الرئيسية | في رحاب الشريعة | لا لصفقة القرن… لا لورشة البحرين/يوسف جمعة سلامة

لا لصفقة القرن… لا لورشة البحرين/يوسف جمعة سلامة

أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده بسنده عَنْ ذِي الأَصَابِعِ، قَالَ:”قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِ ابْتُلِينَا بَعْدَكَ بِالْبَقَاءِ، أَيْنَ تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: عَلَيْكَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَنْشَأَ لَكَ ذُرِّيَّةٌ، يَغْدُونَ إِلَى ذَلِكَ الْمَسْجِدِ وَيَرُوحُونَ“.

نستنبط من هذا الحديث فضل المقام في بيت المقدس، كما جاء فيه:”عليك ببيت المقدس“، “عليك” اسم فعل أمر، أي الزم بيت المقدس لفضل المقام فيه، كما نتعرف فضل الغدوّ والرواح إلى مسجد بيت المقدس، بما جاء في الحديث نفسه:”فلعله أن ينشأ لك ذرية، يغدون إلى ذلك المسجد ويروحون“، ففلسطين عامة، وبيت المقدس خاصة هي الملجأ وقت اشتداد المحن والكروب .

ورشة المنامة في البحرين

عُقِدت ورشة المنامة في البحرين يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين 25-26/6/2019م والتي رعتها الولايات المتحدة الأمريكية، ونحن نؤكد على أن ورشة البحرين ستفشل ولن تنجح أبدًا، بإذن الله، لأن شعبنا الفلسطيني بكل فصائله ومكوناته السياسية رافضٌ لها، ولأنها تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية، وإنهاء المشروع الوطني الفلسطيني في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها مدينة القدس، وتعمل على إلغاء حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم ووطنهم.

إن الولايات المتحدة الأمريكية الطرف الراعي لهذه الورشة والضاغط لحضورها هي عدو للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، حيث إنها أعلنت منذ انطلاق مشروعها الإجرامي المعروف بصفقة القرن بأن القدس عاصمة أبدية لكيان الاحتلال، ونقلت السفارة الأمريكية إلى القدس، ووافقت على ضم أراض من الضفة لكيان الاحتلال، وأعلنت عن سيادة الاحتلال على الجولان، وتعمل على تجفيف الأموال عن وكالة الغوث للاجئين (الأونروا) تمهيدًا لتصفية قضية اللاجئين، كما منعت المساعدات عن المستشفيات والمؤسسات، وقد بدأت بالخطوات العملية لتصفية القضية الفلسطينية وتحويلها من قضية سياسية لشعب طُرد من أرضه ويريد العودة إلى وطنه إلى قضية إنسانية تحتاج لبعض المال.

لقد طالبنا بضرورة مقاطعة ورشة البحرين، كونها محاولة لتصفية القضية الفلسطينية، وتهدف إلى التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي على حساب الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، مؤكدين في الوقت ذاته على أن حلّ القضية الفلسطينية يقوم على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين إلى أرضهم المباركة ووطنهم الغالي فلسطين، مثمنين مواقف الدول المقاطعة لورشة البحرين.

فلسطين ليست للبيع

تحتل فلسطين مكانة مميزة في نفوس العرب والمسلمين، حيث تهفو إليها نفوسهم وتشدّ إليها الرحال من كل أنحاء المعمورة، ففيها المسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين، وهي أرض النبوات، وتاريخها مرتبط بِسِيَرِ الرسل الكرام -عليهم الصلاة والسلام-، وفيها التاريخ الإسلامي العريق الذي يزرع نفسه بقوة في كل شارع من شوارعها، وكل حجر من حجارتها ، وكل أثر من آثارها.

ففلسطين بقعة مباركة بل هي من أقدس البلاد وأشرفها، وهي عزيزة علينا ديناً ودنيا ، قديماً وحديثاً، ولن نُفرط فيها أبداً مهما كانت المغريات، ومهما عظمت التهديدات.

إننا نؤكد على أن فلسطين ليست للبيع وأن شبرًا واحدًا من أرضها المباركة أغلى من كل مليارات الدنيا، وأن مدينة القدس هي مدينة فلسطينية عربية إسلامية، فشعبنا الفلسطيني قدم مئات الآلاف من الشهداء والأسرى والجرحى والمبعدين دفاعًا عن وطنه ومقدساته، كما قدم أبناء الأمتين العربية والإسلامية عشرات الآلاف من الشهداء دفاعاً عن أرض الإسراء والمعراج.

