الرئيسية | حديث في السياسة | جدل الهوية والراية !!/ التهامي مجوري

جدل الهوية والراية !!/ التهامي مجوري

إن الجدل الذي أثير حول الراية الوطنية وغيرها من الرايات التي ترفع في الحراك، أعادنا إلى نقاش مسألة الهوية التي حسم فيها جدود الجزائريين منذ الفتح الإسلامي حسما نهائيا، لم يقع مثله من قبل، ولكن بعض الأطراف يبدو أنها لم تهضم هذه الحقيقة بعد فشرعنت للإصطفاف الفئوي بدل أن تعود إلى أصول المسائل فيما يتعلق بالهوية تحديدا.

ففي تغطية وكالة الأنباء الجزائرية لحراك الجمعة الماضية 28/06/2019 لفت انتباهي عبارات تقر أو تدعو إلى مثل هذا الاصطفاف الخطير من غير أي مبرر مشروع: “وبولايات البويرة وبجاية وتيزي وزو وبومرداس (…) حاملين العلم الوطني والراية الأمازيغية (…) معبرين عن ارتباطهم بهويتهم الأمازيغية التي يقر بها الدستور ومؤكدين في نفس الوقت على وحدة الشعب الجزائري”.

فالمتظاهرون يحملون العلم الوطني وإلى جانبه الراية الأمازيغية للتعبير عن هويتهم الأمازيغية التي أقرها الدستور، وبقطع النظر عن تفسير هذا السلوك وتبريره الحقيقي، ونشره بهذه الصيغة الاخبارية المعللة، ومن غير أن نضطر للبحث في الفرق المبدئي بين العلم الوطني والراية الأمازيغية، فإن مثل هذه العبارات توحي بأن هناك مشكلة لدى البعض في الهوية الجزائرية، أو على الأقل هناك خلل ثقافي لم نره إلا في المناطق المهزوزة عبر التاريخ، مثل “المثلث الفارسي الكردي العربي” في العراق…، وإلا ما معنى أن يكون للأمازيغي راية بحكم الدستور، ولا يكون للعربي راية بحكم الدستور أيضا…، والنتيجة التي سنصل إليها –وهي المقصود الوصول إليها- هي أن تكون هناك رايتان تتصارعان: راية أمازيغية وراية عربية، فيضيع بينهما العلم الوطني أو تكون هناك راية واحدة هي صاحبة السيادة ومن لم يملك راية أخرى لا حق له في الهوية الجزائرية.

ولهذا لابد من العودة إلى حسم الموضوع في فهم الهوية كما حسمها الجدود، والعض بالنواجد على مكوناتها وأبعادها وآثارها.

والهوية عموما في تقديري تتكون من ثلاثة عناصر تترتب عنها باقي القضايا والأهداف الاستراتيجية والوسائل الإجرائية، وهذه العناصر هي:

  1. الانتماء الأٌسري العرقي.
  2. الانتماء السياسي.
  3. الانتماء الديني.

أما الانتماء الأسري العرقي القبلي، فهو انتماء فطري لا خيار لأحد فيه، إذ لا يمكن أن يختار الإنسان أبويه وعائلته والعنصر الذي وجد نفسه فيه، فلا يختار أن يكون عربيا ولا أن يكون قبائليا ولا أن يكون شاويا ولا ميزابيا، ومن ثم لا يصلح أن يكون الانتماء الأسري والعرقي معيارا يقاس به الناس، فيعتمدونه في قربهم من هذا أو بعدهم عن ذاك، وفي قربهم من القيم السامية أو بعدهم عنها، ولذلك لم يكن في يوم من الأيام المفاضلة بين الأعراق والشعوب والقبائل مكرمة؛ بل كانت معرة متوارثة بين العنصريين في جميع الفئات البشرية، مثل قدامى العرب والترك والفرس ومن أوروبا الألمان قبيل الحرب العالمية الثانية واليمين المتطرف في جميع بلاد الغرب إلى اليوم.

