الرئيسية | في رحاب الشريعة | ذكرى يوم الحرية والاستقلال يوم إنهاء الهيمنة الأجنبية والاحتلال/ محمد مكركب

ذكرى يوم الحرية والاستقلال يوم إنهاء الهيمنة الأجنبية والاحتلال/ محمد مكركب

﴿طسم (1) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ مَا كانُوا يَحْذَرُونَ (6)﴾ (القصص)

1 ـ لقد سجل التاريخ في شمال إفريقيةَ صفحاتٍ تنطق بأعظم الحوادث والآيات، ووقائعَ تاريخيةً تشهد على ظلم الظالمين وما فعلته أوروبا من الموبقات والمنكرات، وحجمَ الخسائرِ والتضحيات، كان مركز تلك الحروب والمقاومات في ذلك البلدِ العظيم الذي يقال له الجزائر، فقد شاء الله العلي الحكيم أن يَبتليَ الشعبَ الجزائريَ المسلم باستعمار غاشمٍ ظالمٍ، ذلك هو الاحتلال الفرنسي من سنة 1830م إلى 1962م،

ورحم الله شوقي إذ قال، وهو يبكي سورية المسلمة والبلدان التي استعمرتها فرنسا الظالمة، نظم القصيدة سنة 1926م:

وللمستعمرين وَإِنْ أَلَانُوا … قلوبٌ كَالْحِجَارةِ لاتَرِقُّ. دَمُ الثوَّارِ تَعْرِفُهُ فرنْسَا …وَتَعْلَمُ أنَّهُ نُورٌ وَحَقُّ. بِلَادٌ مَاتَ فِتْيَتُهَا لِتَحْيَا…وَزَالُوا دُونَ قَوْمِهِمْ لِيَبْقُوا. وَلَا يَبْنِي الْمَمَالِكَ كالضَّحَايَا… وَلَا يُدْنِي الحقُوقَ وَلَا يُحِقُّ. وَلِلْحُرِّيَّةِ الْحَمْرَاءِ بَابٌ … بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ. وَقِيلَ مَعَالِمُ التَّارِيخِ دُكَّتْ… وَقِيلَ أَصَابَهَا تَلَفٌ وَحَرْقُ. فقلت لشوقي رحمه الله لاتخشى على معالم التاريخ فستبقى بإذن الله العزيز الحكيم، وستبقى سورية والجزائر مادام قوة الإيمان تحرك الشباب نحو الصواب بشريعة الكتاب، فالجزائر واقفة وحسبها الله وفي صمودها نور وحق.

2 ـ كانت فترةُ الاحتلال حِقْبَةً استعماريَّةً  دفع خلالها الشعبُ الجزائريُّ ثمنا غاليا أغلى من المال، وتحمل من جراء ذلك حِمْلاً باهِظًا أثْقَلَ من الجبال، ملايين النفوس من الجزائريين  قتلها الجيش الفرنسي المحتل، إنه جيش الاستدمار جيش الذين أكلوا قمح الجزائر ولم يدفعوا ثمنه فردوا على خيرات الجزائر بالمدافع والقنابل والمجازر. جاءوا ليخرجوا الجزائريين من الإسلام إلى الكفر، وليمحوا من ذاكرة التاريخ قِسْما طيبا غاليا من أرض الله اسمه المغرب الأوسط، وخريطة جغرافية من شمال إفريقيا اسمها الجزائر، ومن أهداف فرنسا المستعمرة بغزوها العسكري وغزوها الثقافي أن تخرج الشعب الجزائري من ثقافة الآيات البينات، ولسان جوامع الكلم النبوي، إلى غُوِّ الْغَوَايَةِ، ولوْثَةِ الرَّطَانَةِ، وليمزقوا وحدة الشعب الجزائري المسلم، فقام المجاهدون العلماء المصلحون ومن ورائهم كل الشعب الجزائري ليقولوا لفرنسا: الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا.  قال الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ  الْحَقُّ﴾ (البقرة:109)

3 ـ إن اليوم الخامس من شهر جويلية من كل عام يذكرنا بتلك الأحزان والآلام، أحزانِ المستعمرين المحتلين، وآلامِ التجهيل والإذلال والتذليل، ولكن هذا التَّذَكُّرَ والتذكيرْ يظلُّ جرسَ إيقاظٍ وتنبيهٍ ويَظَلُّ بعثاً للهمم على حسنِ التفكير والتدبير، ليظل الشعب متيقظا حارسا أمينا ثابتا على المبادئ ومدافعا عن الجزائر، حتى لاتسقط من جديد في استعمار فكري غربي إباحي.