بالوحدة نُفشل صفقة القرن

إن وحدة المسلمين وتضامنهم عمل يمثل قطب الرَّحى، ويمثل طوق النجاة لسفينة المسلمين، فالمسلمون لن ترتفع لهم راية ولن يستقيم لهم أمرٌ ما لم يكونوا متضامنين مجتمعين على كلمة واحدة، فقد جاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- على أمة ممزقة مبعثرة فجمعها ووحَّد كلمتها، ثم جمع العرب على اختلاف أوطانهم وجعلهم أمة واحدة بعد أن كانت الحروب مستعرة بينهم وصهرهم جميعاً في بوتقة الإسلام، فجمع بين أبي بكر القرشي الأبيض وبلال الحبشي الأسود، وصهيب الرومي وسلمان الفارسي، جعلهم إخوة متحابين بعد أن كانوا أعداء متخاصمين، وأزال ما بين الأوس والخزرج من خلاف، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وأصبح المسلمون بفضل الله كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، والله سبحانه وتعالى يرشد إلى ذلك بقوله:{وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}.

لقد حصل مرة بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن نشأت بين بعض الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين- مشادَّة كلاميَّة سمع منها ارتفاع الصوت، فأخرجت أم المؤمنين أم سلمة -رضي الله عنها- يدها من الحجرة الطاهرة، وأخذت تقول لهم: إن نبيكم يكره التفرُّقَ، ثم تلت عليهم قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ }، وتعني أن الخصام أساس الفرقة، والفرقة أساس البلاء.

إنّ الموقف الفلسطيني المُوحد في رفضه لصفقة القرن ولورشة البحرين يوجب علينا أن نعمل فورًا على إنهاء الانقسام البغيض، وأن ننشر ثقافة الوحدة والأخوة والتسامح بين أبناء شعبنا من خلال وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة، وفي أدبياتنا وفي خطبنا وفي محاضراتنا، فشعبنا الفلسطيني شعب واحد يسعى لإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، فيا أبناء شعبنا المرابط ترفَّعوا على خلافاتكم وافتحوا صفحة جديدة من المحبة والأخوة، فنحن شعب واحد، ولنا هدف واحد، ومن المعلوم أن سرّ قوتنا في وحدتنا، وأن ضعفنا في فرقتنا، وأن الوحدة هي السبيل الوحيد لإنهاء الاحتلال والمحافظة على المسجد الأقصى والقدس وفلسطين أرض الإسراء والمعراج .

المواقف المشرفة لعلماء الجزائر

إن الواجب علينا أن نشيد بدور علماء الجزائر الأفاضل على مواقفهم الشجاعة وفتاواهم الجريئة في وجوب التمسك بأرض فلسطين والمحافظة عليها وعلى مقدساتها، وضرورة العمل على تحريرها، حيث إنّ للعلماء دوراً فاعلاً في الذود عن فلسطين، ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر:

موقف الإمام الشيخ/ عبد الحميد بن باديس مؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذي قال: إن القضية الفلسطينية بصفة عامة وقضية القدس والأقصى بصفة خاصة لهي قضية العرب والمسلمين قاطبة، فهي مسرى النبي –صلى الله عليه وسلم– ومعراجه، وأولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين، حيث قال في مجلته الشهاب بتاريخ جمادى الثانية1357هـ الموافق لشهر أوت(أغسطس) 1938م:”رحاب القدس الشريف مثلُ رحاب مكة والمدينة، وقد قال الله في الآية الأولى من سورة الإسراء:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}؛ ليعرفنا بفضل تلك الرحاب، فكلُّ ما هو واقع بها كأنه واقع برحاب المسجد الحرام ومسجد طَيْبَةَ”.

وكذلك موقف الإمام/ محمد البشير الإبراهيمي، حيث ذكرت جريدة البصائر قوله: أيها العرب، أيها المسلمون! “إنَّ فلسطين وديعةُ محمدٍ عنْدَنا، وأمانةُ عُمَر في ذِمَمِناَ، وَعَهْدُ الإسلامِ في أَعْناقِنا، فَلئِن أخذها اليهود مِنَّا – ونحنُ عُصبةٌ – إنا إذاً لخاسرون”.

إن فلسطين بصفة عامة ومدينة القدس بصفة خاصة تحتاج إلى وقفة جادة من الأمتين العربية والإسلامية لوقف المخطط الإجرامي الذي تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية وسلطات الاحتلال الإسرائيلي ضد شعبنا الفلسطيني وقضيته العادلة، وكذلك للمحافظة على المدينة المقدسة ولؤلؤتها المسجد الأقصى المبارك، ولمساعدة المقدسيين على الثبات فوق أرضهم المباركة، ففلسطين والقدس تستحق منا الكثير.

وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

نفــــوس ونــفــــوس ومــا فــي خلــــق الله من العبــــر والـــدروس

الشيخ محمد مكركب أبران/ نفوس جبلت على الخير، مُنطوية على العطف والحب والرحمة، قد تتعثر …