على أن منطق الأشياء يعتبر أن هذا الاختلاف والتنوع الموجود في الأسر والأعراق آية من آيات الله قابلة للإستثمار وليست فضيلة يتباهى بها أهلها على غيرهم ممن يخالفونهم في الألوان والألسن {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} [الروم: 22]، والمعتبر من هذه الآية عندما تستثمر استثمارا حسنا يخدم الإنسان والقيم الأخلاقية الفاضلة، هو الفضائل التي تتمتع بها هذه الفئة من الناس أو تلك {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[الحجرات: 13]، وبناء على هذا التصور المبدئي اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم التباهي بالقبيلة والعرق دعوة جاهلية وقال:”دعوها فإنها منتنة“؛ لأن عنصر الإنسان يعود إلى آدم عليه السلام “كلكم لآدم وآدم من تراب“.

وما دام الانتماء الأسري والقبلي لا يصلح معيارا يحتذى في المجتمعات، كان لابد من وجود ضابط آخر يجمع الناس ولا يترك المباهاة هي التي تسوقهم إلى التصنيف العنصري الذي لا يراعي الفضائل والرذائل في أفعال الناس، فكان الانتماء السياسي والانتماء الديني هما الضابطان لحركة الإنسان، لما يحملان من معايير قيمية عادلة وصارمة بعيدة عن الأهواء والقيم القاصرة.

أما الإنتماء السياسي فلكونه الإطار الجامع للمجتمع، والمجتمع كما يعرفه علماء الاجتماع هو التقاء جماعة بشرية على أرض تربط بينهم مصالح وأهداف، والرابط بين أفراد المجتمع وفئاته لتحقيق تلك المصالح والأهداف هو التعاقد، الذي يبنى على الاتفاقات بجميع أبعادها، والتعاقد والاتفاقات كلها قضايا اختيارية تتقرر بمحض الإرادة الجماعية، ثم تخضع لذلك جميع الفئات المختلفة والمتنوعة مهما تباينت؛ لأن التعاقد هو التقاء على أمور تحقق مصالح وغايات محل اتفاق.

لا شك أن الخيارات الاجتماعية والمشاريع السياسية للمجتمعات لا تراعي الجزئيات الفردية والفئوية، وألا لكان لكل شخصة دولة لوحده، وإنما تعبر عن القضايا الكلية التي تحفظ للجميع مصالحهم وأهدافهم، بناء على توازن صارم في الحقوق والواجبات.

وكذلك الدين يمثل ركنا من أركان الهوية؛ لأنه يمثل خزان القيم الأخلاقية التي يحتاج إليها المجتمع في تنمية قيم التراحم والتواد والتعاطف التي يعرفها داخل الأسرة والقبيلة والعرق، فينقلها من تلك المساحات الأسرية الضيقة إلى رحابة المجتمع والإنسانية.

وقيمة عناصر الهوية تكون بحجمها وثقلها، وبما تقرره من قيم في حركة المجتمع، سواء بالنسبة للعرق أو للدين، فمراعاة العرق والدين وتعددهما في اعتبارهما عنصرين في هوية الدولة والمجتمع، لا ينبغي أن يفضي إلى تعدد الهويات، بقطع النظر عن الكم العددي لهذا العرق أو ذاك أو هذا الدين أو ذاك؛ لأن هوية الدولة لابد أن تكون واحدة، ولتكون واحدة لن تكون إلا بناء على تعاقد، ومن ثم فإن الهوية السياسية اليوم هي الهوية الجامعة، ولا يجوز الخروج عليها، ولعل هذا هو مراد الشيخ عبد الحميد ابن باديس رحمه الله “الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء“.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحكمة في الجدل السياسي/ التهامي مجوري

  الحكمة هي وضع الشيء في محله، قولا كان أو فعلا أو موقفا أو رأيا، …