما يقود إلى انفكاك كل معنى للمواطنة والوطنية، والإنسانية.

ومن أظلم ممن يعمد إلى الذات العلية الإلهية، فينزع قدسيتها من عقول الناشئة، وإلى المقامات النبوية فيختزلها في مجرد عمل بشري، شبيه بأي مفكر غربي فتراه يحذف البسملة من النصوص، ويمكّن من الخوض في فلسفة التدين المنقوص للصوص بالعدوانية على القصوص؟

ومن أضل ممن يجرؤ على أصول الوطن، فيقدم على تمزيقها، وتفتيتها، وتشتيتها، فيقسمها إلى طائفية، وجهوية، وإقليمية نازعا بذلك عن الوطن قدسية وحدته، وعنوان قوته؟

لذلك وجدنا العقارب تدب بين الأقارب، فيكفُر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضا، وكل ذلك على حساب الفهم الصحيح للوطن والوطنية.

نحن باسم التسامح العقدي، نقبل أن يعلن أحد أنه لا يصلي، أو لا يصوم، وذلك أمر نكله إلى علاقته بخالقه، { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} ولكن ما لا نقبله هو أن يتدخل هذا العاصي في إفساد عقائد الناس باسم حرية التدين، فذلك هو الإفساد الفكري، والعدوان الإيديولوجي على عقيدة الأمة، وهو ما يؤدي إلى الفساد السياسي، والاقتصادي، والمالي.

وأن يعلن شخص ما أنه لا يريد الانتماء لأصل ما، فذلك أيضا، يمكن أن يقبل تحت غطاء تصحيح الأنساب، والألقاب، والناس مصدقون في أنسابهم، لكن أن يجرؤ شخص على إعلان الحرب على الوطن، الذي أنبته نباتا حسنا، وغذاه ورباه ليبيعه لوطن أجنبي آخر، فتلك هي الخيانة الوطنية العظمى للوطن، التي يحاسب عليها كل قانون إنساني، ويعاملها معاملة الخيانة الكبرى، وهذه هي المقدمات الفاسدة التي تبدأ بالفساد الفكري، والإيديولوجي، والإعلامي، لتصل بعد ذلك إلى أساطين الفساد المالي والاقتصادي الذي تعاني منه بلادنا الجزائر اليوم.

إن الفساد كل لا يتجزأ، ويبدأ الفساد الحقيقي بالتلوث الثقافي، فعندما تحكم على جيل بكامله أن يعيش معاقا ثقافيا، منسلبا من ثقافته الحضارية، وانتمائه الوطني، بحيث يكون جسده في الجزائر، وعقله في فرنسا، فذلك هو أصل الداء، الذي جر علينا كل أنواع الوباء والبلاء.

لذلك كان التصدي للمنظومة التربوية في توجهها التغريبي الإنسلابي، فقامت على جمعية العلماء حملة الإعلاميين التغريبيين الذين يعانون من “العقدة الباديسية” بنعتنا بأبشع أنواع النعوت، لمجرد أننا نادينا بتحصين عقول أبنائنا ضد الفساد الفكري، والإيديولوجي، والإعلامي، وطالبنا بتنظيف المحيط من الغزو الفكري، والثقافي، حتى يتم الانسجام بين ما ينادي به الدستور وبين ما يتم في الخفاء المستور.

مأساة الجزائر اليوم –إذن، أنها أصيبت في عقلها، وفكرها، وأخلاقها فعممت الفساد بأوسع معانيه على كل فآت المجتمع، بدءا بإفساد عقل الطفل، وانتهاء بإفساد ذمة المسؤول، فهل إذا قلنا بأن الفساد المالي والاقتصادي والسياسي ما هو إلا نتيجة للفساد الفكري، والإيديولوجي، والإعلامي، نكون مخطئين؟

إن الدلائل التي نعيشها اليوم هي التي تحاول أن تتسلل إلى براءة الحراك الشعبي لتفسد عليه سلميته، ووحدته، وأصالة انتمائه، فتعدد فيه الرايات، وهي من علامات الضعف، وتفرع فيه الانتماءات وهي من دلالات السخف.

فيا قومنا، جميل منكم أن تتحدثوا عن أقطاب الفساد ﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَاد * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾[سورة الفجر الآية:11-14].

ولكن حدثونا، أيضا، عن الفساد الفكري والإيديولوجي، والإعلامي، فإنه المقدمة الفاسدة لكل أنواع الفساد الخطيرة الأخرى.. وذلك حتى لا تنسى.

عن المحرر

شاهد أيضاً

تجفيف الذاكرة والمنابع واغتيال العقول والمراجع

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ ذلك هو واقع صراعنا المرير، مع …