فإن اليوم الخامس من جويلية بِقَدْرِ ما كان يومَ حُزنٍ سنةَ ثلاثين وثمانمائة وألْفٍ لِلْميلاد، فهو يوم الحرية واسترجاع السيادة الوطنية، يوم الحريةِ والعَتَاقَةِ والخروج من عبودية استعباد العباد، إلى عبودية رب العباد، وهو أيضا أي: اليوم الخامس من جويلة يوم استرجاع السيادة الوطنية للشعب الجزائري الحر الشجاع المتمسك بإسلامه وقرآنه ووحدته الوطنية، نعم ووحدته الوطنية رغم كيد العداء، ليسجل الشعب الجزائري بثورته العظيمة في الذاكرة التاريخية الإفريقية والعالمية أشرف ثورة وأعظم انتصار على الكفار الفجار، إنها ثورة نوفمبر الجهادية العلمائية المباركة. فبأعظم بطولة قد افتك الشعب الجزائري حريته واستقلاله من براثن الاستدمار الفرنسي بالنفس والمال والمعاناة، بالوحدة والاتحاد والتضحيات، بالجهاد والصمود والثبات، وليكونَ استقلالُ الجزائرِ أعظمَ تاريخٍ وأغلى استقلال، لولا ما أصاب هذا التاريخ من هَنَّاتٍ وهَنَّات، حَزَن لها العلماءُ وبكت لها الأمهات. ولكن هيهات هيهات، سيظل الشعب الجزائري ثابتا على منهج الإيمان وشريعة القرآن في طريق الشهداء، وسيظل الشعب يردد نداء المجاهدين: {يانشء أنت رجاؤنا وبك الصباح قد اقترب. خذ للحياة سلاحها وخذ الخطوب ولا تهب.} والسلاح هو الإيمان والقرآن وسنة خاتم النبيين ثم الوحدة الوطنية لكل الجزائريين.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشاءُ. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ. جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرار. وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ.﴾ (إبراهيم:27 ـ 30)

4 ـ ويقف اليوم الشعب الجزائري كواحد من الشعوب المسلمة، سواء بالمشرق العربي أو المغرب العربي أمام تحديات غربية وشرقية في العلم والاقتصاد والسياسة والدفاع، يقف الشعب الجزائري ككثير من الشعوب أمام  امتحاناتٍ خطيرة وفتنٍ مستطيرة في كل المجالات والاتجاهات وهو يردد الآيات.﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.﴾ (المائدة:51) ﴿وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (البقرة:217)

5 ـ وظن الفرنسيون ونَخَّاسُوهُم وأتْبَاعُهُم أنهم لن يخرجوا من الجزائر، ولكن الشعب الجزائري من يوم الفتح الإسلامي المبين، إلى يوم نوفمبر أربعة وخمسين، قال كلمة الفصل وهي أن الجزائر سَتَظَلُّ حرةً مسلمةً مؤمنةً متحدةً متوكلةً على خالقها ورازقها سبحانه لاإله إلا هو العزيز الحكيم.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم،﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ.﴾ (الحشر:1،2)

6 ـ فما هو المطلوب اليوم من الجزائريين والجزائريات  من أبناء وبنات الأمير عبد القادر وابن باديس وابن بولعيد وعمروش وغيرهم جميعا؟ أن يحفظوا الأمانة أن يحفظوا الجزائر والله خير حفظا، أن يحافظوا على الثوابت والمبادئ والقيم. قال الله تعالى:﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ الثبات على الإسلام إيمانا وشريعة وأخلاقا وسياسة وحبا وأخوة.

الواجب علينا أن نشكر الله على نعمة الهدى في طريق الإيمان، أن نشكر الله  على نعمة الأمن والأمان، أن نشكر الله ونواصل الإصلاح والبناء والعمران. لقد أمر الله تعالى الصحابة بدراسة التاريخ والاعتبار بالتاريخ وأن يشكروا الله على النصر والسيادة فقال سبحانه:﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الأنفال:26)

وما هو الواجب العملي بالتفصيل عملا بالبيان والدليل. هو في بيان الله العزيز الحكيم: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج:41)   اللهم اشهد فإننا ذَكَّرْنا كما أمرت، اللهم احفظ الجزائر وسائر بلدان المسلمين. آمين.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

فـــــك قيــــود الأزمات والتخلص من عثرات الانهزامات

الشيخ محمد مكركب أبران Oulamas.fetwa@gmail.com/ الأزمة تعني الشدة والضيق والفاقة، وبمفهوم الاقتصاد فالأزمة هي القحط …